اميركا والمالكي.. الطلاق بعد العناق

مشكلتنا في العالم العربي أننا لا نفهم دروس التاريخ أو نتنساها. فواشنطن لا تخلص لأصدقائها أو بالأحرى عملائها. تبيعهم في سوق النخاسة وتشتري بدلاً منهم عبيداً آخرين لم تستهلكهم مساحيق التجميل وبقيت في بشرتهم بعض النضارة لتسوقهم مرة أخرى لنفس الزبائن الذين اشتروا منهم العملاء القدامى.

اميركا باعت شاه إيران الذي كانت تصفه بأنه شرطي الخليج بل ورفضت أن تعالجه من المرض الخبيث. وباعت ضياء الحق وقتلته رغم أنه هو الذي نفذ لها سيناريو إعدام ذو الفقار علي بوتو رئيس الوزراء الباكستاني الذي كاد يحصل على القنبلة النووية. نفس الشيء حدث مع فرديناند ماركوس رئيس الفلبين الذي باعته للثوار.

لكن السؤال الذي ظهر في العراق وغيرها هو لماذا تخلت واشنطن فجأة عن المالكي؟ لماذا حدث الطلاق بعد العناق أو لماذا قبلته قبلة الموت؟

الحقيقة أن العبادي رئيس الحكومة الجديد لا يفرق كثيراً عن المالكي. الاثنان ينتميان لنفس الحزب وهو حزب "الدعوة". والاثنان سيقاتلان تنظيم داعش بدعم إقليمي ودولي بل وعربي. فما الذي استجد وجعل اميركا وتركيا وإيران والأكراد وواشنطن قبلهم ترى أن تغيير المالكي سيفيد العراق؟! منذ متى تهتم واشنطن لأمر العراق وهي التي زرعت فيه كل النقائض بعد احتلالها له؟ ألم تكن اميركا هي التي كرست مبدأ المحاصصة وتوازن القوى الطائفية والعرقية بعد أن ظل العراق موحداً بقبضة صدام القوية لفترة طويلة؟

والآن نأتي إلى السؤال الهام: هل تغيير المالكي سيجعل العراق أكثر قوة وديموقراطية وتجانساً ووحدة رغم كل تلك الدماء التي تسيل على جانبي دجلة والفرات.

لقد جاء المالكي للسلطة بمساعدة اميركية مثلما جاء قبله إياد علوي وإبراهيم الجعفري، لكن كل منهم كانت له ظروف تولية مختلفة. الثلاثة جاءوا وكانت اميركا مازالت تحتل العراق وامتد ذلك حتى نهاية فترة المالكي الأولى التي كان أهم ما قام به من أعمال لخدمة واشنطن هو تسريح كل قيادات البعث وحل الحزب طبقاً لنص مستحدث في الدستور وكون جيشاً من العاطلين لكسب الشارع إلى جانبه.

احال قدامى الضباط للتقاعد فما كان منهم إلا تشكيل ميليشيات مسلحة وعصابات بدأت تقاتل الاحتلال الأميركي وانتهت بقتال جيش المالكي. تعاون مع "الصحوات" للقضاء على القاعدة، لكن زعماء الطوائف رفضوا أي دور لـ "الصحوات" فقاطعوه ثم حاربوه. باختصار اميركا في فترة حكمه الأولى كانت تسيطر على الأوضاع السياسية والاقتصادية لبغداد وتوزع العطايا والمنح فعم الفساد كل جوانب الدولة سواء الوزراء أو النواب أو صغار المسئولين. لكن في فترة حكمه الثانية كانت واشنطن قد تركت العراق وصارت تديره من خلال اصدقائها وسفارتها وجواسيسها.

في فترة المالكي الثانية كثرت الشكاوي من الفساد والسيطرة المذهبية وسوء الإدارة وديكتاتورية القرار وأعلنت واشنطن انزعاجها من اسلوب المالكي. لكن السبب الحقيقي كان أن اميركا غيرت سياساتها في العراق من "الاحتواء" والتهدئة مع طهران إلى "التواجد". حدث الطلاق بين الزوج الأميركي والمالكي لأن الأخير رفض تواجد جنود أميركيين في قواعد دائمة بالعراق وقال يكفي ما في قطر. ورفض كذلك منح حصانة للجنود الأميركيين أمام القضاء والشرطة العراقية. وظهر أن تحالفه مع إيران ونظام بشار الأسد غير قابل للهدم. ورفض تطبيق المادة 140 من الدستور العراقي التي تنص على إجراء استفتاء في المناطق المتنازع عليها أي مع الأكراد مثلاً. اميركا مع الاكراد اكثر منها مع العراق لأن كردستان تعوم على بحر من البترول. وأخيراً فإن تنظيم "داعش" الذي احتل ثلث العراق صار يمثل خطراً كبيراً على الأكراد وهذا ما يقلق واشنطن واضطرها لتسليح البشمرجة.

حصل المالكي على ورقة الطلاق البائن من واشنطن ووقع العبادي على وثيقة زواج مشروطة وهي أن يكون متوافقا مع الشيعة والسنة والأكراد ويرضي أهل الموصل ومثلهم المتشددين في الأنبار وطبعاً آل الصدر في بغداد والبصرة. وقبل كل هذا عليه أن يقوي حزب "الدعوة" الذي ينتمي له. المعادلة الصعبة هي أن يبقى شيعياً وفي الوقت ذاته ينفصل عن طهران ودمشق. والادهى انه مطالب أن يلتحق بالحلف الذي تشكله تركيا حالياً.

والسؤال هو هل سيكون العبادي شيعياً كردياً سنياً أميركياً تركياً وإيرانيا؟ هذا هو ما تطلبه اميركا: رئيس وزراء "مخلط" بلاهوية مثل الماء لا لون ولا طعم ولا رائحة. وتسألوني لماذا لأنها لا تريد للعراق أن يكون عربياً مرة أخرى، ولعلكم تتذكرون صياغة الدستور العراقي الأولي التي صدرت أيام الاحتلال الاميركي ولم ينص فيه صراحة على أن العراق دولة عربية ولكن مجرد عضو في الجامعة العربية!