انتفاضات عربية بلا معارضات ولا برامج

بقلم: د. خليل حسين

ما بين تونس ومصر صورا كثيرة متشابهة لجهة انهيار النظام وآثارهما الداخلية والخارجية. لكن لمصر صورة تبدو مختلفة نظرا لموقعها ودورها وثقلها الإقليمي وربما الدولي. والملفت ما بين الاثنين طريقة تداعي النظام وتمسك الرئيسين في كل منهما بالسلطة إلى الرمق الأخير، ومحاولة إحياء عظام النظام وهي رميم.

لكن الأهم من تلك الصورة، هو ما خفيَّ وراءها من صور لأنظمة متهالكة أصلا، باتت عبئا يصعب الدفاع عنه بخاصة من القوى الدولية التي كانت سددا ومددا لها. وإذا كان المشهد الحالي يظهر على انه إعادة إنتاج أنظمة شرق أوسطية من لدن الجماهير وتعبيراتها العفوية، فإن ما يثير التساؤل أيضا، حول الدور الذي تلعبه واشنطن تحديدا في محاولة احتواء هذه الثورات التي وصفتها يوما الإدارة الأميركية بالمخملية.

فلم تكن رائحة الياسمين تهب على تونس وخروج "زينها" من الحكم بعد 27 عاما، حتى حطَّ مهندس الثورات المخملية في الشرق الأوسط جيفري فيلتمان في محاولة لإعادة رموز الحكم إلى السلطة بتخريجات دستورية مختلفة. وفي مجال المقاربة والمقارنة، يأتي الخطاب الأخير للرئيس المصري ليعيد ذاكرة الخطاب الأخير أيضا لزين العابدين، وفي كلا الحالتين وعود وردية بالإصلاح بعدما تخطت الجماهير هذه الشعارات وانتقلت إلى المطالبة بإسقاط النظام.

في كلا الحالتين، ثمة دروس مستفادة ينبغي على من ينتظر دوره من العرب الاتعاظ منها وأخذ العٍبر علّها تنفع قبل ان ينسخها الندم. وهنا لا حاجة للمتتبع المزيد من العناء، لاستقراء أوضاع نُظم عربية كثيرة تنتظر جماهيرها لتقول كلمتها، وتطلق رصاصة الرحمة عليها وان عز ثمنها. ولكن ثمة مفارقة لا تخلو من الغرابة هنا أيضا، أن هذه الأنظمة تعرف ان ساعتها قد أزفت، وهي لا زالت تكابر وتفاخر بانجازاتها وإذا ما اعترف احدهم بمسؤولية السلطة عن حالة ما، فهي ترمى المسؤولية على الحكومات، وتدفعها للاستقالة كخط دفاع أول عنها علَّ كسب الوقت قليلا يجعلها تقدم المزيد من التنازلات الخارجية لحماية داخلها المهترئ أصلا.

ما حدث في مصر ليس أمرا عابرا يمكن القفز عنه، نظام استهلك أربعون سنة من التاريخ بعد رحيل الرئيس عبدالناصر، فأسس ودعَّم بيئة عربية وإقليمية كانت بمثابة الزلزال على أفكار ومعتقدات ورؤى هذه الشعوب. فأخرجت مصر من عروبتها وألبست لبوسا ليس لها، وأجبر شعبها الخضوع لحكم القهر والفقر بهدف إجباره على نسيان قضاياه أيضا، اليوم لم تُعمِه مكر وكدر الأربعين عاما، قام ليقول كلمته لكن في الأفق من سيحاول الإلتفاف عليه وعلى مطالبه مجددا فهل يعلم ذلك ولو بالفطرة.

في تونس ومصر استجاب القدر لحياة الشعبين، لكن هبّة الشعوب بعفويتها المعهودة لا تكفي للوصول إلى مبتغاها، ثمة مستلزمات بل ضرورات ملزمة ينبغي توفرها، من بينها برامج وآليات بديلة تقودها أحزاب معارضة قادرة على ترجمة مطالب جماهيرها دون تسويات غالبا ما تقع فيها.

