انتفاضة الكونغرس ضد بوش تستحق مساندة العراقيين

بقلم: سمير عبيد

يمر الرئيس الأميركي جورج بوش هذه الأيام بأحرج المواقف السياسية نتيجة قراره الحرب على العراق، بل يحتضر سياسيا ووظيفيا نتيجة الضربات المتتالية من الشعب الأميركي المناهض للاحتلال بصورة عامة، ونتيجة انتفاضة أعضاء الكونغرس الأميركي والذين يطالبون بجدولة الانسحاب الأميركي من العراق، بحيث وصلت نسبة الذين لا يوافقون على سياسات الرئيس الأميركي وحسب استطلاعات الرأي الأخيرة إلى 56% وهي أعلى نسبة يسمعها ويسجلها الرئيس بحيث هزّت أركان البيت الأبيض وجميع المؤسسات الكبيرة في الولايات المتحدة، ووصلت نسبة المطالبين بمحاكمة الرئيس (بوش) كونه قاد ويقود حربا سرية في العراق إلى 42%، وفي آخر استطلاع للرأي حول هذا الموضوع تبيّن إن (4 من 10) أميركيين يطالبون الكونغرس الأميركي بمحاكمة الرئيس الأميركي جورج بوش (انظر صحيفة الواشنطن بوست ليوم 6/7/2005، وكذلك مراجعة صحيفة الخليج الإماراتية يوم 7/7/2005)، بل وصل الحد عند بعض أعضاء الكونغرس الرافضين لبقاء القوات الأميركية في العراق، وعند بعض رجالات المخابرات المخضرمين وعلى رأسهم السيد مكفارلن القول "إن الحرب على العراق ذات أجندة سرية وهي نيابة عن إسرائيل."
ومن هنا يتبين إن جميع السياسيين والدينيين العراقيين الذين ساندوا ويساندون الاحتلال، والذين داهنوا ولا زالوا يداهنون الاحتلال من أجل المكاسب المادية والوظيفية، ومن أجل المناصب والمكارم من قبل قوات الاحتلال ما هم إلا في الرهط الأول الذي يقدم الخدمات على طبق من فضة إلى إسرائيل، خصوصا لو أخذنا ما ورد أعلاه على محمل الجد، وهي الحقيقة طبعا، حيث احتلال العراق هو من صلب المشروع الأميركي الإسرائيلي (الصهيوني) نحو المنطقة كلها انطلاقا من العراق، ولهذا كسبت إسرائيل كثيرا من الحرب على العراق وعلى حساب الولايات المتحدة، والضحية هو الشعب العراقي وجنود الاحتلال الذين يُقتلون من أجل إسرائيل في العراق.
لذا نتعجب أشد العجب عندما لم نلمس التحرك المطلوب من قبل طلبة المعاهد والجامعات العراقية، ومن قبل القوى السياسية العراقية المناهضة للاحتلال، ومن قبل القوى والحركات التي باستطاعتها تحريك الشارع العراقي، ولا من قبل القبائل العربية التي يقودها الرجال الذين رفضوا قبول عطايا ورشاوى بريمر ونغروبونتي ومن معهم، ولا من قبل رجال الدين العرب الأحرار، نتعجب إن تلك القوى الواردة لم تتحرك التحرك المطلوب، والذي يكون هديره في جميع أركان المعمورة كي تساند انتفاضة النواب الأميركان في الكونغرس والذين يطالبون بجدولة انسحاب القوات الأميركية.
إن انتفاضة هؤلاء النواب ما هي إلا هدية من الله تعالى أتت ووقفت على عتبات جامعاتكم ومعاهدكم ومدارسكم ومقراتكم ومساجدكم ومضايفكم، فهبّوا نحو مساندتها خصوصا والرئيس الأميركي أصبح في حالة غثيان وترنح سياسي، لذا عليكم بالإعتصامات السلمية في الشوارع والمؤسسات والجامعات والمعاهد والمدارس وإن كانت عطلة صيفية، فارفعوا الشعارات الموحدة والتي تطالب بخروج قوات الاحتلال من العراق وإحلال بدلها قوات دولية بإشراف الأمم المتحدة، وارفعوا الشعارات التي تذكّر العالم والشعب الأميركي بجرائم قوات الاحتلال بحق الشعب العراقي وخصوصا جرائم سجن أبي غريب، وسرقة المليارات من قبل بول بريمر وشركة هالبرتون وارفعوا شعار "يا أمهات الجنود الأميركان إن أولادكن يموتون من أجل إسرائيل وشركات رامسفيلد وتشيني وبوش."
فعندما يستمر الاعتصام سوف يزداد الرئيس الأميركي ترنحا وغثيانا، وسوف يفقد جميع الأوراق من يده والتي يحاول من خلالها تمرير الأزمة على الشعب الأميركي مثل كل مرة، فخذوا زمام المبادرة خصوصا والكرة في ملعبكم، بعد أن أبلت المقاومة العراقية بلاء حسنا، وصمودا أسطوريا بوجه الحملات العسكرية التي تقوم بها قوات الاحتلال والدوائر التي يديرها العراقيون الموالون للاحتلال، وبوجه التشويه المبرمج لمشروع المقاومة العراقية ورجالها، والتي أبدع قادتها حيث جعلوا أقوى دولة في العالم تتوسل التفاوض وتتوسل الهدوء وتتوسل الجلوس على مائدة المفاوضات.. فلتقوى بإعتصاماتكم!.
