انتفاضة الأقصى، ظاهرة مضيئة في زمن العتمة

بقلم: عبدالهادي مرهون

تطل علينا الذكرى السنوية الثالثة لانتفاضة الشعب الفلسطيني الشقيق المجيدة والتي سطر فيها بكفاحه المتعدد الأشكال أروع آيات البطولة والعنفوان، وأكد من خلالها تمسكه بحقه المشروع في استمرار تصعيد وتيرة المقاومة وتؤثر على حقيقة أن شعبنا وقواه الوطنية والإسلامية سيواصلون هبتهم الشامخة الأبية بإرادة فولاذية حتى دحر الاحتلال الصهيوني البغيض وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة وتأمين حق شعبنا العربي الفلسطيني في العودة إلى وطنهم، فلا الغطرسة ولا العدوان الشاروني بغطاء أمريكي قادرة على المساس بحقوق شعبنا الثابتة وقدرته على التضامن والتلاحم والتمسك بالثوابت والحقوق والالتفاف حول الشرعية الفلسطينية المتمسكة بقيم النضال والكفاح، وموقف الجماهير الفلسطينية الرافضة للاحتلال والعدوان والاملاءات والتدخل الفظ في شأنه الداخلي.

هذه الانتفاضة، أكدت بمفاعيلها السياسية والاقتصادية والأمنية عقم سياسات حكومة الإرهاب والعنصرية والفاشية الإسرائيلية، فقد ألحقت الانتفاضة البطلة خسائر بشرية وعسكرية واقتصادية وأمنية بالعدو وقدمت الدليل على قدرة المناضلين الفلسطينيين على إفشال مخططاته العسكرية والأمنية، فالضربات الموجعة للعدو الصهيوني رغم اختلال ميزان القوى أكدت على اهتزاز أركان استراتيجيته الأمنية، فلم تعد تلك الدولة قادرة على استقدام المزيد من المهاجرين في ظل افتقادها للأمن وتماديها في إجراءاتها ضد الشعب الفلسطيني وبناءه ومؤسساته وقواه الوطنية والإسلامية. فالانتفاضة والمقاومة مضت في توهجها وتأصلها، فهبة الجماهير أثناء الاعتداء على الشرعية الفلسطينية قدمت دليلاً إضافياً على حيوية الجماهير وقدرتها على التجدد والتماسك والتضامن والتلاحم عبر مسيرة كفاحية متجددة، والتزام شعبي باستمرار الكفاح والمقاومة. فالانتفاضة وهي تتقدم الصفوف دفاعاً عن الأمة العربية وجماهيرها تستحق من أبناء هذه الأمة وحركتها الجماهيرية ومؤسساتها النقابية والمهنية والأحزاب الوطنية والإسلامية العربية كل أشكال الدعم والمساندة الدائمة والمستمرة، لذا فإن على القوى الوطنية والإسلامية العربية والنقابات ومنظمات المجتمع المدني أن تستنهض صفوفها وتعيد للحركة الجماهيرية وهجها الذي ترافق مع بدايات الإنطلاقة، وتقدم وتطور كل أشكال الدعم المادي والمعنوي والضغط على النظام الرسمي العربي الصامت لتحمل مسؤولياته القومية في مواجهة الإرهاب والعربدة والغطرسة الإسرائيلية والانحياز الأمريكي لهذا العدوان.
كما أن الجماهير العربية مدعوة لتمارس حقها في فرض إرادتها على النظام الرسمي من خلال الضغط لتصعيد الإجراءات الرسمية ضد ممارسات الكيان الصهيوني وعدوانه الدموي الوحشي المتواصل على الشعب الفلسطيني، فلم يعد مقبولاً ونحن نستقبل العام الرابع للانتفاضة وتحت أية ذريعة أن يستمر البعض في إقامة علاقات دبلوماسية أو اقتصادية مع إسرائيل، وضرورة تفعيل وتطوير القرارات العربية الخاصة بدعم الانتفاضة ومساندتها سياسياً وإعلامياً واقتصادياً، وضرورة ان يلتئم الشمل العربي لمواجهة التحديات الكبرى التي نواجهها في فلسطين والعراق بعقد مؤتمر قمة عربية يكرس وحدة الموقف والأهداف العربية مما يخطط لحاضرنا ومستقبلنا. ومطلوب من كافة القوى الوطنية والإسلامية أن تدرك أن لا مجال لاستنهاض الهمم ومواجهة العدوان الإسرائيلي إلاّ بالوحدة والتضامن على أسس وطنية ثابتة وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس وضمان حقه في العودة.