وإذا كان الكلام يطول بطول عراقة أرض الكنانة تاريخا وجغرافيا، فان الكلام أيضا سيطول على الضفة الأخرى من اليمن السعيد الذي يتلمس خياراته أيضا مع أخواته الغارقين بملهاة نزاعات السلطة بأصولها وفروعها. والسؤال الأكثر حراجة من سيلتحق بركب السعادة اليمنية وقطارها الذي يزعق أصواتا وغبارا في صحاري ربما لم ولن تعد تردد الصوت فقط، بل برمالها المتحركة يمكن ان تلفح شعارات باتت متشوقة لها.

منذ العام 1991 والإدارات الأميركية المتعاقبة تردد شعارات مشروع الشرق الأوسط الجديد بمختف حُللِه ولبوسه، تارة بالقوة الناعمة حتى ما قبل العام 2001، وتارة بالقوة الغليظة ما بعد ذلك.فكان احتلال العراق وأفغانستان ومن ثم العدوان على غزة ولبنان. حتى الآن غالبية ما أملت به واشنطن تداعى، وهي الآن تعيد إحياء تجربة الاستفادة من الثورات وان كانت غير مخملية، ترتب رحيل رؤساء الأنظمة وتتحين الفرص لإبقاء رموزها في السلطة.

ولسنا هنا في معرض التعرّض لقيمة هذه الانتفاضات ورمزيتها في الذاكرة الجماعية لأصحابها، بقدر ما هو الخوف على المستقبل المجهول الذي تعوّدنا عليه نحن العرب، بسبب وهن وضعف وارتهان أحزابنا المعارضة. التي تطلق شعارات ليست هي ولا جماهيرها قادرة على احتوائها وسرعان ما يدّب الجُبن فيها وتتراجع، وتبقي جماهيرها أمامها لتترك فيما بعد لقدرها.

ربما اليوم شعوبنا العربية بحاجة ماسة لإنتاج بيئات قادرة على مجاراتها واللحاق بها عند رفع صوتها. بحاجة لأحزاب وتيارات جبهات تترجم همها وواقعها، بحاجة إلى بيئات تقف أمام جماهيرها لا ان تتلطى ورائها وتفترق عنها عند أية تسوية تحفظ حصصها في السلطة.

الأمثلة على ذلك كثيرة ومتعددة في دولنا العربية، لكن العبرة أيضا تكمن في سلوكنا وفهمنا وقدرتنا على قيادة أنفسنا ومعرفة ما نريد أو بالأحرى ما يصلح لنا.لكن مشكلتنا نحن العرب بنخبها ومثقفيها وأكاديمييها وبجميع شرائحها المتواضعة أيضا نلهث ونركض ونستسلم عند أول منعطف تلوح أو بالأحرى تفوح منه مكاسب خاصة.

تجربة مصر وتونس ربما يكون فيها الكثير من العِبر المقلقة كما النيّرة، لكن الأهم من ذلك ان تبقى هذه الجماهير بعفويتها متنبهة لما يحاك حولها، لكي لا تستيقظ يوما لتجد من سرق كلمتها ورغيفها، عاد وزعَّم نفسه عليها.

وإذا كان الغضب الساطع آت، كما أنشدت فيروز يوما في عز "النكسة" العربية، فان هبة جماهيرنا في وجه من يحكمه بالحديد والنار، لا ينبغي ان ينسينا أيضا قُدسنا، فخيار شعبنا في مصر ينبغي ان يستعيد ذاكرته الجماعية التي حاول من حكمها ان يمسح في اتفاقات كامب ديفيد كل صلة بعمقها، فهل يتجرأ من سيأتي لاحقا ولو الحديث همسا بمواقف مصر الخارجية وبخاصة تجاه "إسرائيل" المتوجّسة والمضطربة والمرتعبة من هذه الخطوة.

ثمة كلمة فصل ينبغي قولها، خرجنا نحن العرب من التاريخ بأيدينا وسَنُخرج من الجغرافيا. وباقي الأنظمة تنتظر شعوبها لتهزها من سبات عميق بعضها استمر ثلث قرن وبعضها الآخر اقل من نصف قرن، أنظمة دولية وإقليمية تغيّرت، ونحن لا زلنا ننتظر على أرصفة من يتحكم بقياداتنا. لكن في مطلق الأحوال ينبغي ان نعلم، ان الله لا يغير ما في قوم، حتى يغيروا ما في أنفسهم. ياسمين تونس هبت وتلقفها شمُّ النسيم في مصر قبل حلوله، فهل يتعظ باقي العرب؟ّ!

د. خليل حسين

أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية