انبهار عالمي باول فيلم عن الاسكيمو

لوس أنجلوس - من أندي جولدبرج
الفيلم يقدم حياة الاسكيمو في صورة ملحمة سينمائية رائعة

تبدأ أول عبارة في الفيلم السينمائي الجديد "أتانارجوات" أو (الراكض السريع) بامرأة من السكان الاصليين من الانويت (قبائل الاسكيمو) تقول لاسرتها الملتفة حولها في كوخ مضاء ينبعث منه الدخان "لا أستطيع أن أغني هذه الاغنية سوى لمن يفهمونها".
ثم تبدأ بهدوء في ترديد أنشودة غريبة بصوت يعلو أحيانا ويخفت أحيانا أخرى. ومع انتهاء الفيلم بعد ثلاث ساعات نفهم فعلا الكثير عن تلك الثقافة التي تمضي إلى الزوال والتي يجسدها الفيلم ويحافظ عليها.
ولكن الفيلم ليس مجرد بيانا قيما يحفظ بين سجلات الانثروبولوجيا (علم الاجناس)، بل يحكي رواية مثيرة راسخة الاركان عن النفس البشرية يتم تصويرها بشكل مبدع وينسج سحرا سينمائيا باستخدام القصص التقليدي لقبائل الانويت، سكان الشمال الجليدي.
ويتناول هذا العمل التجربة الخاصة لهذه الجماعة الفريدة والمنعزلة من البشر، ويربطها بقيم كونية تتعلق بالاسرة والقوة والحب والضيافة والمجتمع والغيرة. ومن هذا المنطلق، فقد أشيد بهذا الفيلم باعتباره ربما أعظم أفلام القرن الحادي والعشرين حتى الان.
ووصفت مجلة "إسيان ويك" الفيلم بأنه "كشف مبدع في مجال صناعة السينما"، وأشادت بغاية صناع هذا العمل في استخدام السينما العرقية باعتبارها "دراما ثقافية يعاد إحياؤها".
وأخرج هذا الفيلم المخرج زكاراياس كونوك، الذي أسس شركة "إيجلوليك إيسوما" للانتاج السينمائي، وهي شركة مستقلة خاصة بالانويت في شمال كندا تهدف إلى خلق "عملية إنتاج إعلامي يعتمد على المجتمع وفق أسلوب حياة قبائل الانويت ويهدف للحفاظ على ثقافتهم وتعزيزها وتقديم وجهة نظر خاصة بهم".
ولا ينهمك الفيلم في تقديم الخدع السينمائية التقليدية لجذب انتباه المشاهدين، بل يعيد بصورة حقيقية تجسيد الظروف التي عاشها أفراد قبائل الانويت لآلاف السنين حتى بدأ ركب الحضارة الغربية يطغى على ثقافتهم البعيدة المنعزلة.
وأعاد صناع الفيلم، من خلال العمل مع الرواة وأصحاب الحرف التقليدية من قبائل الانويت، تجسيد أسطورة أتانارجوات اعتمادا على التاريخ الشفهي، وبهذا ربما حافظوا عليها للابد من الاندثار والضياع بواسطة وسائل الاعلام.
ففي عصر السترات البلاستيكية التي تحفظ الدفء وهواتف الاقمار الصناعية والعربات الالية التي تسير على الجليد، استخدم الفيلم حرفيين من الانويت لصناعة كثير من الاغراض التي استخدمت في مشاهد العمل يدويا بما في ذلك الملابس المصنوعة من فراء الفقمة وعظام الحوت والزلاجات التي تجرها الكلاب والاكواخ الثلجية.
ينسج الفيلم بعد ذلك نمط الحياة اليومية مع أحداث الفيلم التي تستحوذ على الانتباه بحيث يرى المتفرج كيف كانت هذه الجماعات القديمة تلبس، وكيف كانوا يعملون ويأكلون ويصطادون ويتزوجون ويتبادلون الغرام ويربون أطفالهم، بل ويقتلون.
وقد تم تصوير الفيلم على مدار ستة شهور في مجتمع قبائل الانويت على جزيرة إيجلوليك في إقليم بافين بواسطة طاقم عمل تسعين بالمائة من أفراده من السكان الاصليين.
ويعتبر هذا أول سيناريو لفيلم سينمائي يكتب باللغة الاصلية للانويت ويروي قصة أتانارجوات، البطل القدوة، ومعركته ضد زعيم فاسد وشرير.
ويقوم الزعيم الفاسد وأتباعه، في أكثر مشهد أشيد به في الفيلم، بمطاردة أتانارجوات وهو متجردا من ملابسه في أرض جرداء يكسوها الجليد بعد أن حاولوا قتله أثناء نومه. ويشق البطل طريقه، مسترشدا بأصوات أجداده، وسط كتل الجليد الطافية وينقذه أحد كبار السن الذي يسافر لمساعدة القبيلة على التغلب على اللعنة التي ألحقت بها الكثير من الضرر.
والمدهش أن الفيلم يثبت أن وسائل الاعلام، التي ربما تتحمل أكثر من أي شيء آخر مسئولية تدمير الثقافات المحلية، يمكن استخدامها هي نفسها كوسيلة لحماية الثقافات التي تمضي سريعا نحو الاندثار.
وكتب المخرج كونوك قائلا "إن خمسين عاما من القساوسة والمدارس وقنوات الكابل التليفزيونية قد أسكتت أربعة آلاف عام من التاريخ الشفهي. إنني أشهد في جيلي موت هذا التاريخ".
وأشار النقاد إلى أن كونوك، من خلال الحفاظ على هذه الثقافة القديمة، يوفر للجميع رؤية بديلة حول قدرتهم على تسجيل حقيقتهم كما يرونها. وإذا كان هوس برامج التليفزيون التي تزعم تمثيل الواقع تعد أحد أسوأ كبوات الحضارة الحديثة، فإن سينما كونوك الواقعية الجديدة، كما يسميها إيه. أو. سكوت الناقد السينمائي لصحيفة نيويورك تايمز، تمثل أملا عظيما للمستقبل.
وكان مهرجان كان السينمائي أول نجاحات كونوك خارج كندا. وعندما صعد إلى المسرح في كان لتلقي جائزته، كانت كلمته مختلفة تماما عن خطب الشكر التي تقال عادة في هذه المناسبات. فقد تحدث كونوك بلغته المحلية لغة الانويت، وهي أول مرة تستخدم فيها لغة شعب أصلي في أي مهرجان سينمائي كبير.
وكانت تلك اللحظة قوية وهامة في عصر تحاول فيه هوليود إعادة تعبئة الاساطير القديمة لجيل الماكدونالدز بغلاف جديد في أفلام من نوعية "حرب النجوم" و"سيد الخواتم".
وقد كتبت صحيفة لوس أنجلوس ويكلي مؤخرا "لقد أعيد كتابة الاسطورة في مرحلة ما كما لو كانت تعويذة. أما هذا العمل الفطري، الذي يعتبر أول فيلم يقدم بلغة الاينوكتيتوت وجميع ممثليه من الانويت، فيدفعنا سواء كنا مستعدين أم لا، نحو عصر سينما كونية بحق".