اميركا، ايران، العراق والاسئلة التي تحمل اجوبتها!

قبل ايام كنت في حديث مع صديق قادنا الى ما بدا اعدادا لهجوم اميركي متوقع على ايران، وقلت للصديق: لعلك تتذكر ان كنت تتابع ما اكتبه بأنني قلت رأيي في هذا الموضوع مبكرا وهو ان وحل العراق الذي اغرق الاميركيون انفسهم فيه بعد ان حلقوا على اجنحة غرورهم واحساسهم بالتفوق على بقية امم الارض لن يسمح لهم بهذا، ومع وحل العراق هناك وحل افغانستان، وعندما اعلن وزير الدفاع الجديد بول غيتس الذي خلف مهندس الخراب رامسفيلد بأن اميركا قادرة على خوض حرب في جبهة ثالثة لم ينصت اليه احد، ولم يؤخذ كلامه مأخذ جد. فالحرب ليست اسلحة متفوقة فقط بل هي قبل هذا وذاك تتعلق بمستقبل شعوب وكراماتها، ولنا الدليل في فشل كل اسلحة التدمير في جعل الوطنيين العراقيين يرضخون ويذعنون، ولم يعد الاميركان يعتمدون الا على عملائهم المنبوذين الذين هم بحاجة الى حماية من يد المقاومة التي تطالهم اينما كانوا.
نعم، اميركا لن تقدر على الاقتراب من ايران وما ذكر انها ستوكل المهمة لاسرائيل لتبدأ ضربتها الاولى ومن ثم تقوم هي باستكمالها هو كلام فارغ، فاسرائيل تلقت ضربات من المقاومة اللبنانية اكدت ان هزيمتها ممكنة اذا ما توفرت الارادة فلتحم اسرائيل نفسها وتحافظ على كيانها المسخ حتى تفكر بضرب بلد مساحته اضعاف مساحتها وشعبه اضعاف مستوطني اسرائيل.
تذكرت هذا الحديث الذي دار بيني وبين الصديق قبل ايام فقط وأنا اقرأ تصريحا جديدا لنيكولاس بيرنز المسؤول المكلف بالملف الايراني في الخارجية الاميركية قال فيه: ليس هناك ما يدعو الولايات المتحدة الى الدخول في مواجهة عسكرية مع ايران ، فكأنه بهذا قد حسم الامر واعطى الجواب.
وكان بيرنز يتحدث في جلسة استماع عقدتها لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ الاميركي.
ان الرئيس الاميركي وادارته محاصران داخليا وخارجيا، فرئيسة مجلس النواب السيدة نانسي بيلوسي تخاطب بوش وتنصحه بأن يتأنى ويتخلى عن انفعالاته بعد ان هدد باستعمال حق النقض والمضي في حربه على العراق. ونحن نعلم انها ذهبت الى العراق، والتقت بعدد من "المسؤولين" الذين نصبتهم اميركا واولهم المالكي، وعرفت وهي السياسية البارعة حجم هذا الشخص وامكاناته المحدودة وانه لم يوضع في هذا الموقع الا لطائفته وليس لكفاءته. ولذا عادت الى اميركا وهي اكثر اقتناعا بأن هذه الحرب لا طائل من ورائها، ولا يربح الشعب الاميركي من ورائها شيئا الا في قتل المزيد من ابنائه.
انها حرب خاسرة دمرت بلدا عظيما ومزقته وجعلت ابناءه يتقاتلون (يوم الخميس الماضي فقط اكثر من مئة وستين قتيلا بين تلعفر والخالص فقط عدا القتلى في مدن اخرى).
ولم يبد مستغربا ايضا اعتراف السفير الاميركي الجديد في العراق رايان كروكر الذي خلف زلماي زاد في هذا المنصب بأن العراق هو "جمهورية الخوف"، ونسأله ما الذي جعل العراق جمهورية للخوف هذا اذا كان ما هو موجود فيه من حكم لقيط ما زال يسمى "جمهورية"؟!
