انبياء وملوك ورؤساء لجأوا إلى مصر

القاهرة - من محمد جمال عرفة
جعفر النميري: آخر الزعماء الذين لجأوا الى مصر

يستعد عدد من اللاجئين السياسيين السودانيين من أحزاب الأمة والاتحادي الديمقراطي للعودة إلى السودان, بعدما نشط الحوار الداخلي والمصالحة الداخلية في السودان، وآخر العائدين أسرة أحمد الميرغني, التي عاد بالفعل بعض أفرادها, بينما يستعد احمد الميرغني رئيس السودان الأسبق قبل انقلاب الرئيس الحالي البشير عام 1989 للعودة بدوره بعدما استضافتهم القاهرة ضمن سياسة مستمرة في مصر, منذ عهد الفراعنة لإيواء اللاجئين السياسيين.

وتؤكد السفيرة منى خشبة مديرة شؤون اللاجئين بوزارة الخارجية المصرية أن عدد اللاجئين السياسيين في مصر يبلغ الآن حوالي 7500 لاجئ من كل الجنسيات, طبقاً لبيانات مكتب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في القاهرة, بعدما كان العدد قبل ثلاثة أعوام, حتى كانون أول (ديسمبر) 1998, في حدود 6277 لاجئاً سياسياً, أغلبهم من الصوماليين والسودانيين واليمنيين والروانديين والليبيريين والأثيوبيين والأفغان.

وتقول إن هناك لجنة مكونة من خبراء وزارات الخارجية والداخلية والاتصالات المصرية، فضلاً عن المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، تجتمع دورياً لحل المشكلات, التي تواجه اللاجئين, سواء ما تعلق منها باستخراج تصاريح للإقامة أو توفير مسكن مناسب أو عمل أو مال.

وبمجرد دخول اللاجئ مصر وتوفر شروط اللجوء فيه يُمنح بطاقة زرقاء للإقامة في مصر تحميه من التعرض للمساءلة القانونية, ويتم تجديد الإقامة له كل 6 شهور، كما توفر المفوضية الخدمات الصحية والتعليمية وتمنحه مبلغاً شهرياً يكفل له العيش الكريم.


صدام حسين في القاهرة
وتضيف السفيرة منى خشبة إن الرئيس حسني مبارك أصدر قراراً بتوفير التعليم الأولي للاجئين المسجلين في المفوضية مجاناً, مثلهم مثل أبناء مصر, في إطار الجهود التي تبذلها القاهرة وحرصها على توفير الإمكانات لكل شخص يعيش على أرضها، مشيرة إلى أن بعضهم يعود إلى بلده عندما تستقر الأوضاع فيها, وتسمى في هذه الحالة "العودة الطوعية"، أو يظل اللاجئ مقيما في مصر.

ويعرف اللاجئ السياسي بأنه الشخص الذي يعيش خارج البلد الذي ينتمي لجنسيته بسبب خوف له ما يبرره من الاضطهاد, مثلا بسبب عضويته في جماعة اجتماعية معينة, أو إيمانه برأي سياسي معين, ولا يستطيع أو لا يريد نتيجة لهذا الخوف الاستفادة من حماية هذا البلد.

أنبياء لجأوا إلى مصر!

من جانبه يؤكد السفير محمد حسن الخضراوي المدير السابق لشؤون اللاجئين في وزارة الخارجية المصرية أن مصر عرفت اللجوء منذ عهد الفراعنة, وتشهد بذلك البرديات والنقوش الموجودة على جدران معابد إيزيس وحورس وغيرها, والتي سجلت حق اللجوء للضعفاء, مع ضمان عدم المساس بهم أو طردهم بالقوة.

ويضيف إن مصر كانت ملجأ أيضاً لأنبياء الله من الاضطهاد, إذ لجأ "أبو الأنبياء" سيدنا إبراهيم عليه السلام إلى مصر ليستظل بأمنها, بعد الاضطهاد الذي تعرض له على يد قومه، كما لجأت السيدة مريم العذراء وابنها المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام إلى مصر قبل نحو ألفي عام هرباً من الاضطهاد الروماني, وما زال الأقباط يحتفلون بالطريق الذي مرّا به في جنوب مصر, كما حولته وزارة السياحة المصرية إلى مزار سياحي.

ومع إبرام العديد من الاتفاقيات الدولية التي تحمي اللاجئين السياسيين، اختارت مصر أن تكون طرفاً فيها, وفي مقدمتها اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1951, وبروتوكول عام 1967, واتفاقية الوحدة الإفريقية لعام 1969, واتفاقية الجامعة العربية لعام 1994. كما تضمن الدستور المصري الدائم لعام 1971 إشارة في المادة 53 منه إلى "منح حق اللجوء لكل أجنبي تعرض للاضطهاد بسبب الدفاع عن مصالح الشعوب أو حقوق الإنسان أو السلام أو العدالة"، كما نص على "حظر تسليم اللاجئين السياسيين".

