'انحناء الزمان ـ المكان'.. بعيداً عن الميثولوجيا!

بقلم: جواد البشيتي

"نسبية الزمن"، على ما شَرَحَهَا آينشتاين، وفي كثيرٍ من تفاصيلها وأوجهها وأبعادها، ما عادت بـ "الفرضية الفيزيائية التي لمَّا تُثْبِتَها وتؤكِّدها التجربة"، فلو وَضَعْتَ "ساعة" على مَقْرُبة من مَرْكَز الكرة الأرضية، لَرَأَيْتَ عقاربها تسير، أو تدور، في بُطْء شديد نسبياً، أي نِسْبَةً إلى سَيْر، أو دوران، عقاربها لو وُضِعَت على سطح الأرض، أي بعيداً عن مَرْكَز الجاذبية الأرضية.

وعلى سطح كوكب المشتري، الذي هو أعظم "كتلةً" و"جاذبيةً" من كوكب الأرض، يَبْطؤ سَيْر الزمن، فعقارب الساعة هناك تدور أبْطأ من دورانها هنا، أي على سطح الأرض.

إنَّ سَيْر الزمن يبطؤ على سطح جسم عظيم الكتلة؛ ويبطؤ أكثر على مقربة من مَرْكَز هذا الجسم نفسه؛ ففي "مَرْكَز"، أو "باطن"، الجسم يَسْتَوْفي "بُطء سَيْر الزمن"، أو "انحناء (وتقوَّس) الزمان ـ المكان"، على وجه العموم، شروط وأسباب اشتداده وتزايده.

وبُطء الزمن، في المواضِع عظيمة "الكتلة" و"الجاذبية" كالنجوم، إنَّما يعني أنَّ حدوث الشيء ذاته هناك، يَسْتَغْرِق، بحسب "ساعتنا الأرضية"، زمناً أطول، فَقَلْبُكَ، على سبيل المثال، يَنْبُض هناك 70 نبضة في الدقيقة الواحدة، بحسب ساعتكَ، وفي دقيقتين، مثلاً، بحسب "الساعة الأرضية"؛ وهذا المقدار من الماء الذي يتبخَّر كله هنا في زمن مقداره، بحسب ساعتكَ الأرضية، 5 دقائق، يَتَبَخَّر هناك في زمن مقداره 5 دقائق أيضاً، بحسب الساعة هناك؛ ولكن في زمن مقداره، بالنسبة إلى المراقِب الأرضي، وبحسب ساعته، 10 دقائق مثلا.

إنَّ بُطء الزمن، في معناه هذا، هو العاقبة الحتمية لِعِظَم "الكتلة" و"الجاذبية" في المواضِع التي نراقبها من على سطح كوكبنا الأرضي مثلاً.

الظاهرة ذاتها، أي بُطء الزمن، نراها، أيضاً، في الجسم المتسارِع، أي الذي يسير في الفضاء في سرعة متزايدة، فكلَّما تسارَع بَطُؤَ سَيْر الزمن فيه. وهنا، لا بدَّ من التذكير بأنَّ "التسارُع" يَزيد "كتلة" الجسم (المتسارِع) وجاذبيته بالتالي.

وحيث يَبْطُؤ سَيْر الزمن "يتقوَّس" الفضاء و"ينحني"، فالجسم (الطبيعي أو الاصطناعي) الذي يَبْطُؤ فيه سَيْر الزمن (بالنسبة إلى مراقِب خارجي ما) لِتَسارُعِهِ، أو لِعِظَم كتلته، وجاذبيته بالتالي، "يتقوَّس"، أو "يَنْحَني"، الفضاء من حَوْلِه. وهذا الاتِّحاد الذي لا انفصام فيه بين "تباطؤ" الزمن و"تَقَوُّس" الفضاء هو ما يَعْنيه مفهوم "انحناء الزمان ـ المكان" أو "انحناء الزمكان" Curvature Of Space-Time.

في التفاعُل (الحتمي) بين "المادة"، أو "الكتلة" على وجه الخصوص والتعيين، و"الفضاء"، تُشير "المادة" على "الفضاء"، الذي من حَوْلِها، بأنْ "يَتَقَوَّس (يَنْحَني)" على نحو مخصوص، فَيَتَقَوَّس، فإذا "تَقَوَّس" فإنَّه يُشير، عندئذٍ، على كل مادة ضِمْنَه بأنْ تتحرَّكَ على نحو مخصوص. إنَّ ما يَظْهَر لنا على أنَّه نتيجة لعمل "قُوَّة الجاذبية" ليس سوى نتيجة لـ "تَقَوُّس الفضاء" حَوْل جسم عظيم الكتلة، أو حَوْل جسم متسارِع.

الأرض، مثلاً، تدور حَوْلَ الشمس؛ ولكن ليس بسبب "قوَّة الجاذبية (الشمسية)"، أي ليس بسبب جَذْب الشمس لها. الأرض إنَّما تنتقل، أو تتحرَّك، في "الممر (أو المسار) الأقْصَر" في "الفضاء المتقوِّس" حَوْل الشمس (بسبب كتلة الشمس) فَتَظْهَر لنا (أي الأرض) على أنَّها تدور حَوْل الشمس بسبب "الجاذبية (الشمسية)". إنَّها تشبه في دورانها حَوْل الشمس كُرَةً معدنية صغيرة جدَّاً، تَنْزَلِق انزلاقاً في داخل أُنبوب دائري الشكل، موضوع، في شكل عمودي، على سطح طاولة، مع افْتِراض أن لا احتكاك بين الكُرة والأُنبوب؛ فتَظَل هذه الكُرَة تدور من غير توقُّف (في داخل هذا الأُنبوب) وبسرعة ثابتة منتظَمة، بسبب "قصورها الذاتي".

