انتفاضة الجبالي تزج تونس في أزمة حكم

معارضون: مبادرة شجاعة من رجل دولة

تونس - تعصف بالمشهد السياسي التونسي أزمة خانقة هي الأولى من نوعها منذ استقلال البلاد عن الاستعمار الفرنسي عام 1956 لطبيعة حدتها وخلفياتها وتداعياتها فيما يحاول حمادي الجبالي رئيس الحكومة والأمين العام لحركة النهضة حلحلة الوضع "متسلحا" بعقلية رجل الدولة ومترفعا عن انتمائه الحزبي في مسعى للنأي بالبلاد عن خطر انهيار مؤسسات الدولة والمجتمع.

وتعمقت الأزمة أكثر في أعقاب اغتيال الزعيم اليساري شكري بلعيد الأمين العام لحركة الوطنيين الديمقراطيين إذ بدت مؤسسات الدولة للتونسيين عاجزة عن ضمان الحد الأدنى من الأمن لمواطنيها من شبح الاغتيالات السياسية الذي يخيم على التونسيين لينشر فيهم هالة من الرعب خاصة وأن القوى السياسية المعارضة وجهت أصابع اتهام اغتيال بلعيد إلى الجماعات الإسلامية بما فيها حركة النهضة الحاكمة.

غير أن الفاعلين السياسيين يقولون إن الأزمة السياسية التي تمر بها حكومة النهضة هي من العمق ما يجعلها "أزمة حكم" في إدارة المرحلة الانتقالية الحرجة التي تمر بها البلاد ناجمة عن "فشل ذريع في تسيير مؤسسات الدولة والاستجابة لمطالب التونسيين" وفي مقدمتها مشاركة مختلف القوى السياسية في الشأن العام وفي توفير التنمية والشغل.

اعتراف بالفشل

خلال الأسبوع الماضي، ولأول مرة اعترف الجبالي بفشل حكومة الائتلاف الثلاثي في خطاب توجه به إلى الشعب التونسي عبر التلفزيون الرسمي، وهو اعتراف فاجأ حركة النهضة التي كثيرا ما تكتمت عن فشلها بل "جاهدت" للتسويق بأن تجربتها في الحكم هي "تجربة ناجحة وتحظى بتأييد شعبي" على حد تعبير راشد الغنوشي رئيس الحركة.

وجاء هذا الاعتراف الشجاع بعد فشل مفاوضات صعبة ومريرة من أجل تشكيل حكومة وفاق وطني كانت دعت إليها المعارضة يقول السياسيون إن رئيس الحكومة واجه خلالها ضغوطات شديدة من قبل راشد الغنوشي الذي يرفض الانفتاح على أحزاب المعارضة ويتمسك بحق النهضة في إدارة المرحلة الانتقالية وبتولي قيادتها الحقائب الوزارية الهامة لا سيما حقائب وزارات السيادة.

وكثيرا ما تذمر الجبالي للمقربين منه من تدخل الغنوشي في صلاحياته وفي سير المفاوضات مع قادة الأحزاب السياسية الذين لا يثقون فيه حتى أنه بدأ يستجديهم في تولي حقائب وزارية هامة بما فيها وزارة الخارجية التي يتولاها صهره رفيق عبد السلام غير أنهم رفضوا اقتناعا منهم بأن الأزمة التي تمر بها البلاد هي أعمق من مجرد توزيع الحقائب الوزارية بل تستوجب حكومة جديدة.

ولئن لم يفاجئ اعتراف الأمين العام للنهضة بفشل الحكومة لا الأحزاب السياسية المعارضة ولا قطاعات واسعة من المجتمع التونسي إلا أن اعترافه عكس أن الأزمة السياسية تعمقت بشكل كبير إلى حد أن الحكومة أصبحت عاجزة عن تسيير شؤون البلاد، وهو ما لمح إليه الجبالي في تصريحاته الأخيرة.

لكن اعتراف الجبالي أكد أيضا فشل تجربة تحالف النهضة مع حزبين علمانيين صغيرين ليس لهما ثقل سياسي، هما حزب المؤتمر من أجل الجمهورية الذي يتزعمه الرئيس منصف المرزوقي وحزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات الذي يتزعمه رئيس المجلس التأسيسي مصطفي بن جعفر.