رؤساء لاجئون!

وقد لجأ إلى مصر العديد من رؤساء الدول العربية والإفريقية من الشخصيات السياسية والعسكرية المرموقة، وضمنت مصر لهم الحماية الأمنية الواجبة, بما يضمن عدم تعرض حياتهم وممتلكاتهم للخطر, مع ضمان عدم تسليمهم أو إعادتهم إلى سلطات بلادهم, وذلك طبقاً لنص الدستور المصري الدائم, والتقاليد العربية المرعية في مصر, وقضوا جميعاً حياتهم في البلاد بطريقة طبيعية, ودون أي مشكلات, ومنهم من يقيم منذ أكثر من 30 عاماً, ومنهم من عاد إلى بلاده رئيساً أو مسؤولاً مرة أخرى أو مواطناً عادياً بعد تحسن الظروف هناك.

والملاحظ من خلال تتبع مسيرة اللجوء السياسي إلى مصر في العصر الحديث أن عدد اللاجئين بدأ يقفز إلى أرقام كبيرة منذ ثورة تموز (يوليو) 1952, إذ لجأ الكثير من الثوار في الدول العربية والإفريقية إلى مصر ليتحركوا منها ضد احتلال بلادهم.

وقد استخدمت القيادة السياسية المصرية اللجوء إليها سلاحاً لتحقيق أهداف سياسية معينة، إذ حوّله الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر إلى سلاح لمحاربة الاستعمار وتأييد حركات التحرر الوطني, وقد أمر بفتح الأبواب المصرية أمام زعماء التحرر الوطني في كل بقاع العالم، وكان في مقدمتهم بالطبع الثوار العرب ورؤساء الدول العربية فيما بعد، مثل الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة والرئيس الجزائري الأسبق أحمد بن بيلا وغيرهما.

وعندما تولى الرئيس المصري السابق أنور السادات الحكم في عام 1971 عدل من هذا التوجه تدريجياً, لا سيما بعدما استقلت أغلب الدول العربية والإفريقية، إلا أن الصدام بين السادات وعدد من الدول العربية، لا سيما بعد توقيع اتفاقات كامب ديفيد، أدى إلى تحول سلاح اللجوء إلى أداة لمحاربة بعض الأنظمة العربية, التي ناصبت السادات العداء. ولذلك شهدت مصر موجات من اللاجئين المعارضين في العديد من الدول العربية مثل العراق وسورية وليبيا. أما الرئيس مبارك فقد سعى في إطار تحسين علاقاته مع جميع الدول العربية, التي يمثل لاجئوها النسبة الكبرى من اللاجئين, إلى وقف النشاط السياسي لجميع اللاجئين على أرض مصر.

أمير من روسيا كان أول لاجئ إلى مصر في القرن العشرين

ويؤكد أرشيف جريدة "الجمهورية" المصرية أن أول لاجئ سياسي إلى مصر في القرن العشرين كان أحد أمراء أسرة قيصر روسيا, وأنه طلب اللجوء السياسي إلى مصر عام 1917 في عهد السلطان حسين كامل سلطان مصر في ذلك الوقت, وذلك بعد أن أطاحت الثورة البلشفية بحكم القياصرة الروس, ووافقت الحكومة المصرية آنذاك على طلبه اللجوء إليها, وهو ما أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من الروس إلى مصر, أقام معظمهم في مدينة الإسكندرية الساحلية.

ومن أطرف طلبات اللجوء إلى مصر, طلب فريق كرة القدم الأثيوبي, الذي كان موجوداً في القاهرة عام 1992 لأداء مباراة مع الفريق المصري, اللجوء إلى مصر, إذ رفضت بعثة الفريق بالكامل وتعد 35 فرداً العودة إلى أثيوبيا باستثناء فردين أو ثلاثة!.

أما أشهر اللاجئين السياسيين إلى مصر فيضمون شاه إيران رضا بهلوي, الذي قُطعت بسببه العلاقات بين مصر وإيران, ولم تأخذ طريقها إلى التعافي إلا مؤخراً. وثمة أيضاً الرئيس السوداني الأسبق جعفر نميري, الذي لجأ وزوجته إلى مصر بعد الانقلاب الذي قام به الجيش ضده في الثمانينيات, وظل يعيش في الخفاء سنوات طويلة, ومنعته مصر من مزاولة العمل السياسي، ثم سمحت له بعقد لقاءات مهدت لعودته إلى السودان مرة أخرى ومشاركته في الانتخابات الرئاسية الأخيرة, ليأتي في المرتبة الثانية بعد الفريق عمر البشير رئيس السودان الحالي.