الكتلة الشمسية "هَنْدَسَت" الفضاء من حَوْلِها، فليس من "مسارٍ فضائي مستقيم" على مَقْرُبة من الشمس. وكوكب الأرض، بكتلته الأصْغَر كثيراً من كتلة الشمس، يُرْغَم إرْغاماً على أن يسير حَوْل الشمس في "المسار الأقْصَر"، فـ "الأقْصَر" من "الخطوط" في الفضاء ليس "المستقيم"، وإنَّما "المنحني".

إنَّ السَيْر في الفضاء يشبه لجهة العلاقة بين "الاستقامة" و"الانحناء" أن تسير في خطٍّ مستقيم في موازاة خطِّ الاستواء (على سطح الكرة الأرضية). إنَّكَ تسير وأنتَ متأكِّد تماماً أنَّكَ تسير في خطٍّ مستقيم؛ ولكنَّ المراقِب لكَ من على سطح القمر مثلا لا يرى شيئاً من الاستقامة في خطِّ سَيْرِكَ، فأنتَ بالنسبة إليه إنَّما تسير في خطٍّ دائري.

سَيْرُكَ ( وأنتَ في مركبة فضائية) في الفضاء في خطٍّ مستقيم إنَّما يماثِل، في تناقضه هذا، سَيْرُكَ بمحاذاة (أو على) خط الاستواء (الأرضي).

خُذْ حجراً وأنتَ تسير في الفضاء، واقْذِفه ليسير في خطًّ (فضائي) مستقيم. سيظلُّ يسير (إلى الأبد) في خطٍّ مستقيم (على ما يرى هو إذا ما تخيَّلناه على أنَّه يرى ويُبْصِر) وفي الاتِّجاه ذاته، ومن غير أن تزيد، أو تنقص، سرعته. ولكنَّ حقيقة سَيْره مختلفة، فهذا الحجر إنَّما يسير، حقيقةً وواقعاً، وعلى الرغم من أنفه، في خطٍّ منحنٍ، فهو لا يسير إلاَّ في فضاء (متقوِّس كله) وتسبَّبت كتلة لجسم ما، تقع على مقربة من هذا الحجر، بـ "تقوُّس مَوْضِعي" له، فالفضاء المتقوِّس عموماً (بسبب كتلة الكون) يختلف في شِدَّة تقوِّسه (من مَوْضِع إلى مَوْضِع) باختلاف كُتَل الأجسام التي تشغله.

هذا الحجر وفي أثناء سَيْرِه في خطٍّ (فضائي) مُنْحَنٍ (يبدو له مستقيماً) قد يَجِد نفسه على مقربة من نجمٍ عظيم الكتلة، فيَنْحَرِف عن خطِّ سَيْرِه هذا، فيشرع يسير في خطٍّ مُنْحَنٍ آخر، "رسَمَتْه"، أو "حَفَرَته"، في هذا المَوْضِع من الفضاء، كتلة هذا النجم، أو يَتَمَكَّن، بما يَمْلِك من قوَّة مقاوَمة، من الإفلات من هذه "المصيدة"، أي من المسار المنحني الجديد.

أمَّا إذا نَفَدَت وتلاشت مقاومته فإنَّه، عندئذٍ، يقع حتما في "المصيدة، فيسير في الخطِّ المنحني الجديد. وسَيْرُه فيه إنَّما يعني أنْ يدور حَوْل هذا النجم في مدارٍ من مداراته، التي أبْعَدها عن مَرْكَز النجم هو الأقل انحناءً، وأقْرَبها هو الأكثر انحناءً؛ وقد يَعْظُم ويشتد الانحناء في خطِّ سَيْرِه حتى يقع في "فَم" النجم.

والحجر هذا ما أنْ يدور في مدارٍ ما حَوْل النجم حتى تتولَّد فيه قوَّة مضادة معاكِسة، فيسير في هذا المدار وكأنَّه في حالٍ من التوازن، فـ "القوَّة" التي تشده إلى مَرْكَز النجم، تُبْطِل تأثيرها وفعلها "قوَّة" تَدْفعه بعيداً عن هذا المركز. وعليه، يظلُّ يسير في مداره هذا (بفضل "قصوره الذاتي") بسرعة ثابتة منتظَمة.. إلى أنْ يَقَع ما يُسَبِّبَ تغييرا ما في حاله هذه.

إنَّ النجم لا يشد إليه هذا الحجر شَدَّاً، فهو، أي النجم، لا يَمْلُك تلك "القوَّة (أي قوَّة الجاذبية)" التي تشد الحجر إليه، فتحتجزه في أحد مداراته، أو تُسْقِطَه في "فَمه"، فكلُّ ما في الأمر أنَّ الحجر "انزلقَ"، أو "تدحْرَج"، في هذا "الأخدود (المسار)"، أو ذاك، من "الأخاديد" التي حَفَرَتْها كتلة النجم في جوارها الفضائي، فَطَفِقَ يسير فيه، متأثِّراً بـ "قصوره الذاتي".