هكذا "صدم" الجبالي حركة النهضة وخاصة رئيسها راشد الغنوشي حين صارح التونسيين بفشل مزدوج للحركة الإسلامية التي كثيرا ما روجت لنجاح وهمي: فشل ذاتي في طريقة التعاطي مع الشأن العام وفشل في تحالفها مع حزبين علمانيين كثيرا ما حاول الغنوشي إقناع التونسيين بأنه "تحالف يؤكد استعداد الحركة على الانفتاح على القوى العلمانية".

وبقدر ما يجمع السياسيون على أن فشل النهضة هو نتيجة "العقلية العقائدية والسلفية" لرئيسها راشد الغنوشي فإنهم يجمعون على أن رئيس الحكومة أدار مؤسسات الدولة خلال أكثر من سنة بكفاءة وحذر في ظل وضع متأزم اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا.

مبادرة

إزاء تعنت الغنوشي من جهة، وضغوطات القوى السياسية من جهة أخرى، اختار حمادي الجبالي أن "يتسلح بعقلية رجل الدولة"، فأعلن مبادرته بتشكيل "حكومة كفاءات وطنية" لا ينتمي أعضاؤها "لأي حزب من الأحزاب".

وأكد أن مبادرته هي "مبادرة ذاتية لم يستشر فيها أي حزب وإنما استشار فيها ضميره ومجموعة من الخبراء وما تقتضيه مصلحة الشعب التونسي" مشددا على أنه لن "يرجع للمجلس التأسيسي في تشكيلة الحكومة الجديدة" اقتناعا منه بأن المجلس الذي تهيمن عليه كتلة النهضة ستصوت ضد مبادرته.

وهدد الجبالي بالاستقالة في حال رفض مبادرته التي لقيت ترحيبا واسعا في أوساط الفاعلين السياسيين الذين رأوا فيها "انتصارا لمنطق الدولة لا لمنطق الأحزاب" وبدا رئيس الحكومة كما لو أنه يخوض حربا شرسة ضد صقور حركة النهضة وفي مقدمتهم راشد الغنوشي.

وبرأي حمادي الجبالي فإن الفشل الذريع الذي منيت به حكومته التي عملت تحت "سطوة قيادة خلفية" قادها راشد الغنوشي، هو فشل ألقى بظلاله على المشهد السياسي الوطني وتسبب في تأجيج الاحتقان الاجتماعي والاستقطاب السياسي ما أدى إلى إضعاف أدائها وبدت للتونسيين حكومة "مهزوزة" سياسيا وشعبيا.

ويبدو أن الرجل الذي يشغل منصب الأمين العام لحركة النهضة الحاكمة كان على قدر من الوعي السياسي ما جعله يختار بين الانسياق وراء تغول الحركة ونزعتها لاحتكار العملية السياسية الأمر الذي سيزج بالبلاد في مستنقع فتنة قد لا تخلو من العنف السياسي الدموي وبين "وضع حد لتدخل الغنوشي في صلاحياته" والتحلي بشجاعة رجال الدولة لاتخاذ مبادرة تصغي لنبض الشارع السياسي والشعبي.

وتعتبر مبادرة الجبالي بكل المقاييس "انتفاضة" ضد قبضة الغنوشي التي أحكمها طيلة أكثر من سنة على الحكومة على الحياة السياسية بشكل عام، أعاقت جهود رئيس الحكومة في تسيير الشأن العام وفق شروط العملية السياسية ومن أبرزها إشراك المعارضة في إدارة مؤسسات الدولة المدنية على أساس منطق الدولة الذي يستوجب النأي بتلك المؤسسات عن هيمنة النهضة.

ويبدو الجبالي خلال هذه الفترة بالنسبة لقطاعات واسعة من الرأي العام "شخصية سياسية" أقرب للمعارضة منه لحركة النهضة.

ترحيب

لقيت مبادرة الجبالي ترحيبا واسعا من قبل غالبية الأحزاب السياسية وخاصة أحزاب الوسط مثل الحزب الجمهوري ونداء تونس والمسار الديمقراطي ورأت فيها "خطوة إيجابية" على طريق حل الأزمة السياسية.

فقد اعتبرت الأمينة العامة للحزب الجمهوري مية الجريبي قرار الجبالي بتشكيل حكومة كفاءات وطنية "مبادرة شجاعة تعبر عن مطالب المعارضة وتتفاعل مع مقتضيات المرحلة التي تمر بها تونس".