وتأتي ذكرى انتفاضة الأقصى في ذروة استهداف الأرض العربية وازدياد المطامع الصهيونية باغتصاب الأرض الفلسطينية واستباحة الأرض العربية من المحيط إلى الخليج، فشعب فلسطين الشقيق سطر ومازال ملاحم البطولة والمجد والعز والعنفوان في ذودة المتواصل والمستمر عن حرمة وقدسية الأرض التي عاش على ثراها أجدادنا وسطر شعبنا وأمتنا عليها ملاحم تاريخية مجيدة في الاستبسال والاستشهاد من اجل الحفاظ على الأرض العربية، وقد شهدت أرض فلسطين والأردن وسوريا والعراق ولبنان ومصر الكنانة وكل أوطاننا عبر تاريخها على مآثر في البطولة للذود عن الأرض العربية. فها هو شعبنا في فلسطين يسطر بدم أبناءه صور البطولة والفداء والصمود الأسطوري في مواجهة آلة الحرب الصهيونية بكل ما تمتلكه من أدوات دمار وأكدت الشهور الواحد والثلاثون الماضية على عظمة ما يمتلكه شعبنا من أدوات صمود بطولية في وجه أعتى وأشرس هجمة صهيونية فاشية استئصالية وتكسرت على صخرة هذا الصمود كل المخططات والاستهدفات الإسرائيلية لكسر إرادة أشقائنا في فلسطين وتصميمهم على مواصلة الانتفاضة والمقاومة دفاعاً وتمسكاً بحقه المشروع والمقدس في الدفاع عن الأراضي السلبية، دون أن تدرك أن أسطورة صمود الشعب الفلسطيني واللبناني الشقيق ستتمكن من كسر كل العقبات وستشق طريقها لتدك وتفشل كل المؤامرات والمخططات التي يروج لها صقور الإدارة الأمريكية والهادفة إلي خلق مناخات وظروف دولية جديدة لا تلتزم بالأخلاق والأبعاد الإنسانية للعلاقات بين الدول والشعوب إرضاءً للسياسة اليمينية الصهيونية ومشاريعها في المنطقة ورغبة في زيادة النهم الإمبراطوري الاستعماري للأمة وخيراتها.
فانتفاضة شعبنا في الوطن المحتمل لها دلالات ومعاني ستبقى ماثلة في نفوس شعوبنا على قدرتها على مواجهة هذه الغزوة الإمبراطورية الاستعمارية الهمجية على أرضنا ومستقبل أجيالنا. وستتحطم هذه الغزوة على صخرة صمود شعب فلسطين المناضل وشعوبنا العربية المدعوة أكثر من أي وقت مضى أن تؤكد عمق إنماءها للأرض وحقها المقدس في الدفاع عنها من خلال:-