كوكب الأرض يدور حَوْل الشمس في مدار هو بالنسبة إليه مساره الفضائي الأقْصَر، وكوكب المشتري يدور حَوْل الشمس في مدار هو بالنسبة إليه مساره الفضائي الأقْصَر؛ وكوكب عطارد يدور حَوْل الشمس في مدار هو بالنسبة إليه مساره الفضائي الأقْصَر.

ويُمْكِن تشبيه النظام الشمسي (أي الشمس مع كواكبها التي تدور حَوْلَها ومع الفضاء الذي تَقَعُ فيه الشمس وكواكبها) بـ "المُلاءة الواسعة"، التي في منتصفها تَسْتَقِرُّ كرة معدنية ثقيلة وضخمة (كناية عن الشمس) فـ "يَتَقَعَّر"، بالتالي، سَطْح المُلاءة، المرفوعة عن أرض الغرفة، مثلاً، والمشدودة من أطرافها الأربعة. وهذه المُلاءة إنَّما هي كناية عن الفضاء (النسيج الفضائي) الذي غَيَّرت كتلة الشمس (الكرة المعدنية) شكله الهندسي (التقعُّر).

الشمس، بحسب هذا التشبيه، تَقَعُ في أسفل "منحدَر"، فإذا جِئْتَ بكرة خشبية صغيرة ودَحْرَجْتَها من أعلى المُنْحَدَر إلى أسفله فإنَّكَ ترى أنَّ تلك الكرة تسير، هابطةً، في خطٍّ مستقيم، ثمَّ تشرع تدور (إلى حين) حَوْل ذاك "المَرْكَز"، أي حَوْل تلك الكرة المعدنية الثقيلة والضخمة، ما أن تصطدم بها وتلامسها.

هذا "المُنْحَدَر، في واقعه في النظام الشمسي، إنَّما يتألَّف من مدارات كثيرة، بعضها "أعلى" من بعض، وبعضها "أوطأ" من بعض. إنَّ من السهولة بمكان أن تسير الكرة الخشبية الصغيرة في هذا المُنْحَدَر هبوطاً، وإنَّ من الصعوبة بمكان أن تسير صعوداً؛ لأنَّه في هذه الحال يغدو "مُرْتَفَعَاً".

"كُرَة المشتري"، أي كوكب المشتري، انزلقت، أو تَدَحْرَجت، في هذا "المُنْحَدَر الفضائي (الذي في أسفله تَقَع الشمس)"، ولكنَّها لَمْ تستمر في الانزلاق والتدحرج، وصولاً إلى المدار الأقرب إلى الشمس، والذي يدور فيه كوكب عطارد، فثمَّة ما أوْقَفَها، في انحدارها، عند نقطة معيَّنة، فدارت حَوْل الشمس في مدار أعلى من مدار الأرض، أو مدار عطارد.

"كُرَة المشتري" كانت مُزَوَّدة ما يشبه "الكابح في السَّيَّارة". هذا "الكابح"، وهو "قُوَّة (في المشتري) تَعْمَل في اتِّجاه معاكِس ومضاد للاتِّجاه الذي يتحرَّك فيه، تَمَكَّن من أن يُوْقِف انحدار (تَدَحْرُج) كوكب المشتري عند نقطة معيَّنة، فَشَرَع، بالتالي، يدور حَوْل الشمس في مدار هو بالنسبة إليه مساره الفضائي الأقْصَر.

ودورانه هذا إنَّما يَعْكِس خضوعه لقوَّتين متضادتين؛ ولكن متوازنتين، أي أنَّ كلتيهما تُبْطِل تأثير الأخرى. إذا اخْتَلَّ هذا التوازن لسبب ما فقد "يَصْعَد" المشتري إلى مدارٍ أعلى (إذا لَمْ ينفصل نهائياً عن النظام الشمس) أو "يَهْبِط" إلى مدارٍ أوْطأ (إذا لَمْ يَسْقُط حتى يَقَع في "فَم" الشمس).

وإنَّ سرعة دوران كل كوكب في مداره حَوْل الشمس تختلف باختلاف المسافة الفضائية بينه وبين الشمس، فعطارد، الأقرب إلى الشمس، يدور حَوْلها بسرعة أكبر من سرعة دوران المشتري الأكثر بُعْداً عنها من عطارد.

ولو قَلَّت سرعة عطارد لَسَقَطَ في "فَم" الشمس، فالسرعة التي يدور فيها الآن حَوْل الشمس إنَّما هي ما يبقيه في مداره ذاته، فـ "السرعة" هي التي تقي الجسم الذي يسير في الفضاء شرَّ الانزلاق في مسار فضائي لنجم عظيم الكتلة.

الجسم السائر في الفضاء إنَّما يسير بسرعة معيَّنة (هي دائما دون سرعة الضوء التي هي السرعة العظمى في الكون على ما تقول به نظرية آينشتاين) في خطٍّ مُنْحَنٍ. وسَيْره في خطٍّ مُنْحَنٍ إنَّما يدل على أنَّه يسير في "أُخدود"، حَفَرَتْهُ في الفضاء كتلة لجسم آخر، قد يكون نجماً أو مجرَّة..

