انتصار مدو لديموغرافية المجابهة في غزة

بقلم: فيصل جلول

يبدو مفهوما حرص الحكومة الإسرائيلية على تجريد الانسحاب من غزة من مضامينه الحقيقية وتقديمه بوصفه قضية إجرائية و يتيح للجيش العبري خوض مجابهات ميسرة مع المقاومين الفلسطينيين. ويبدو مفهوما أيضا أن يقول شارون للإسرائيليين أن الانسحاب يخفف أثقال الجيش (أكثر من خمسين ألف جندي لحماية ثمانية آلاف مستوطن) ويضع السلطة الفلسطينية أمام خيار صعب: تصفية المقاومة المسلحة أو العودة إلى الحصار والعزل الذي توقف مع وفاة الرئيس الراحل ياسر عرفات ويوفر على إسرائيل ضغوطا دولية لا يمكن تحملها لوقت طويل.
لا تستطيع هذه الأقوال وغيرها أن تحجب المعنى الحقيقي للانسحاب من غزة والمتمثل بنجاح المقاومة الفلسطينية في حمل عدوها على تدمير مستوطنات بناها في أطار مشروع إسرائيل الكبرى وذلك للمرة الأولى في تاريخ الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي والثانية في إطار الصراع العربي الإسرائيلي بعد إخلاء مستوطنات سيناء في سياق الصلح المصري الإسرائيلي مع فارق في مدى استقرار المستوطنين في المنطقتين وفي نوع المقايضة حيث ربحت إسرائيل خروج مصر من الصراع في الحالة الأولى بينما يتم الانسحاب في الحالة الثانية تحت وقع المقاومة ودون مقابل واضح أو قيد أو شرط ما خلا استدراج الضغط المحلي والعربي والدولي حتى لا يطلق المقاومون النار على الإسرائيليين فيظهرون أمام أجهزة التلفزة بمظهر الهاربين.
والظن الغالب أن القوى العظمى لا ترغب هي أيضا في تظهير الانسحاب على حقيقته حتى لا يؤدي ذلك إلى شحن المقاومة المسلحة بآمال ودوافع ومعنويات من شأنها أن تلهب المقاومين وتزيد الخطط الدولية السلمية تعثرا على تعثرها لذا تبدو ردود الفعل الوافدة من عواصم القرار العالمي وكأنها مفصلة على القياس الإسرائيلي. لكن ما معنى هذا الانسحاب وما هي آثاره المنتظرة؟
عدا عن توجيه ضربة قاصمة لايديولوجيا إسرائيل الكبرى يبين الانسحاب للمرة الأولى أثر العامل الديموغرافي المباشر في الصراع العربي الإسرائيلي ذلك أن غزة هي المكان الوحيد الذي يكذب يوميا الأسطورة اليهودية المزعومة: أرض بلا شعب لشعب بلا أرض. فالقطاع الصغير الحجم (اقل من مئة كلم مربع) يضم أكثر من مليون فلسطيني مقابل اقل من عشرة آلاف مستوطن والثابت في كل سيناريوهات الصراع أنه كان من الصعب على إسرائيل أن تواصل احتلالها لهذا القطاع الذي تمنى اسحق رابين ذات يوم أن يجرفه البحر ويختفي من الوجود.
بعد الانسحاب بات واضحا من الآن فصاعدا أن العامل الديموغرافي أصبح سلاحا مهما في استعادة الأراضي الفلسطينية فسابقة غزة يمكن أن تتكرر في أي مكان في فلسطين المحتلة ويمكن أيضا أن يفهم الشعب الفلسطيني أن الديموغرافيا القتالية وسيلة حاسمة في الحفاظ على بقائه في أراضيه بل على قيد الحياة في مواجهة ديموغرافيا الاستيطان الهجرة اليهودية الكثيفة من الخارج.
والحق أن الديموغرافيا الفلسطينية لم تعد منذ بعض الوقت كمية مهملة فهي باتت مشحونة بإيديولوجية قتالية دينية شبيهة بتلك التي انتشرت وما زالت منتشرة في جنوب لبنان. لقد برهنت هذه الايديولوجيا الدينية عن فعاليتها في لبنان واليوم في غزة وصار بوسع المقاتلين الفلسطينيين المتدينين ان يلهبوا ديموغرافيا الاهل و أن يواصلوا نضالهم بوصفه الأسلوب الوحيد الناجح والكفيل الذي باجبار المحتل على التخلي عن احتلاله دون قيد أو شرط.
والراجح أن دينامية مليون فلسطيني أحرار من الحواجز والمستوطنات ولو في مساحة جغرافية صغيرة هذه الدينامية من شأنها أن تشكل قاعدة للنضال هي الأولى من نوعها وقد تساعد في تحويل القطاع إلى إقليم يتمتع بالقدرة المحدودة للدفاع عن النفس لكن القابلة للتطور وذلك على الرغم من سيطرة إسرائيل على البحر والجو ومن قدرتها على معاودة الاجتياح فهذه القدرة كانت وما زالت موجودة في جنوب لبنان لكنها شبه معطلة بفعل الردع اللبناني وهي أيضا قد تصبح معطلة بفعل الردع الفلسطيني المنتظر فالمهم في هذه البقعة الفلسطينية المحررة هو عدم قدرة إسرائيل على التواجد فيها بشكل دائم سواء عبر المستوطنات أو عبر المواقع العسكرية الثابتة.
كان اسحق رابين يهجس بالديموغرافية الفلسطينية وتحولاتها قبل اغتياله فقد توقع سيناريو الانسحاب من غزة قبل وقوعه بـ12 سنة لذا وافق على اتفاق أوسلو وبرر موافقته بالقول خلال مقابلة تلفزيونية شهيرة: قبل الانتفاضة في غزة والضفة الغربية وقبل العمليات الانتحارية في جنوب لبنان كان الجيش الإسرائيلي يحمل خطر الموت للجيوش العربية ويجبرها على الامتناع عن مهاجمة إسرائيل لكن بعد الانتفاضة والعمليات الانتحارية صار العدو العربي يطلب الموت ولم يعد يخشى خطر الموت الذي يحمله جيشنا لذا بات علينا أن نفكر بطريقة أخرى لمواجهة هذا الوضع الطارئ ولهذا وافقت على اتفاق اوسلو.
والخوف من الديموغرافية الفلسطينية الملتهبة عبر عنه في أكثر من مناسبة إيهود باراك رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق الذي كان يستعجل الاتفاق مع الفلسطينيين تجنبا للهرب من غزة ومن الضفة لاحقا إلا أن شارون اقنع الإسرائيليين بلا جدوى الديموغرافيا الفلسطينية وبأنه قادر على قمع الانتفاضة والقضاء على الجهاديين خلال مئة يوم فإذا به يعود إلى ما رسمه رابين وباراك مع فارق أن التيار الجهادي صار طليقا والديموغرافيا الفلسطينية بات اليوم أكثر تدينا وتصميما على خروج المحتل من كل الأراضي الفلسطينية المحتلة بالوسيلة نفسها.
يبقى أن القسم الأعظم من أنصار إسرائيل الكبرى في مستوطنات غزة قد ارتضى مقايضة ارض التوراة بمئتي ألف دولار للفرد الواحد فبدا كما وصفه محمود درويش في قصيدة شهيرة عابرا في كلام عابر. صحيح أن القداسة قيمة نسبية خصوصا عندما تكون بمواجهة حشود ديموغرافية هادرة. فيصل جلول