وأكد زعيم المسار الديمقراطي أحمد إبراهيم أن "رئيس الحكومة تصرف كرجل دولة مترفعا عن الاعتبارات الحزبية" ملاحظا أن حزبه "يدعم المبادرة" في إطار "مسار من المشاورات بين جميع الأطراف".

عقد ينفرط

كما أعرب رئيس حزب نداء تونس الباجي قائد السبسي الذي ترفض النهضة حتى مجرد الدخول معه في مفاوضات أن "المبادرة من الناحية المبدئية إيجابية ومؤشر على أن هناك وعي بخطورة الأزمة التي تمر بها البلاد".

وبرأي السبسي فإن كل القوى الوطنية والديمقراطية "تدعم هكذا مبادرة" غير أنه لاحظ أنه لا بد من "إطلاق حوار شامل ومعمق حول طبيعة الأزمة وخلفياتها والطرق الكفيلة بالنأي بالبلاد عن تدهور خطير بات يهدد تونس".

لكن اليسار الراديكالي رفض المبادرة واعتبرها "حلا ترقيعيا" لأزمة عميقة تتعدى مجرد التعديل الحكومي وتوزيع الحقائب الوزارية إلى المراجعة الشاملة للأسس التي ينبغي أن تقوم عليها فلسفة الحكم.

فقد رفض الزعيم اليساري حمة الهمامي مبادرة تشكيل حكومة تكنوقراط "لأنها عاجزة عن تقديم الحلول السياسية والاجتماعية، وعاجزة عن تحقيق أهداف الثورة" وطالب الهمامي بتشكيل "حكومة أزمة" تدير شؤون البلاد على أساس اشراك مختلف القوى السياسية دون استثناء.

رفض

وبقدر ما رحبت غالبية أحزاب المعارضة بقرار الجبالي رفضته حركة النهضة رفضا مطلقا بل اعتبرت أن أمينها العام "اتخذ قرارا انفراديا خارج مؤسسات الحركة التي تبقى غير ملزمة به".

وطالب الحبيب اللوز عضو مجلس شورى النهضة حمادي الجبالي بـ"التراجع عن قراره لأنه قرار لا يحظى بموافقة الحركة ولن توافق عليه طالما أنه يأتي في إطار استرضاء المعارضة على حساب النهضة التي تحظى بالشرعية".

ولم تكتف النهضة بالتصريحات الرافضة لمبادرة أمينها العام بل استخدمت الشارع للضغط عليه إذ تظاهر السبت الماضي حوالي ثلاثة الاف شخص في شارع الحبيب بورقيبة وقاد المظاهرة كل من عضوي مجلس الشورى المقربين من راشد الغنوشي، لطفي زيتون والحبيب اللوز.

أبعد من ذلك، سارع راشد الغنوشي إلى الالتفاف على مبادرة حمادي الجبالي معلنا أنه يجري مشاورات من أجل تشكيل "حكومة توافقية بكفاءات سياسية" وأكد أن النهضة حريصة على "توسيع المفاوضات مع الأحزاب السياسية" فيما دعا الجبالي مختلف الأحزاب السياسية إلى دعم مبادرته.

ويأتي مقترح النهضة في إطار محاولة للالتفاف بل لإجهاض مبادرة الجبالي التي لقيت ترحيبا هاما من قبل الأحزاب السياسية.

إنشقاق

كشفت مبادرة الجبالي أن هناك خلافات سياسية جدية وحادة كثيرا ما تكتم عليها راشد الغنوشي وأرجعها إلى "نوع من الحراك الديمقراطي والتلوينات الفكرية والسياسية"، فقد أكد القيادي في النهضة وأحد أبرز مؤسسيها عبد الفتاح مورو أن هناك "جناحين" داخل الحركة، الأول من المحافظين والثاني من الليبراليين.

يقود جناح المحافظين رئيس الحركة راشد الغنوشي ويرفض الانفتاح على القوى الوطنية والديمقراطية ويطالب بـ"حكومة سياسية" تقودها النهضة وتستحوذ فيها على وزارات السيادة ولا تنفتح إلا على بعض الأحزاب ذات التوجه الإسلامي أو بعض الأحزاب العلمانية التي ليس لها ثقل سياسي وبالتالي لا يمثل التحالف معها خطرا على "سطوة الحركة".

