انتبهوا أيها الثوار فالخطب جلل

بقلم: صالح بن عبدالله السليمان

نقر جميعاً بفضل الشباب الذين ثاروا على الظلم والطاغوت سواء في تونس أو مصر أو ليبيا.

الشباب الذي ثار على من اعتبروا أنفسهم فوق القانون، أو من جعلوا من أنفسهم هم القانون في بلادهم، ثورتهم أعادت الكرامة ليس فقط لبلادهم بل وللأمة كلها، وكانت كل ثورة وقود لثورة أخرى، اشد منها وأقوى منها.

ولكن، بدأت تصلنا أخبار، كم نتمنى ألا تكون حقيقة، أخبار عن ثوار دخلهم الكبر والخيلاء، ثوار حاربوا الكبر لدى حاكم متكبر، فإذا بعضهم يصابون بذات الداء الذي حاربوه.

أصبح هؤلاء البعض ينافسون الحكام السابقين بمقدار الكبر، أصبح البعض "واكرر البعض فقط" يحسبون أنهم بثورتهم صاروا الحكام الجدد، أصبحوا ينظرون لشعبهم من قمة برج عاجي أطلقوا عليه اسم الثورة.

ومنهم من أعطى لنفسه الحق في كسر القوانين والأعراف التي تحكم المجتمع، وأصبح يعتبر نفسه فوق القانون، فهو صانع الثورة وبطلها، فلا يجب عليه أن يتقيد بنظام، أو يلتزم بقانون، فكل الأنظمة أصبحت لا تنطبق عليه، وكل القوانين أصبحت ملغية بالنسبة إليه، فيحق له دخول أي مكان واخذ أي شي وقطع أي إشارة، ومد يده لما يحب، كيف لا وهو الثورة وهو بطلها وهو شعارها وهو مجدها؟

وهكذا بدل أن يكون لدينا ظالم واحد أصبح لدينا مئات من الظلمة، وبدل أن يكون لدينا واحد يدعي انه المجد أصبح لدينا المئات ممن يدعونه.

وبدل أن يكون لدينا حفنة ممن هم فوق القانون، أصبح لدينا المئات.

أصبح بعض الثوار أو من يدعي انه من الثوار يدخل إلى الإدارة الحكومية ولا يحترم موظفيها، أصبح يتعامل مع الناس من فوق برجه العاجي، يجب أن تنهى معاملته أولا، لأنه ثائر، يطلب معاملة خاصة لأنه ثائر، وهذا ينطبق على بعض الثوار في تونس ومصر و ليبيا.

هل دفعت شعوبكم هذه الأثمان الكبيرة من دم وعرق ودمع، من تدمير وتحطيم وأموال حتى يتمكن هؤلاء من أن يكونوا طواغيت جدداً؟ أنا لا أخاف من المتسلقين من النظام السابق، فهم اضعف من أن يؤثروا في ثورتكم إلا قليلاً، فهم معروفون واضحون بيّنون، ولكن الخوف كل الخوف من المتسلقين الجدد، من الذين ركبوا موجة الثورة لكي يصعدوا على أكتاف الشهداء ودماء الجرحى وعرق الثوار ودموع الأمهات، هؤلاء أشد خطراً وأكثر فتكاً.

قرأت بعض الأخبار عن تعديات قام بها بعض ثوار تونس ومصر وليبيا على مجتمعهم، ولم أكن اصدق أن ثائراً على الظلم يكون ظالماً أو ثائراً على طاغية يكون طاغية.

انتبهوا أيها الثوار الحقيقيون، لا تجعلوا هؤلاء البعض يفسدون ثورتكم، سواء ثوار تونس أو مصر أو ليبيا، فهم مشاريع طغاة صغار، مشاريع لفراعين صغار، فكل من لا يحترم قانون أو نظام ويظن نفسه أعلى منها، أو إن درجته كثائر تجعله فوق المحاسبة، فهو ظالم وطاغية، ولا فرق بينه وبين من ثار عليه.

ثوراتكم كانت لاسترجاع كرامة شعوبكم واسترجاع حريتها، وإعادة الهيبة للقانون والنظام، فإذا لم تكن لها هذه النتائج فهي لا تستحق مسمى ثورة.