وخَطُّ سَيْر جسمٍ ما في الفضاء (وهو خَطٌّ يجب أن يكون منحنياً) قد يتقاطع مع مسارٍ من المسارات التي أنْتَجَها نجم عظيم الكتلة في جواره الفضائي، فإمَّا أن ينزلق في هذا المسار وإمَّا أن يبدي من المقاوَمة ما يُمَكِّنه من اجتناب الانزلاق فيه، ومتابعة سَيْره، بالتالي، في مساره، الذي، كما قُلْنا، يجب أن يكون من صُنْع كتلة لجسم آخر (مجرَّة مثلاً).

حتى ذلك الجزء من الفضاء الذي يُمْكِن تصوُّره على أنَّه "فضاء محايد مستوٍ" لِخُلُوِّه من جسم عظيم الكتلة لا بدَّ له من أن ينحني ولو قليلا؛ ذلكَ لأنَّ الفضاء الكوني كله في حالٍ من الانحناء، الذي هو درجات.

عِظَم، أو تَعاظُم، كتلة جسم ما إنَّما يُنْتِج، حتماً، تَقَوُّساً في ما يُمْكِن تسميته "بُنْيًتِه الفضائية"، بوجهيها الداخلي والخارجي. وهذا التقوُّس "يُهَنْدِس" حتى مادة الجسم نفسه، وكأنَّ له تأثير المغناطيس في البُرادة من الحديد،، فنرى مادة الجسم مُتَجَمِّعة فيه على شكل كروي، وتزداد "كُرَوِيَّة الشكل"، وتَعْظُم، في الجسم، أو الجسيم، عظيم الكتلة، أو الذي تَعْظُم مادته كثافةً.

إنَّ "الانحناء"، أو "التدوير"، هو الشكل الهندسي للجسم عظيم الكتلة، وللمسارات الفضائية من حَوْلِه، فـ "الانحناء" في فضائه الداخلي، وفضائه الخارجي، هو العاقبة الحتمية لِعِظَم، أو تَعاظُم، كتلته (وجاذبيته بالتالي). وكلَّما انْحنى الفضاء الداخلي والفضاء الخارجي للجسم بَطُؤَ سَيْر الزمن فيه (بالنسبة إلى مراقب خارجي ما).

إنَّنا نرى الأشياء بفضل "الضوء" المُنْبَعِث منها. وهذا الضوء إنَّما يشبه "مُصَوِّراً"، انْطَلَقَ من "الجسم"، فسار في الفضاء بسرعة 300 ألف كيلومتر في الثانية الواحدة، حتى وَصَلَ إلى أعيننا، لِيُرينا "صورة" الجسم التي الْتَقَطَها له من قَبْل.

إذا انْطَلَق الضوء هذا (أي صورة الجسم الضوئية) من كوكب، أو نجم، عظيم الجاذبية (لأنَّه عظيم الكتلة) فإنَّه يَفْقِد، في سعيه للتغلُّب على هذه الجاذبية، مقداراً من طاقته. وَلِهبوط منسوب الطاقة فيه يَظْهَر لنا الحَدَثَ الذي يُصَوِّره هذا الضوء على أنَّه بطيء، فحدوثه، على ما نرى، يَسْتَغْرِق (بحسب ساعتنا الأرضية مثلاً) زمناً أطول، وكأنَّنا نرى مَشْهَداً سينمائياً تُعْرَض علينا أجزاؤه ومقاطعه وتفاصيله في بُطء شديد.

تَخَيَّل مَرْكَبة فضائية (أنتَ فيها) تدور في مدار حَوْل الأرض بسرعة "شبه ضوئية".. بسرعة 240 ألف كيلومتر في الثانية الواحدة مثلاً. هذه المَرْكَبة "تسارَعت" حتى بلغت تلك السرعة "شبه الضوئية".

الزمن في هذه المركبة لن يسير بسرعته الأرضية، فعقارب الساعة في داخل المَرْكَبة ستسير في بُطءٍ متزايد.. فكلَّما تسارعت المَرْكبة تباطأ سير عقارب الساعة فيها.

إنَّ الدقيقة الواحدة في المَرْكَبة هذه قد تَعْدل آلاف السنوات الأرضية. إذا راقَبْتُ أنا (من على سطح الأرض) عقرب الدقائق في الساعة التي في داخل المَرْكَبة فسوف أرى أنَّ كل دقيقة في هذه الساعة تَعْدِل سنوات أرضية، أو آلاف السنوات الأرضية. لو قُمْتَ أنتَ بفتح كِتاب لتقرأهُ، واسْتَغْرَق فتحه ثانيتين اثنتين بحسب ساعتكَ، فسوف أرى (وأنا أُراقِبكَ من على سطح الأرض) أنَّ فتحكَ للكتاب قد اسْتَغْرَق، بحسب ساعتي، سنوات أرضية.

إنَّ الشيء، كل شيء، ينشأ، فيَسْتَمر وجوداً، فيزول. وهذا ما نسمِّيه "عُمْر" الشيء. وهذا الشيء الذي نشأ لا بدَّ من أن يعتريه (في حياته) تغيير مخصوص، في جانبيه الكمِّي والنوعي، قبل، ومن أجل، أن يزول. ينبغي لهذا الشيء، الذي يحيا حياةً طبيعية، أن يَسْتَجْمِع كل شروط وأسباب زواله، من خلال تطوره ونموِّه الطبيعيين، وتفاعله مع بيئته.

وهذا "الاسْتجماع" يَخْتَلِف سرعةً باختلاف الخواص الزمانية ـ المكانية، أو "الزمكانية"، لبيئة الشيء، فإذا كان النجم عظيم الكتلة، أو المَرْكَبة الفضائية التي تسير بسرعة "شبه ضوئية"، هو، أو هي، بيئة هذا الشيء، فإنَّ اسْتِجْماعه لشروط وأسباب زواله الطبيعية يَسْتَغْرِق زمناً أطول (بحسب الساعة الأرضية مثلا) من الزمن الذي يَسْتَغْرقه في بيئة الأرض.

إنَّ هذا المقدار من الماء يتبخَّر كله بالتسخين في زمن أرضي مقداره 10 دقائق؛ أمَّا هناك، أي في ذاك النجم، أو في تلك المَرْكبة، فيتبخَّر كله في زمن أرضي مقداره 10 سنوات مثلاً. ولو سألْنا الشخص الذي قام بتسخينه وتبخيره هناك عن مقدار الزمن الذي اسْتَغْرقه تَبَخُّر الماء لأجاب قائلاً: "10 دقائق فحسب (بحسب ساعته هو)".

إنَّ "الأعمار الطبيعية" للأشياء والظواهر ذاتها لا تَخـتلف من مَوْضِع إلى مَوْضِع في الكون إذا ما قيست بالساعة التي تَخُصُّ المَوْضِع، فَقَلْبُكَ ينبض هنا، أي في الأرض، 70 نبضة في الدقيقة الواحدة، بحسب ساعتك (الأرضية) ويَنْبُض هناك، أي في نجم عظيم الكتلة، أو في مركبة فضائية تسير بسرعة "شبه ضوئية"، 70 نبضة في الدقيقة الواحدة، بحسب "ساعة النجم"، أو "ساعة المركبة". ولكنَّ الدقيقة الواحدة هناك قد تَعْدِل سنوات هنا.

تلك المَرْكَبة تعاظمت كتلتها، فكلَّما أسْرَعت وتسارعت زادت كتلتها وعَظُمت. وكلَّما زادت كتلتها وعَظُمت اشْتَدت جاذبيتها وقَوِيَت، فالفضاء من حَوْلِها يزداد انحناءً وتقوُّساً؛ وقد تتحوَّل إلى "ثُقْب أسود".

والمراقِب لها من على سطح الأرض سيرى أنَّ طولها قد تقلَّص وانكمش في الاتِّجاه الذي تتحرَّك فيه؛ ولا بدَّ لحجمها، بالتالي، من أن يتضاءل هو أيضاً بالنسبة إلى هذا المراقِب ومقاييسه التي يقيس بها الطول والحجم؛ ولا بدَّ لكثافتها، بالتالي، من أن تزداد وتَعْظُم؛ ولا بدَّ لشكلها الهندسي من أن يغدو كروياً.

أمَّا بالنسبة إليكَ أنتَ الذي في داخل تلك المَرْكَبة فإنَّ طولها وحجمها لَمْ يتغيَّرا، أي لَمْ يتضاءلا؛ ذلكَ لأنَّ "المتر" الذي معك والذي به تقيس الأبعاد الثلاثة (الطول والعرض والارتفاع) قد تقلَّص وانكمش هو أيضا بما يَعْدِل نسبة تقلُّص وانكماش طول المَرْكَبة.

أنتَ (الذي في داخل تلك المَرْكَبة) لن ترى أبداً تقلُّصاً وانكماشاً لطول المركبة (في الاتِّجاه الذي تتحرَّك فيه). أنا الذي أراقب مَرْكبتكَ من على سطح الأرض أرى ذلك.

ولكنَّك سترى شيئاً آخر في منتهى الأهمية، وهو أنَّ المسافة بين مَرْكبتكَ والشمس (مثلاً) قد تضاءلت كثيراً. أنا أراها 150 مليون كيلومتر؛ أمَّا أنت فقد تراها إذا قِسْتَها بكل ما لديكَ من وسائل وطرائق للقياس 50 مليون كيلومتر مثلاً.

إنَّكَ، وبحسب ساعتكَ، ترى أنَّ الضوء الذي غادر الشمس قد وصلَ إلى مَرْكبتكَ (التي تدور في مدارٍ قريب جدَّاً من كوكب الأرض) في زمن مقداره أقل من ثلاث دقائق، مع أنَّ سرعته ظلَّت 300 ألف كيلومتر في الثانية الواحدة، فهذه السرعة هي السرعة الوحيدة في الكون، بحسب نظرية آينشتاين، التي تظل ثابتة، لا تزيد ولا تنقص، عندما نقيسها في أي مَوْضِع في الكون.

أنا وأنتَ لن نختلف في أمْرين: ثبات سرعة الضوء.. أيُّ ضوء، وسرعة مَرْكبتكَ. إنَّ مركبتكَ، ومهما تسارعت، لن تبلغ (أو تتجاوَز) أبداً سرعة الضوء. هي الآن تسير بسرعة 240 ألف كيلومتر في الثانية الواحدة. أنتَ ترى ذلك، وأنا أراه أيضاً، مع أنَّ "مِتْرُكَ" أصبح أقل طولاً من "مِتْري"، والثانية عندكَ قد تَعْدِل سنوات عندي.