ويقود جناح الليبراليين الأمين العام للنهضة حمادي الجبالي ويؤمن بأن الخروج من الأزمة التي تتخبط فيها البلاد يستوجب الانفتاح أكثر ما يمكن على أحزاب المعارضة كما يؤمن بأن إدارة المرحلة الانتقالية هي على غاية من الدقة والخطورة ما يستوجب تشكيل حكومة كفاءات وطنية تحظى بوفاق وطني وهو المطلب الذي تناضل من أجله المعارضة.

ومنذ ستة أشهر، تاريخ دعوة الرئيس المرزوقي إلى تشكيل حكومة كفاءات بعيدا عن المحاصصة الحزبية، يخوض حمادي الجبالي معركة شرسة غير معلنة وغير متكافئة مع راشد الغنوشي الذي أحكم قبضته على غالبية كوادر النهضة ويعتبر الحاكم الفعلي لتونس.

غير أن السياسيين في تونس يقولون إن انتصار الجبالي لمنطق "رجل الدولة" وتغليب مصلحة تونس عن مصلحة النهضة وتفاعله مع مطالب المعارضة سيعزز من ثقله ومصداقيته الأمر الذي سيعمق انشقاقا داخل الحركة بدأ يتسع ليزيدها عزلة سياسية وشعبية.

ولا يستبعد المراقبون استقالة الجبالي من منصب الأمانة العامة للنهضة خلال الفترة القادمة في ظل احتدام الخلافات بينه وبين الغنوشي.

مأزق قانوني وسياسي

يؤكد خبراء القانون الدستوري أن قرار حمادي الجبالي بتشكيل حكومة كفاءات وطنية دون الرجوع إلى المجلس التأسيسي يجعل من مبادرته "في مأزق قانوني ودستوري" فيما يقول السياسيون أن "المبادرة تحمل في ذاتها مأزقا سياسيا".

فقد أوضح أستاذ القانون الدستوري بالجامعة التونسية قيس سعيد أن "رئيس الحكومة ملزم بالرجوع إلى المجلس التأسيسي إذا تعلق الأمر بتشكيل حكومة جديدة وذلك وفق القانون المنظم للسلط العمومية" المعروف في تونس بـ"الدستور الصغير" والذي أعده المجلس التأسيسي.

ويشدد سعيد على أن الجبالي في هذه الحال مجبر على تقديم استقالة الحكومة الحالية لرئيس الجمهورية الذي يمتلك الصلاحيات بقبول الاستقالة أولا وتكليفه بتشكيل حكومة جديدة تعرض لاحقا على التأسيسي للمصادقة ونيل الثقة ثانيا.

غير أنه في حال "إجراء تحوير حكومي" يتم خلاله الاكتفاء بعزل وزراء وتعيين آخرين فإن رئيس الحكومة "غير ملزم بالرجوع إلى التأسيسي".

وبالفعل، فقد دفع هذا المأزق القانوني بحمادي الجبالي إلى توضيح تصريحاته بشأن "تشكيل حكومة جديدة" وشدد يوم السبت على أن الأمر يتعلق بـ"تحوير وزاري" في خطوة تؤشر على إصراره على عدم الرجوع إلى التأسيسي.

إضافة إلى المأزق القانوني فإن مبادرة رئيس الحكومة تواجه مأزقا سياسيا إذ أن الجبالي تعهد بتشكيل حكومة من التكنوقراط الذين "ليس لهم أي انتماء حزبي" والحال أنه يشغل منصب الأمين العام لحركة النهضة.

ويقول المحللون السياسيون إنه من غير المقبول سياسيا الموافقة على حكومة كفاءات تنأى بنفسها عن التجاذبات الحزبية والحال أن رئيسها لا ينتمي فقط لحزب سياسي بل يشغل منصبا قياديا فيه.

وقد دفع المأزق القانوني والسياسي للمبادرة بالرئيس منصف المرزوقي إلى الدخول على الخط حيث يجري خلال هذه الأيام مشاورات مع خبراء في القانون الدستوري ومع شخصيات سياسية من أجل الخروج بالبلاد من أزمة ذات جذور عميقة.