شاه ايران: اشهر اللاجئين لمصر في القرن العشرين
ومن لاجئي السودان أيضاً عبد الخالق المحجوب رئيس وزراء السودان الأسبق, الذي كان لاجئاً في عهد عبد الناصر, وبعد فترة من إقامته في مصر طلب السماح له بالعودة إلى السودان, ولكنه أُعدم بعد أسابيع قليلة من وصوله إلى السودان. وهناك أيضاً الصادق المهدي رئيس وزراء السودان السابق, الذي لجأ إلى مصر مرتين: مرة في عهد نميري، والثانية في عهد البشير، وعاد مؤخراً إلى بلاده.

ومن أشهر الرؤساء الذين لجأوا إلى مصر أيضا الرئيس العراقي صدام حسين, الذي لجأ إلى مصر قبل أن يصبح رئيساً للعراق، وأكمل دراسته في مصر ورعاه الرئيس الراحل عبد الناصر قبل أن يعود إلى بلاده وينخرط في العمل السياسي ليصل إلى مقاليد الحكم.

لاجئون تعرضوا للاغتيال .. وآخرون عادوا رؤساء

وقد سعت أنظمة سياسية عدة لتصفية حساباتها مع عدد من لاجئيها السياسيين في مصر, ربما خوفا من عودتهم مرة أخرى إلى بلادهم, وقيادة انقلابات ضد الأنظمة الحاكمة. وفي هذا الصدد تعرض عدد من اللاجئين السياسيين في مصر لمحاولات اغتيال، أشهرها محاولة اغتيال صبحي عبد الحميد رئيس وزراء العراق الأسبق عام 1972، وعبد الحميد البكوش رئيس وزراء ليبيا الأسبق, الذي تعرض لمحاولة اغتيال في القاهرة عام 1979. بل إن بعضهم تعرض للاختفاء والاختطاف, وأشهر هؤلاء المختطفين منصور الكيخيا المعارض الليبي الشهير, الذي لجأ إلى مصر واختفى من القاهرة في التسعينيات، وما زال مفقوداً, واتهمت زوجته ليبيا بخطفه.

ومع أن بعض اللاجئين لجأ إلى مصر على طريقة "ارحموا عزيز قوم ذل", بسبب فقدان عرش حكمه، فقد كانت القاهرة أيضاً محطة لعودة بعض اللاجئين إلى بلاده ليحكمها. فكما لجأ شاه إيران إلى مصر بعد طرده، ولجأ نميري إليها بعد الانقلاب عليه؛ تطول قائمة اللاجئين السياسيين الذين عادوا رؤساء لبلدانهم وتشمل شكري القوتلي اللاجئ السوري الذي استقبلته مصر عام 1950 وعاد إلى سورية عام 1954 رئيساً للجمهورية, والحبيب بورقيبة الذي عاش في مصر فترة طويلة في الأربعينيات قاد خلالها شعبه ضد الاستعمار ثم سافر إلى تونس رئيساً لها، وهو نفس ما حدث مع قادة ثورة تحرير الجزائر وعلى رأسهم أحمد بن بيلا, الذي عاد رئيساً لبلاده قبل أن يعزله الرئيس الأسبق هواري بومدين. وهناك أيضاً الرئيس اليمني الجنوبي السابق علي ناصر محمد, الذي تحول من لاجئ سياسي في مصر إلى رئيس لليمن الجنوبي.

.. وملوك لاجئون أيضاً!

ومثلما استضافت مصر العديد من الرؤساء المخلوعين أو اللاجئين ، استضافت عدداً من الملوك اللاجئين بعد أن فقدوا ملكهم, منهم الشيخ إدريس السنوسي ملك ليبيا, ومحمد رضا بهلوي شاه إيران, الذي استضافته مصر عقب قيام الثورة الإيرانية عام 1979 وتوفي على أرضها، وأحمد زوغو ملك ألبانيا بعد سقوط عرشه على يد الألمان في العقد الثاني من القرن الماضي, ولكن تم ترحيله من مصر عام 1954، بعد الإعلان عن تورطه في مشكلات سياسية، وفي عام 1980 عاد ابنه وطلب اللجوء إلى مصر, وقُبل طلبه، وهناك المشير عبد الله السلال رئيس جمهورية اليمن الأسبق، وبشير عمرو الزريبي من تونس آخر اللاجئين السياسيين الذين توفوا في مصر.

ومن أبرز اللاجئين الأفارقة زوجة الزعيم الإفريقي الذي اغتيل باتريس لومومبا وأولادها الثلاثة, وأيضًا زوجة نكروما وأولادها. (ق.ب)