كلَّما تسارعت مَرْكبتكَ تضاءلت وتقلَّصت، بالنسبة إليكَ، المسافة بينها وبين الشمس مثلاً. ولو سافرتَ في مَرْكبة فضائية سرعتها 280 ألف كيلومتر في الثانية الواحدة إلى كوكب يَبْعُد عن الأرض 100 مليون سنة ضوئية فإنَّكَ تصل إليه، وتعود منه إلى الأرض، في زمن مقداره، بحسب ساعتكَ، دقيقة واحدة فحسب. عندما تعود يتأكَّد لكَ أنَّكَ قد غادرتَ الأرض قبل ما يزيد عن 100 مليون سنة مع أنَّ عُمْرُكَ لَمْ يَزِدْ سوى دقيقة واحدة فحسب!

هذا الكوكب يَبْعُد عن الأرض 100 مليون سنة ضوئية؛ ولكنَّه لا يَبْعُد عنها، بالنسبة إليكَ وأنتَ في مركبتكَ الفضائية التي تسير بسرعة 280 ألف كيلومتر في الثانية الواحدة، سوى 8400000 كيلومتر، فأنتَ وصلتَ إليه في زمن مقداره، بحسب ساعتكَ، نصف دقيقة، وبمركبة فضائية تسير بسرعة 280 ألف كيلومتر في الثانية الواحدة.

آينشتاين، في نظريتيه "النسبية العامَّة" و"النسبية الخاصة" ثَوَّرَ (أي أحْدَث أو فجَّر ثورة) في فَهْمِنا لأوجه العلاقة (علاقة التفاعل أو التأثير المتبادل) بين "الكتلة (كتلة جسم أو جسيم)"، و"الحجم"، و"الكثافة".

إنَّ جسما (أو جسيماً) ثابت "الكتلة"، أي أنَّ له كتلة لا تزيد ولا تنقص، يُمْكِن لسبب ما أن يتضاءل "حجمه"، وتَعْظُم "كثافته" بالتالي؛ فهل يُمْكِنه أنْ يصبح في "حجم معدوم"، وفي "كثافة لا نهائية"؟ هناك من الفيزيائيين، ومن كبار الفيزيائيين، من أجاب قائلاً: "أجل، يُمْكِنه أن يصبح كذلك؛ وهذا ما نراه في الثقب الأسود، وفي ذاك الشيء الذي منه وُلِدَ الكون". وبما يوافِق إجابتهم تلك يقولون بـ "زمنٍ يتوقَّف" في ذلك الجسم، وبـ "انحناء (أو تقوُّس) لا نهائي" للفضاء من حَوْلِه.

وهُمْ يفهمون ذلك "الشيء" Singularity الذي انبثق منه الكون على أنَّه شيء "معدوم الزمان"، و"معدوم الحجم"، و"معدوم المكان (أو الفضاء)"، ولا بدَّ له، أيضاً، وبالتالي، من أن يكون "معدوم الجاذبية" ما دامت الجاذبية مَظْهَراً لـ "انحناء الزمان ـ المكان".

إنَّنا نرى في أقوالٍ كهذه، ولو كان قائلوها من كبار الفيزيائيين، تَخَطِّياً للحدود، التي يجب عدم تخطِّيها، بين الفيزياء والميتافيزيقا.. بين "المادِّية" و"المثالية" في التفكير الفيزيائي.

الجسم، أو الجسيم، الثابت الكتلة، قد يصبح حجمه من الضآلة بمكان، وكثافته من العِظَم بمكان؛ ولكنَّه لن يبلغ أبداً تلك "الحال الميتافيزيقية".. حال الجسم، أو الجسيم، معدوم الزمان والحجم والمكان والفضاء.. فليس من مادة يُمْكِن أنْ تجرَّد من الزمان والمكان.. والحركة (التي هي كل تَغَيُّر يُمْكِن أن يعتريها).

"الثقب الأسود"، ومهما كان حجمه، ليس سوى مادة (أو جسم) لديها من الخواص الفيزيائية ما يَجْعَلها مُظْلِمة (غير مضيئة، غير مرئية) فهي لسبب ما (فرط جاذبيتها) تَحْتَجِز الضوء في حيِّزها، فلا يتمكَّن، على سرعته التي هي السرعة العظمى في الكون، من مغادرتها إلى الفضاء الخارجي. إنَّ هذا الجسم (أي "الثقب الأسود") يشبه "محبساً"، أو "معتقلاً"، لمادته، و"وحشاً" يَفْتَرِس كل مادة في جواره.

و"الثقوب" تلك تختلف حجماً باختلاف الكتلة، فـ "الثقب الأسود" المتأتي من انهيار المادة على ذاتها في جسم عظيم الكتلة له نصف قطر أطول من نصف القطر الذي لجسم كتلته أقل. و"نصف القطر" إنَّما هو المسافة بين "المَرْكَز" و"السطح" من "الثقب الأسود".

إذا كان من ضوء في داخِل "الثقب الأسود"، أو ما بين مَرْكَزِه وسطحه، فإنَّه لا يستطيع الإفلات من قبضته، ومغادرته، بالتالي، إلى الفضاء الخارجي.