1- المضي قدماً نحو تجسيد عملي لإرادة الدفاع عن أي جزء من الأرض العربية، واتخاذ الخطوات الشعبية العملية القادرة على مواصلة دعم الصمود المجيد لانتفاضة إخواننا في الوطن المحتل من خلال تنظيم وتعزيز الصمود دفاعاً عن الحق والكرامة العربية.
2- ضرورة أن يتعمق التواصل الشعبي العربي مع الحملة العالمية الشعبية المناهضة للعدوان على مختلف الصعد السياسية والإعلامية لتوحيد جهود البشرية في مواجهة المكارثية البغيضة على البشرية.
3- تطوير البعد الديني الإسلامي والمسيحي المناهض للعدوان وتعربة الأيدلوجية الصهيونية واستهدافها على المنطقة والعالم.
4- تطوير المشاركة الشعبية في دعم الصمود الفلسطيني مادياً ومعنوياً، ومواجهة كل الأساليب الهادفة إلى تركيع الأمة ومستقبلها لخدمة المخططات العدوانية والاستعمارية والإمبريالية الأمريكية.
5- بلورة جبهة مقاومة عربية إسلامية شاملة لمواجهة العدوان الإمبريالي الصهيوني على المنطقة.
6- دعوة المجتمع الدولي ومؤسساته لمواجهة الممارسات والسلوكيات الإرهابية الإجرامية لقوات العدوان الصهيوني وضرورة استصدار إدانة صريحة لهذه الممارسات من كافة المؤسسات والهيئات الدولية منظمات المجتمع المدني والدعوة لمسؤولية البشرية عن وقف هذا العدوان.
ويوماً بعد آخر يتعزز الأمل من قدرة شعوبنا وأمتنا من التصدي للعدوان واستهدافاته بالتضامن وتكاتف جهود كل الخيرين في أمتنا والعالم واستمرار مناهضتهم للعدوان واستهدافاته خاصة مع وضوح عدد من الحقائق الذاتية والموضوعية المؤثرة في طبيعة صراع الوجود مع العدو المحتل، ومن هذه الحقائق:

1- إن الاحتلال والعدوان الصهيوني الجاثم على شعبنا العربي الفلسطيني يجسد إرهاب الدولة المنظم بأبشع صورة وأشكاله، إن العدوان والغطرسة الصهيونية والاعتداءات اليومية بدون أي تمييز، وقتل كل أشكال الحياة بما في ذلك اقتلاع مئات الآلاف من الأشجار وتجريف ومصادرة مئات الآلاف من الدنمات المزرعة يفرض على الشعب الفلسطيني والشعوب العربية مقاومة هذا العدوان والدفاع عن حياته وأرضه وحقوقه الوطنية.
2- لقد كثفت الإدارة الأمريكية جهودها لاحتواء الانتفاضة والمقاومة الفلسطينية المتواصلة منذ ما يزيد عن آلف يوم تمهيداً للقضاء التام عليها وفقاً لما أعلنته هذه الإدارة مراراً وتكراراً بأن المطلوب ليس وقفاً للمقاومة، ولكن تفكيك بنى منظمات المقاومة وملاحقتها والإجهاز التام على فضائلها.
3- إن هذا الضغط الأمريكي يأتي في سياق المخطط الأمريكي لإعادة ترتيب أوضاع المنطقة بما يخدم المصالح الأمريكية وبما يعنيه ذلك من تكريس دولة العدوان الصهيوني باعتبارها الدولة المركزية والمقررة في هذه المنطقة من العالم
4- في إطار هذا المخطط، عملت الإدارة الأمريكية لصالح إسرائيل وبالتنسيق الكامل معها على وقف التراكمات والمفاعيل الإيجابية للانتفاضة التي بدأ العدو الإسرائيلي يعاني من نتائجها على أمنه واقتصاده.

هناك إمكانية لاستمرار الانتفاضة وتصاعدها ونعتقد جازمين أن العدو سيصل إلى استنتاج بأنه لن يحصل على الأرض والاستقرار دون أن يرحل ودون أن يوافق على تنفيذ قرارات الشرعية الدولية فلن يتحقق له الأمن والاستقرار حتى لو وقع على اتفاقات سلام مع جميع الحكام العرب. ما لم تتحقق آمال وطموحات الشعب الفلسطيني في الحياة بكرامة على أرضه وفي وطنه.

وعلى جماهير شعوبنا العربية أن تدرك ضرورة عدم ترك قوى الانتفاضة والشعب العربي الفلسطيني لوحدهم والبقاء أسرى القمع العربي الرسمي المنظم والمتواصل بل مواصلة تقديم مختلف أشكال الدعم النضالي الجماهيري لتعزيز صمود أشقائهم على أرض فلسطين العزيزة. عــبدالـــهادي مـــرهــــون
النائب الأول لرئيس مجلس النواب Mhadi1122@hotmail.com