فالمقاومة العراقية عملت ما هو عليها وأكثر لذا بقي العمل من جانبكم من خلال الإعتصامات المبرمجة بشكل جيد، وبشرط عدم الانزلاق في حيل الاحتلال والدوائر التي تتخادم مع الاحتلال، والابتعاد عن الصِدام والمناوشات مع قوات الاحتلال والشرطة وأفراد الجيش، لأن الشرطة والجيش ليس خصمكم، فلا يجوز إهدار الدم العراقي من قبل العراقيين أنفسهم، فترفعوا وكونوا أقوى وأكبر من المخططات التي تريد إفشال برنامج اعتصامكم والذي لابد أن يكون من الغد، فالوقت من ذهب من جانبكم، وينزل هذه الأيام كالسيف على الإدارة الأميركية عامة وعلى رئيسها جورج بوش من الجانب الآخر.
بصمودكم السلمي سوف يُحرج جميع العرب الذين ساندوا الحرب على العراق والذي أعترف أخيرا بعض رجالات الكونغرس وبعض كبار ضباط المخابرات الأميركية سي أي أي إنها حربا من أجل إسرائيل، وسوف تُحرج الأنظمة العربية التي لا زالت تشارك بقتل العراقيين من خلال الدعم اللوجستي، ومن خلال تقديم المساعدات المادية التي تقدمها لقوات الاحتلال، وبصمودكم سوف تُحرج المراجع السياسية والدينية في العراق والتي تؤيد الاحتلال وتتخادم مع دوائر الاحتلال، حيث تبين إن الجميع قدموا ويقدمون دعما لإسرائيل في العراق!
فمن خلال الإعتصامات سوف يُحرج الكثيرين، وخصوصا الذين في دوائر الاحتلال وسوف يلتحقون معكم، خصوصا والقضية ستصبح محكاً وطنيا، لذا رحبّوا بهم كي يتشجّع الذين لديهم التردد والخوف، بشرط عدم المرور على الصِدام والحِساب فما يهمنا الآن إنقاذ العراق والعراقيين من الاستعمار الجديد والذي تقوده الولايات المتحدة، لذا لا مجال للثأر والحساب الآن، فعندما يُبسط القانون والقضاء حينها لكل حادث حديث وضمن القانون.
اعتصموا في الشوارع كي تقوى المقاومة العراقية، وكي يعرف الشعب الأميركي وشعوب العالم كذبة الرئيس الأميركي جورج بوش، وكذبة رئيس الوزراء البريطاني توني بلير والتي يؤكدان من خلالها إن الشعب العراقي يريد القوات المحتلة ويرغب باستمرارها، فمن خلال الإعتصامات المستمرة ستسقط كذبة بوش وبلير وسوف تُكشف أمام شعوبهما، وكذلك سوف تُكشف الخلايا المجرمة التي أسستها الدوائر الأميركية في العراق، والتي مهمتها تشويه عمل ووجه المقاومة العراقية من خلال الأعمال الإجرامية، والتي تأسست على غرار الخلايا التي شكلتها المخابرات الأميركية في فيتنام والسلفادور وتشيلي ونيكارغوا، وسوف تُكشف خلايا المخابرات العربية والإقليمية والإسرائيلية و التي مهمتها قتل الخبراء والطيارين والأطباء وكبار الضباط والعقول العراقية!
فاجعلوا الهتاف المدوي "لا للاحتلال..لا لبقاء القوات الأميركية ومن معها في العراق.. نعم لقوات دولية بإشراف الأمم المتحدة" من بغداد والبصرة والنجف والكوت والرمادي والموصل ليكون صداه في أروقة الكونغرس الأميركي، كي يزداد النواب الذين يطالبون بجدولة الانسحاب قوة وثبات، وحتما سيزداد عددهم وترتفع مطالبهم، وسوف تتدحرج رؤوس السياسيين الذين قرروا الحرب على العراق من أجل إسرائيل.
لذا فالكرة في ملعبكم من أجل إنقاذ العراق والعراقيين، فهيا للإعتصامات المستمرة، وعلى جميع العائلات العراقية تقديم العون والماء والزاد للمعتصمين، وعلى رجال المعامل والمصانع القيام بواجبهم الوطني، خصوصا ونحن نعيش ذكرى ثورة العشرين، وذلك من خلال المشاركة في تقديم المساعدات والمشروبات للمعتصمين، فلا خيار للشعب العراقي إلا هذا الإجراء، خصوصا والمقاومة مستمرة في جهادها من الجانب الآخر، وخذوا حذركم من بطش الخلايا المجرمة التي أسستها قوات الاحتلال وبعض الأنظمة العربية والإقليمية.
فعلى بركة الله...ولتكن ثورة العشرين الجديدة، ولا تخجلوا أو تخافوا أو تجاملوا الأطراف السياسية أو الدينية، فبعد زوال الأقنعة تبين كل شيء، فلا مرجعية إلا مرجعية الشعب والشارع من خلال الإعتصامات السلمية، فالدين واضح ولا يحتاج إلى المنظرين، ولا إلى الفتوى من زيد أو عمر، حيث الواجب الوطني والديني واضح، ومنذ أكثر من عامين في العراق، والذي تقاعس عنه الشعب نتيجة التخدير الديني والسياسي من قبل السياسيين والدينيين... فاحذروا أن يقودكم هؤلاء من جديد وحينها يضيع "الطاس والحمام والجهد"... بل أنتم القادة وأنتم الشجعان وأنتم الحكماء والشرفاء، خصوصا عندما تتحلّوا بالصبر والجلد والإيمان بالله والوطن والشعب. سمير عبيد
كاتب ومحلل سياسي عراقي Samiroff@hotmail.com