ومدى تأثير جاذبية "الثقب الأسود" هو ذاته تقريباً مدى تأثير جاذبية الجسم الذي منه جاء هذا "الثقب الأسود"؛ والفَرْق الجوهري بين الجسمين (بين "الأمِّ" و"وليدها") إنَّما يَكْمُن في تلك الظاهرة.. ظاهرة احتباس الضوء في داخل "الثقب الأسود"، فالضوء الذي بين مَرْكَز وسطح الجسم الذي منه جاء "الثقب الأسود" يُمْكِنه الانطلاق بعيداً عن هذا الجسم؛ أمَّا في "الثقب الأسود" المُتَوَلِّد عن ذاك الجسم فلا يُمْكِنَه ذلك أبداً.

عدا هذا الفَرْق الجوهري، لا بدِّ للجسمين ("الأمُّ" و"وليدها") من أن يتماثلا في "مبدأ الوجود"، فكلاهما له كتلة، وحجم، وكثافة، وزمان، ومكان، وجاذبية بوصفها مَظْهَر "انحناء الزمكان"، وفضاء داخلي، وفضاء خارجي، و"مَرْكَز حقيقي"، و"محيط (أو سطح) حقيقي".

في داخل "الثقب الأسود" ينحني "الزمان ـ المكان" انحناءً يُعْجِز حتى "قذائف" الضوء عن الإفلات من قبضته، وكأنَّ "انحناء الزمكان" على صورتين في الكون: صورته في "المادة العادية"، كمادة النجم أو المجرَّة، وصورته في مادة "الثقب الأسود"، وما يشبهه في خاصِّيته الجوهرية تلك.

"الثقب الأسود" يُمْكِن أن يزداد كتلةً؛ لأنَّه يلتهم المادة في جواره؛ ويُمْكِنه، أيضاً، أن يتضاءل كتلةً، فثمَّة فيزيائيون يقولون بـ "تَبَخُّر" مخزون "الثقب الأسود" من المادة بوجهيها "الكتلة" و"الطاقة".

وهذا "التبخُّر" لا يُمْكِن فهمه إلاَّ على أنَّه مَظْهَر تَغَلُّب لمادة ما، في داخل "الثقب الأسود"، على جاذبيته العظمى. وقد نَكْتَشِف، مستقبلاً، أنَّ "الضوء" هو هذه المادة، أو بعضها، فـ "الفوتون" الخارج من رَحْم "الثقب الأسود" يُمْكِن أن يكون قد فَقَدَ من طاقته، وهو يصارِع تلك الجاذبية القوية، ما يُعْجِزهُ عن أن يكون مُنْتِجاً لظاهرة "الضوء".

تَخَيَّل طِفْلاً وُلِدَ الآن؛ فَتَوَقَّف، لسبب (خرافي) ما عن التغيُّر.. تَوَقُّفاً مُطْلَقَاً. و"التوقُّف عن التغيُّر" إنَّما يعني التوقُّف عن التغيُّر بوجهيه "الكمِّي" و"النوعي" المُتَّحِدين اتِّحاداً عضوياً لا انفصام فيه. هذا الطفل (الخرافي) لن نرى فيه زيادةً أو نَقْصاً في أي جانب من جوانبه.. لن نرى فيه اختلافاً أو تَبَدُّلاً في خواصه وصفاته وسماته وأحواله جميعاً.. لن نرى أي تفاعل، أو تبادل للتأثير بينه وبين بيئته (وكل ما يَقَع في خارجه). في هذا الطفل (الخرافي) لن يكون من وجود لـ "الزمان"، فالشيء الذي لا يعتريه أي تغيير (وهذا إنَّما هو المستحيل بعينه) إنَّما هو وحده الشيء الذي لا وجود لـ "الزمان" فيه.

لو أنَّ هذا الطفل اعتراه، فجأةً، أقل وأصغر وأتفه تغيير فإنَّ هذا التغيير ما كان له أن يَقَع لو لَمْ يَعْتَرِ هذا الطفل، من قَبْل، تَغَيُّراً كَمِّيَّاً مخصوصاً، فـ "التغيُّر النوعي" إنَّما يَضْرِب جذورها عميقاً في "تغيُّر كَمِّي". والشيء يكفي أن يعتريه أقل تغيُّر كَمِّي حتى يتأكَّد وجود "الزمان" فيه.

وعلى هذا النحو فحسب، يُمْكننا وينبغي لنا أنْ نفهم "الانفجار الكبير" Big Bang فهذا "الانفجار"، الذي بفضله على ما يَزْعمون وُلِدَ "الزمان"، ما كان له أنْ "يَحْدُث" لو لَمْ تَعْرِف "البيضة الكونية" Singularity اختلافاً أو تغيُّراً ما في جانبها، أو جوانبها، "الكَمِّيَّة". ويكفي أن تتغيَّرَ "كَمِّيَّاً"، قَبْل ومن أجل "حُدوث" هذا "الانفجار"، حتى يَنْتَفي كل مُبَرِّر للادِّعاء بأنْ لا وجود لـ "الزمان" في تلك "البيضة"، وبأنَّ "الانفجار العظيم" هو الذي خَلَق "الزمان"، وأشياء أُخْرى كـ "الفضاء".

