انسداد الأفق السياسي بين الفلسطينيين والإسرائيليين بانتظار التغيرات الإقليمية والإسرائيلية

بقلم: ماجد كيالي

يبدو أن الانسداد السياسي المطبق هو سمة هذه المرحلة على صعيد الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين وذلك للأشهر القليلة المقبلة، على الأقل، بحكم انشغال الإدارة الأميركية بالتحضير لحملتها ضد العراق وبقاء شارون في سدّة السلطة، وممانعته لأي مسار سياسي، وأيضا بحكم عدم قدرة الفلسطينيين (والعرب عموما)، في ظل هذه الأوضاع، على فرض أولوياتهم على الطرفين الأميركي والإسرائيلي.
على ذلك فإن التحركات السياسية الجارية، هذه الأيام، هي مجرد حركة لملء الفراغ ولعب في الوقت الضائع، ليس إلا، وهذا ينطبق على زيارة الوفد الفلسطيني، برئاسة الوزير صائب عريقات، إلى واشنطن وعلى اللقاءات الفلسطينية ـ الإسرائيلية، ومعها مشروع "غزة أولا، "كما ينطبق على الجهود الدولية والعربية الجارية؛ إذ أن أية مراهنة على حل للتهدئة أو للتسوية في هذه المرحلة هي في غير محلها.
وفي الواقع فإن مختلف الأطراف المعنية لا ترغب بحل، أو هي لا تملك القدرة على تمريره، في هذه الظروف، ولذلك فثمة تسليم بضرورة ترحيل أي حل للمرحلة القادمة، أي مرحلة ما بعد الحرب على العراق والتغيير السياسي في إسرائيل وإحداث التحولات في السلطة الفلسطينية.
من جهتها، مثلا، تبدو إدارة بوش غير معنية بتبريد الأجواء بين الفلسطينيين والإسرائيليين بقدر ماهي معنية بتمهيد الأرضية اللازمة للهجوم على العراق، من خلال توجيه رسائل الابتزاز والتهديد، المباشر وغير المباشر، ضد مصر والمملكة العربية السعودية وسوريا ولبنان والقيادة الفلسطينية، مرورا بلملمة أشتات "المعارضة" العراقية وبثّ الدعايات لتهيئة الرأي العام الأميركي والعالمي لعمليتها القادمة في العراق، وصولا لإتمام الاستعدادات اللوجستية اللازمة لهذه الحرب في الميدان.
ويستنتج من ذلك أن إدارة بوش باتت ترهن مصيرها السياسي بنتائج الحرب التي تبيّتها لإسقاط النظام العراقي، في إطار ما يسمى المرحلة الثانية من الحرب ضد الإرهاب، وهذا الحساب السياسي مرتبط بعوامل كثيرة، أولها، أن هذه الإدارة تريد إشغال المجتمع الأميركي بقضية خارجية مثيرة تصرفه عن الانشغال بالركود الاقتصادي أو بالفضائح المالية والقانونية التي طاولت كبريات الشركات الأميركية، وأدت إلى انهيار العديد منها، والتي تشير، ربما، إلى تورط الرئيس الأميركي وعدد من أركان إدارته بها؛ وثانيها، حاجة المجتمع الأميركي بعد صدمة سبتمبر(2001) إلى صدمة نفسية عكسية، على شكل نصر عسكري خارجي كبير، يشفي روح الغطرسة والاستعلاء لديه، ويرسخ مهابة أمريكا في العالم؛ وهذا "النصر" وحده في ذهن جورج دبليو بوش (وأركان إدارته )من شأنه أن يمنحه فرصة التمديد لولاية رئاسية أخرى؛ ثالثها، رغبة هذه الإدارة بعدم الخوض بأية مواجهة مع إسرائيل، خصوصا في ظل شارون، وهي لذلك تجد نفسها غير معنية بعملية التسوية في هذه الظروف على الأقل، تحاشيا للاصطدام مع اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة المدعوم من الأطراف اليمينية والدينية المحافظة؛ رابعها، اعتقاد الدوائر اليمينية المتشددة، التي تحتل مراكز نفوذ مهمة في إدارة البيت الأبيض، بأن الحرب ضد العراق يمكن أن تعزز هيمنة الولايات المتحدة على منابع النفط، ومن شأن ذلك أن يمكنها، أيضا، من تعزيز سيطرتها على أسواق النفط وتكريس سيطرتها، بالتالي، على التجارة العالمية وعبرها على العلاقات الدولية.
أما على الصعيد الإسرائيلي؛ فثمة متغيرات كثيرة قد تحصل في الأشهر القادمة، إذ أن شعبية شارون في انحدار وحكومته على وشك الانفراط، أو هي في نهاية طريقها السياسي، بسبب عدم قدرتها على ترجمة "انتصارها" العسكري على الفلسطينيين سياسيا بدليل صمود الفلسطينيين واستمرار مقاومتهم؛ وتؤكد العديد من المؤشرات بأن إسرائيل قد تتجه نحو انتخابات مبكرة للكنيست ولرئيس الحكومة في مايو من العام القادم.