جذور الأزمة

هناك نوع من الإجماع لدى الرأي العام التونسي بأن الأزمة السياسية التي تعصف بتونس تعود جذورها إلى تاريخ تشكيل حكومة الائتلاف الثلاثي إثر فوز حركة النهضة في انتخابات 23 تشرين الأول/أكتوبر 2011 باعتبار أنها حكومة "محاصصة حزبية" شكلتها "عقلية غنائمية" لا عقلية سياسية تترفع عن الحسابات الحزبية الضيقة وهو نقد كثيرا ما شدد عليه شكري بلعيد الذي تم اغتياله الأسبوع الماضي.

وبرأي المعارضة فقد تعاملت النهضة مع فوزها في تلك الانتخابات على أنها "غزوة انتخابية" وتعاملت مع إدارة المرحلة الانتقالية على أنها "غنيمة" من حقها الانفراد بها وفق مرجعيتها الفكرية ومشروعها الإسلامي.

ويقول زعيم الحزب الاشتراكي محمد الكيلاني "إن حكومة حمادي الجبالي بدت حكومة متأزمة منذ تشكيلها، ففي الوقت الذي تحتاج فيه تونس لمختلف القوى الوطنية والديمقراطية لتأطير المواطنين وإدارة مؤسسات الدولة اختارت النهضة احتكار العملية السياسية واستبعاد تلك القوى التي تمتلك رصيدا نضاليا عريقا وثقلا سياسيا وشعبيا هاما".

ويضيف الكيلاني "لقد تم تهميش قطاعات واسعة من التونسيين، من الفاعلين السياسيين ونشطاء المجتمع المدني والشخصيات الوطنية من المشاركة في إدارة الشأن العام في أدق فترة تمر بها البلاد".

ومما عزز نزعة "العقلية الغنائمية" و"تهميش" الأحزاب العلمانية أن النهضة استقوت حتى على شريكيها، المؤتمر والتكتل، وركزت أغلب الصلاحيات لدى رئيس الحكومة فيما تم تجريد رئيس الجمهورية من صلاحياته وبدا للتونسيين رئيسا شرفيا مهزوزا.

وبدل أن تنفتح على أحزاب سياسية لها ثقلها ومصداقيتها لتنتهج خيارا ديمقراطيا في التعاطي مع وضع معقد وحرج اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا فضلت النهضة "سياسة احتكار العملية السياسية" معتمدة على فريق حكومي أغلبه من كوادرها التي تفتقد للتجربة في تسيير مؤسسات دولة عريقة.

أكثر من احتقان في الشارع التونسي

وحاول الجبالي إقالة بعض الوزراء الذين فشلوا في مهامهم وفي مقدمتهم وزير الخارجية رفيق عبد السلام غير أن محاولته رفضها الغنوشي رفضا مطلقا.

وخلال أكثر من سنة بدت حكومة النهضة تجدف ضد التيار حتى أنها حفرت هوة سحيقة بينها وبين قوى سياسية لها تأثيرها ونشطاء وحقوقيون لهم مصداقيتهم وزجت بنفسها في حالة من الاستعداء وسط تنامي سخط شعبي في مختلف الجهات احتجاجا على فشلها في الاستجابة لمطالب التنمية والتشغيل.

خلفيات الأزمة

تستبطن الأزمة السياسية في الواقع حالة من التوجس من خلفيات طبيعة مشروع الحركة الإسلامية التي استلمت الحكم إثر ثورة 14 يناير/كانون الثاني التي أطاحت بنظام الرئيس بن علي.

لم تكتف النهضة بالهيمنة على النظام السياسي من خلال فرض نوع من النظام البرلماني الذي يركز أغلب الصلاحيات لدى رئيس الحكومة جندت له جيش من الوزراء والمستشارين فقط، بل حاولت فرض سطوتها على مؤسسات الدولة ما أثار حفيظة المعارضة التي تطالب بدولة مواطنة مدنية تتخذ مؤسساتها وأجهزتها نفس المسافة من التونسيين مهما كانت انتماءاتهم السياسية.

لم تكن عيون المعارضة بغافلة عن مساعي راشد الغنوشي الذي كشف أن النهضة أعدت الف كادر لزرعها في مؤسسات الدولة، لذلك انتفضت في أكثر من مرة من خلال الوقفات الاحتجاجية والمظاهرات وكذلك من خلال وسائل الإعلام لتحذر من خطورة "تحزيب الدولة".