لِنَعُد إلى "مثال الطفل"، ولنَفْتَرِض أنَّ هذا الطفل سيعيش حياة طبيعية، وسيتغيَّر تغيُّراً طبيعيا، وسيَكْبُر، ويظل على قَيْد الحياة 100سنة. لو وَضَعْنا هذا الطفل في كوكب أعْظَم كتلة (وجاذبيةً بالتالي) من الأرض، أو في مركبة فضائية تسارعت حتى بلغت سرعتها 280 ألف كيلومتر في الثانية الواحدة، فإنَّه سيعيش 100 سنة بحسب ساعته هو، فهو في نُموِّه وتطوُّره وتفاعله مع بيئته (غير الأرضية) تلك سَيَسْتَجْمِع الأسباب الطبيعية لـ "زواله (موته)" في زمن مقداره 100 سنة بحسب ساعته هو. ولو ظلَّ في كوكب الأرض لاسْتَجْمَعَ تلك الأسباب في زمن مقداره 100 سنة بحسب ساعة الأرض. ولكن كل سنة من عُمْرِه هناك (في ذاك الكوكب، أو في تلك المَرْكَبة) قد تَعْدِل 100 سنة أرضية. وقد يتوهَّم "المراقِب الأرضي" أنَّ هذا الطفل قد طال عُمْره هناك، وعاش 10000 سنة.

إنَّ "التغيُّر ذاته" يَسْتَغْرِق "الزمن ذاته" في أيِّ مَوْضِع في الكون؛ ولكنَّه بالنسبة إلى "المراقِب الأرضي (مثلا)"، أي بالنسبة إلى ساعته، قد يَسْتَغْرِق زمنا أطول (أو أقْصَر) من الزمن الذي يَسْتَغْرقه في كوكب الأرض. إذا كُنْتَ في مَوْضِع (في خارج الكرة الأرضية) كتلته أعْظَم من كتلة الأرض، أو تسارَع حتى أصبح في سرعة "شبه ضوئية"، فإنَّ قَلْبكَ يظل ينبض 70 نبضة في الدقيقة الواحدة بحسب ساعتكَ أنت. أمَّا بحسب ساعتي أنا الذي أراقبكَ من على سطح الأرض فإنَّ قَلْبكَ ينبض 70 نبضة في اليوم، أو في الأسبوع، أو في الشهر، أو في السنة، أو في كل 1000 سنة، .. إلخ. وقد يطول الزمن (بحسب ساعتي) بين نبضة ونبضة من نبضات قَلْبكَ أكثر من ذلك بكثير، وبكثير جدَّاً، حتى أتوهَّم أنَّ قَلْبكَ قد توقَّف نهائياً عن النَبْض، فأقول، في تَوَهُّمٍ آخر، إنَّ "الزمن" عندكَ قد توقَّف نهائياً، وما عاد له من وجود.

إنَّ "الزمن" عندكَ، على ما تَعْلَم وترى وتحس وتشعر، لَمْ يتوقَّف، فَقَلْبُكَ ظلَّ ينبض 70 نبضة في الدقيقة الواحدة بحسب ساعتك. وإنَّ ظاهرة مشابهة قد نراها عند سقوط جسمٍ ما في "ثقب أسود"، فنقول بالتالي، عن وَهْمٍ، إنَّ "الزمن" يتوقَّف هناك، أي في "الثقب الأسود"، أو في ذلك الجسم الذي يَسْقُط فيه. ولو افْتَرَضْنا وجود إنسان في داخل "ثقب أسود" لَمَا رأى هذا الإنسان من سبب يدعوه إلى الاعتقاد بـ "توقُّف الزمن" عنده، أي في داخل هذا "الثقب الأسود".

"نسبية الزمن" لا معنى لها، أو تَفْقِد معناها ومنطقها، إذا لَمْ نَفْهَمها على أنَّها في اتِّحادٍ لا انفصام فيه مع "المُطْلَق" من "الزمن"، فـ "الزمن" هو وِحْدة دياليكتيكية بين جانبيه، أو وجهيه، "النسبي" و"المُطْلَق". و"المُطْلَق" من "الزمن" إنَّما يَعْدِل في معناه أن تقول بأنْ لا وجود لأيِّ شيء ليس له من "زمن"، فإنَّ لكل شيء "زمناً خاصَّاً به".. حتى "البيضة الكونية"، وعُمْق "الثقب الأسود". وإنَّ لكل شيء "بُنْية فضائية خاصَّة به"، فليس من شيء لا فضاء في داخله، ومن حَوْله، فـ "المادة" إنَّما هي الجسم، أو الجسيم، يتحرَّكُ في الفضاء (أو المكان) وفي الزمان.

جَرِّدْ "تُفَّاحة" من كلِّ خواصِّها وصفاتها الجوهرية، أي من كل ما يُمَيِّزها عن غيرها.. عن سائر الأشياء، فهل يبقى لديكَ "تُفَّاحة"، وهل يبقى لها من وجود بوصفها "تُفَّاحة"؟!

وأنتَ يكفي أن تُجرِّد "المادة" من خواصِّها وصفاتها الجوهرية، كـ "الزمان"، و"المكان"، و"الفضاء"، و"الحجم"، حتى لا يبقى لها من وجود. جواد البشيتي