أفيقوا يا من تدعون الثورة، بينما انتم تهدمون مبادئها، فان الثوار الحقيقيين سيقفون لكم، وسيثورون عليكم.

لقد استغل البعض منكم هذه الثورات لكي يتكبر ويرفع نفسه فوق مستوى الناس والبشر، ولا يلتزم بقانون أو نظام.

إن الذي يدفعني إلى هذا القول هي الأخبار عن بعض الأشخاص الذين اعتدوا على أبناء بلدهم، بحجة أنهم لم يثوروا، أو اعتدوا على بعض من لم يلطخ يده بدم ولم يسرق مال وعمل في الحكومة، ومنهم من بلغ في العمر عتيّا، فان ثورة لا تحترم شعبها ليست بثورة، وثواراً لا يحترمون بلدهم ليسوا بثوار.

لا ننسى أيضاً أن الثائر إذا خرج من بلده، يجب أن يكون مثالاً للثائر الحق، يجب أن يلتزم بأنظمة وقوانين البلد التي يزورها، يجب أن يكون سفيراً ليس لبلده فقط، بل لثورته ولقيّمه التي ثار من أجلها، ولأضرب لكم مثالاً.

ورد خبر أحزنني، وهو أن احد الأخوة من بلد عربي نجحت فيه الثورة ولله الحمد، رفض أن يستجيب لأمر عدم دخول المركبات من بوابة الدخول إلى المنطقة المركزية حول الحرم المكي، وتجادل مع العسكري على البوابة، وزاد على ذلك بأنه مد يده على ذلك العسكري وكسر يده، ويقول من شهد الواقعة انه كان يصرخ بالعسكري يقول "أنت مش عارف أنا مين ؟..أنا من الثوار...إحنا اللي خلعنا فلان الحاكم ".

كأن كونه من الثوار يبيح له أن يخالف أمراً تنظيمياً بمنع دخول جميع المركبات إلى المنطقة المكتظة بمليون ونصف إنسان، مساحة مكتظة بملايين المسلمين الذين شغلتهم عبادتهم عن الدنيا بما فيها.

هو لم يشوه فقط سمعته كشخص ولكنه شوه سمعة الثوار والثورة، في وقت نحتاج فيه إلى كل دعم من كل فرد.

وبدل أن تعلمه الثورة النظام، والالتزام به، سيقال إن الثورة علمته عدم احترامه.

لا تقتلوا ثورتكم وتقتلوا الأمل لدينا!

أرجوكم هذه الثورات ثوراتنا جميعاً، ثوراتنا من اجل الحرية والكرامة، ثوراتنا من أجل أن يكون الجميع سواسية أمام القانون، ثوراتنا من اجل أن نحترم جميعنا النظام، ثوراتنا من اجل أن نرتقي ونرتفع من أمم متخلفة إلى مصاف الأمم المتقدمة، ولن يحدث هذا إلا إذا طبقنا ما ثرنا من اجله.

إن احترامكم لثوراتكم واحترامكم لمبادئ ثوراتكم، ولقيم ثوراتكم، هو ما سيدفع إخوتكم في كل مكان لأتباعكم، والسير في طريقكم.

يجب أن يكون الثائر مثال يحتذى به، أخلاقه يجب أن تكون أخلاق ثائر، ثائر على الفساد، ثائر على التمييز، ثائر على التفرقة، ثائر على الكبر والتكبر، يحترم نفسه باحترام غيره، يجل نفسه بإجلال غيره، يكون الأول بالتمسك بالقانون ويكون آخر من يخالفه، يكون أول مطبق وليس كاسراً له.

أما وقد أصبحت الثورات نهب ناهب وسرقة سارق وظلم ظالم، وتحولت البلد من حكم ظالم إلى حكم ظلمة، ومن سيطرة طاغية إلى سيطرة طواغيت، ومن فرعون واحد إلى كثرة من الفراعين، فإنكم قتلتم ثورتكم وقتلتم الأمل في قلوب غيركم.

هدانا الله وإياكم إلى سواء السبيل

صالح بن عبدالله السليمان

كاتب مسلم عربي سعودي

http://salehalsulaiman.blogspot.com/