فقد أطلق زعيم الحزب الجمهوري أحمد نجيب الشابي أكثر من دعوة مشددا على أن "النهضة تسعى للهيمنة على مفاصل الدولة" ومحذرا أن "مؤسسات دولة المواطنة المدنية تتهددها مخاطر مشروع دولة دينية" إن لم تكن على المدى القريب فستكون على المدى المتوسط والبعيد.

وأكد ضغط كتلة حركة النهضة بالمجلس التأسيسي على الكتل النيابية الأخرى للتنصيص في نص الدستور الجديد على أن الشريعة هي المصدر الأساسي للتشريع أن الحركة تعمل على بناء دولة دينية وفرض نمط مجتمع غريب عن المجتمع التونسي.

غير أن الكتل النيابية للمعارضة توحدت في ما يشبه الحرب ضد ضغوطات نواب النهضة فيما تكثفت احتجاجات الأحزاب وكذلك فئات واسعة من المجتمع ما أدى بالحركة إلى التراجع عن مطلبها.

ويرى قائد السبسي أن النهضة تبطن استخفافا بهيبة الدولة المدنية ومؤسساتها التي ناضل من أجلها مصلحون وسياسيون ومفكرون وأيضا فقهاء مستنيرون محذرا من أنها "تقود البلاد نحو الهاوية".

ولم يتردد قائد السبسي في القول أن بينه وبين الغنوشي 14 قرنا في تهجم واضح على المشروع السلفي الذي يقوده في تونس الحديثة والحداثية.

ويتفق السياسيون والحقوقيون على أن حكومة النهضة كثيرا ما استخفت بمكونات المجتمع المدني حتى أنها استهدفت الإتحاد العام التونسي للشغل أقوى منظمة في المجتمع على الإطلاق وشجعت ميليشياتها على الاعتداء على نشطائه في مقره وسط العاصمة تونس.

ويؤكد المحلل السياسي صلاح الدين الجورشي أن الاستخفاف بمكونات المجتمع المدني عمق عزلة حركة النهضة وقلص من شعبيتها بعد أن أجج حالة من التشنج والاحتقان.

ويبقى "التسامح اللغز" الذي أبدته الحكومة خلال أكثر من سنة مع الجماعات السلفية بما في ذلك الجهادية منها من أبرز الخلفيات التي تقف وراء الأزمة السياسية التي تعيشها تونس.

فقد استفاد السلفيون من هكذا تسامح وسط حالة من الانفلات الأمني والاحتقان الاجتماعي لينظموا صفوفهم ويؤسسوا الجمعيات ويستولوا على حوالي 500 منبر ينشرون من خلالها أفكارهم بفرض النقاب وتكفير اليساريين واستهداف مكاسب الحداثة التي يفتخر بها التونسيون.

لذلك يحمل السياسيون والحقوقيون الحكومة مسؤوليتها عن اغتيال شكري بلعيد "لأنه اغتيال سياسي جاء نتيجة الحرية التي تتمتع بها جماعات تكفر التونسيين وتهدر دمهم" على حد تعبير حمة الهمامي.

تداعيات الأزمة

يقف رئيس الحكومة حمادي الجبالي اليوم على مسافة سياسية جعلته أقرب إلى القوى الوطنية والديمقراطية منه لحركة النهضة ولعل هذا ما يفسر دعوته إلى دعم مبادرته في ظل ما يتعرض له من رفض وضغوطات من طرف راشد الغنوشي.

يتوقع عدد من السياسيين أن الأزمة السياسية ستعمق "عزلة حركة النهضة" عن القوى الوطنية والديمقراطية وكذلك عن قطاعات واسعة من التونسيين بعد أن فشلت في إدارة مرحلة الانتقال الديمقراطي ولا يستبعدون أن تشهد تونس خلال الفترة القادمة مزيدا من الاحتقان الاجتماعي والاستقطاب السياسي حتى أنهم لا يستبعدون "شبح الاغتيالات السياسية" في ظل انفلات أمني وانتشار السلاح لدى أفراد ومجموعات.

غير أن عددا آخر من السياسيين يرى في عزلة حركة النهضة بداية فشل لسطوتها وسطوة الجماعات السلفية ويقولون أنه إذا ما نجحت مبادرة رئيس الحكومة حمادي الجبالي في تشكيل حكومة تحظى بوفاق وطني فإن ذلك سيعزز من أداء مؤسسات الدولة ويعيد إليها هيبتها ما يساعد البلاد على الخروج من الأزمة وينأى بها عن فتنة العنف السياسي.