ومن ناحية ثانية فإن حزب العمل، الشريك الثاني في حكومة شارون، يتعرض لهزات داخلية عنيفة تهدّد زعامة بن اليعازر، وهذه الهزات هي التي ضغطت على بن اليعازر ودفعته لاقتراح مسار سياسي والتصويت ضد مشروع الموازنة في جلسة الحكومة والتهديد بالخروج من الحكومة على خلفية هذين الموضوعين في حال استمر الوضع على ماهو عليه، في أكتوبر القادم، موعد التصويت على مشروع الموازنة.
ومعروف أنه ثمة تيار واسع داخل حزب العمل يطالب، منذ وقت طويل، بالخروج من حكومة شارون، لأن الاستمرار فيها أدى إلى تدهور مكانة هذا الحزب في المجتمع الإسرائيلي وضيّع هويته السياسية، وقد بلور هذا التيار قوة ضغط للدفع في هذا الاتجاه، من مظاهرها استقالة شلومو بن عامي وزير الخارجية في حكومة باراك من الكنيست وانسحاب داليا رابين من الحزب وتهديد إبراهام بورغ بدعم حاييم رامون في التنافس على رئاسة الحزب مقابل زعيمه الحالي بن اليعازر، وتشكيل يوسي بيلين لحركة يسارية جديدة، هذا فضلا عن انسحاب العديد من قياديه من الحزب ومن الحياة السياسية كعوزي برعام مثلا، وهناك العديد منهم على الطريق في حال استمر الوضع على حاله.
ومن المنتظر أن يعقد حزب العمل مؤتمرا له في نوفمبر القادم لحسم التنافس على زعامة الحزب وحسم مسألة البقاء في الحكومة أو الخروج منها. ومن الجدير ذكره أيضا أنه ثمة تبلور لحركتين سياسيتين جديدتين في إسرائيل، الأولى تتمثل بتوليد حركة يسارية ـ اشتراكية جديدة مؤيدة للسلام مع الفلسطينيين تضم حزب ميريتس وأطراف من حزب العمل (بقيادة) يوسي بيلين، والخيار الديمقراطي (حزب للمهاجرين الروس) وبعض المستقلين والعرب، والثانية، تتمثل بحركة يقودها عامي أيالون (رئيس الشباك السابق) وهو من المؤيدين للتسوية مع الفلسطينيين، وتضم حركته بعض رجال الأعمال وأساتذة جامعات وقطاع واسع من الفئات الوسطى، ومن شأن وجود هاتين الحركتين إحداث تغيرات مهمة في الخارطة السياسية الإسرائيلية.
حتى القيادة الفلسطينية لا تبدو، أيضا، في عجلة من أمرها لولوج الطريق السياسي، بغض النظر عن تعاطيها، التاكتيكي أو المزاجي، مع بالونات الاختبار والمناورات السياسية، فهذه القيادة أولا، مشغولة بترميم مكانتها على الصعيد الدولي وخصوصا إزاء الإدارة الأميركية، المعادية جدا لها، وهي، ثانيا، لا ترى في الوضع الإقليمي الحرج وأجواء الحرب في المنطقة ظرفا مناسبا لها للخوض في أي حل، وثالثا، لأنها بحاجة لترميم بيتها الداخلي بعد الدمار المادي الذي لحق بأجهزتها ومؤسساتها وبعد هذا التآكل في مكانتها المعنوية على الصعيد الداخلي.
الآن وعلى ضوء ذلك يمكننا أن نفسر، مثلا، طرح إسرائيل لخطة غزة (وبيت لحم) أولا، التي وافقت القيادة الفلسطينية عليها، ولو مكرهة، وأن نفسر، أيضا، تراجع إسرائيل عن خطتها هذه.
لهذه الأسباب كلها يبدو أن مختلف الأطراف المعنية "تتواطأ" فيما بينها، وإن بشكل غير مقصود وغير مباشر، على إيجاد شكل من أشكال الحركة السياسية لتقطيع الوقت بانتظار المتغيرات التي يفترض حدوثها قريبا لتقرير شكل الحركة القادمة.
ومعنى ذلك أن مسرح الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين لن يهدأ، في الأشهر المقبلة، بل إنه على العكس من ذلك قد يشهد تصعيدا، بحدود مسيطر عليها، في محاولة كل من الطرفين ممارسة مختلف أشكال الضغط على الطرف الأخر لتعزيز النقاط لصالحه وللمساهمة في تغيير المعطيات لدى الطرف الأخر؛ بانتظار الذي يأتي أو الذي لا يأتي. ماجد كيالي