أليست اميركا هي التي فعلت هذا به؟ ولماذا فعلت كل هذا؟ ومن اجل ماذا؟ وهل المشهد العراقي الذي نراه هو ثمرة ما أوحي به الى الرئيس بوش إلهه كما يلذ له ان يصرح؟
ان في اميركا سياسيين سواء كانوا في الكونغرس او مؤسسات البحث او اجهزة الاعلام وقيادات الرأي العام يحسون بمسؤوليتهم تجاه بلدهم وتجاه الشعوب الاخرى، وان امتلاك اميركا لجيش جرار واسلحة متقدمة لا يعني ان بامكانها ان تعبث كل هذا العبث فتهاجم وتدمر وتحتل وتسقط انظمة وتأتي باتباع صغار وتوهمهم بالمواقع والمناصب.
وان العالم كله يعول على السياسيين الاميركيين من طراز السيدة نانسي بيلوسي لايقاف افعال المسيحيين الجدد الذين يريدون تشكيل عالم وفق معتقداتهم وقناعاتهم وقد بان فشلهم الذريع وخابت مشاريعهم في العراق وافغانستان، وان من يشاهد الرئيس الاميركي في اطلالاته التلفزية الاخيرة يتأكد بأنه محاصر ومتوتر ولذا نصحته رئيسة البرلمان السيدة بيلوسي بأن يهدأ وينصت، وان الناخب الاميركي الذي اختار اعضاء البرلمان الديمقراطيين ليمثلوا ارادته يريد منهم ان ينقذوا اميركا من ورطاتها المتعددة سواء في العراق او افغانستان وحتى في الصومال بعد ان ثبت بأنها كانت وراء ادخال الجيش الاثيوبي اليه ليسقط نظام المحاكم الشرعية والقبائل المتحالفة معها التي سيطرت على جل الاراضي الصومالية واعادة حكومة وهمية هاربة ليس لها الا الاسم.
وقد حملت الصور التلفزية القادمة من الصومال اخيرا صورا مرعبة لجثث الجنود الاثيوبيين المتناثرة التي تسحل وتحرق بحقد حتى من قبل النساء الصوماليات!!
هل مصلحة اميركا ان تغرس بذور احقاد لا تنتهي بين بلدين جارين؟
وهو ما فعلته ايضا بين العراق وايران عندما استقدمت عملاء الاخيرة لتسلمهم ما اوهمتهم بأنه حكم، وبدأ هؤلاء بتنفيذ احكام الاعدام بالضباط الكبار والطيارين الذين قادوا العراق للانتصار على ايران في حرب الثماني سنوات وكل هذا متوافق مع اعدام القادة الشرعيين للبلد الذين تقع مسؤولية تغييرهم على الشعب العراقي وليس على الدبابات الاميركية.
اعود الى حديثي مع الصديق واضيف ان ايران تعرف جيدا انها ستمضي في تخصيب اليورانيوم غير آبهة بشيء، وانها بهذا تمارس حقا في استعمال الطاقة النووية للأغراض السلمية، والعالم كله يؤيدها في سعيها هذا وان الاميركان المنهكين (تحت السيطرة) خاصة المئة وخمسين الفا من عساكرها المتواجدين في العراق.
ان المشهد العراقي الهجين هو الذي جعلنا في قمة الرياض العربية الاخيرة لا نرى من هذا البلد العربي الاصيل الا رئيسا كرديا ويجلس خلفه وزير خارجية كردي ايضا!! ولا حول ولا قوة الا بالله.
ان العاهل السعودي الملك عبد الله قالها واضحة في خطابه عند افتتاح قمة الرياض ان العراق محتل.
وما دام العراق محتلا فان كل ما جاء به الاحتلال مرفوض وغير مقبول ولا بد ان يصحح.
واقول لصديقي: ماذا تسمى احتجاز ايران لخمسة عشر بحارا بريطانيا ونقلهم من مياه شط العرب الى ايران؟
أليس هذا رسالة لأميركا قبل ان تكون لبريطانيا الضعيفة التابعة؟
وان هؤلاء البحارة سيظلون رهائن لدى ايران ولن يطلق سراحهم الا اذا اعتذرت بريطانيا للشعب الايراني، وستعتذر رغم انفها هذا اذا كانت تريد سلامة جنودها.
وبالمناسبة نسأل اميركا لماذا لا تفعل شيئا لحليفتها بريطانيا؟ ولماذا تترك جنودها في جنوب العراق رهينة عند ايران؟ ثم الى متى كل هذا العبث المقيت؟! عبد الرحمن مجيد الربيعي
روائي من العراق يقيم في تونس