امرأة وحيدة في الزحام

تضم أربعا وثلاثين قصة قصيرة

كثيرة هي الإشكاليات النقدية والجدليات الأدبية التي تفجرها بعض الأعمال الإبداعية التي تظهر في الأونة الأخيرة، ذلك لأن جيل الكتاب الجدد، خاصة الشباب منهم هو جيل أصبحت له قناعاته الخاصة بما حوله من أحداث وقيم اجتماعية وأدبية، إنه جيل عايش متغيرات كثيرة متلاحقة على شتى المستويات التاريخية والفكرية والإقتصادية، ومن ثم الإجتماعية، فتولدت أصوات أدبية ساخطة متمردة على منظومات القيم الأدبية والإجتماعية.

وظهرت أصوات أخرى تعكس الحجم الهائل من الفراغ النفسي الذي يعيشه الإنسان المعاصر، إذ يحاصره القلق والتوتر أو الشعور بالضياع وعدم الأمن أو افتقاد كل ما هو جميل ومؤنس، لنجد صدى ذلك كله في الأعمال السردية الجديدة شكلاً ومضموناً، ومن هذه الأصوات الأدبية الموهوبة الواعدة صوت سميرة شرف الباحثة الأكاديمية والمبدعة المهمومة بقضايا كثيرة ومتفرعة، بؤرتها المرأة الشرقية وما تعانيه من قهر وظلم فى بعض الأحيان، الأمر الذي يجعل مجموعتها "فى الزحام" تردُنا إلى الاشكالية القديمة الجديدة حول ما يُسمى بالأدب النسوي، تلكم الاشكالية التي لا يزال الجدل حولها قائماً متصلاً ومتجدداً، بين منكر لوجوده أو رافض لهذا النوع من التصنيف، وبين من يعتقد وجوده وربما يُسهم في رسم ملامحه وسماته.

وأنا لا أريد أن اتوقف لدى هذه الاشكالية كثيراً حتى لا تأخذُنا إلى جدليات نقدية نظرية لا تُفيدنا بل تبعدنا عما نريد إلقاء الضوء عليه في هذه المجموعة.

أما مجموعة "في الزحام" التي تضم أربعا وثلاثين قصة قصيرة فإنها تثير عندي مجموعة من الملاحظات النقدية الشكلية والموضوعية: فأما الملاحظات الشكلية فتتصل بالجنس السردي الذي تنتمي إليه قصص المجموعة؛ إذ ضمت بين دفتيها عدداً من القصص القصيرة جداً (ق. ق. ج) وهو لون حديث من الكتابة السردية استهوى كثيرين من كتاب القصة في الغرب والشرق على السواء، ورغم إنكار بعض الكتاب له إلا إنه قد لوحظ انتشار القصة جداً لدى مبدعين عرب في المغرب ومصر على سبيل المثال خاصة عند الشباب منهم الذين أجاد بعضهم وأخفق بعضهم في هذه التجربة الإبداعية لافتقادهم شرائطها التي ينبغي أن تتوافر فيها كاللغة المكثفة وأحادية الموقف وبساطته والميل إلى الإيحاء والشعرية إلى أخر تكلم الشروط.

ونعود إلى المجموعة لنجد سبع قصص قصيرة جداً قد توافرت فيها هذه الشروط بامتياز وهي قصص (إشارة خضراء، ثوب أسود، في الزحام، سبت، زهرتان، صمت الدموع، لقاء الأحبة). فهذه القصص قد توافرت فيها عناصر التكثيف اللغوي والمعالجة الخطافة للومضة القصصية إلى جانب بساطة عناصر القص كالزمان والمكان والشخوص، واضرب مثالين: ففي قصة "سَبت" أحالت الساردة السلة (السَبت) عندما سمعت البائع الجوال يبيعُه مناديا (سَبت العرايس) فأخذتها عبارةُ وفتحت لها أفقاً رحباً من الأمل العريض لأن تكون عروساً، فاشترته ومكثت تزينه وتُألقه طوال يومها حتى تصنع فيه وكما تقول "الأحلام المؤجلة". إنها وقعت على شيء قد يراه القارئ عادياً وهو السَبت، لكنها جعلت منه موضوعاً فنياً مشعاً بالأحلام الأنثوية لدى كل فتاه تشعر بالوحدة وتأمل مثل غيرها أن تكون عروساً صاحبة بيت وأسرة.

كذلك الأمر في قصة "زهرتان" إذ تروى الساردة إنها قد عُنيت بتربية زهرتين ورعايتهما، غير إن إحداهما ماتت أولاً، ثم لحقت بها الثانية، فتفتح لنا الساردة باب التأويل حينما نذكر في قصتها أنها لم تعر متى أصبحت (ثكلى) بموت الأولى أو بموت الثانية.

هاذان نموذجان ممثلان لتجربة كتابة القصة القصيرة جداً التي تومض وتلمح لا تصرح، لكنها بنجاح قد استطاعت أن تنقل لنا الحالة النفسية للمرأة في هذه القصص وغيرها كما سيظهر.

الملاحظة الشكلية الثانية ـ هي التي لا أوافق عليهاـ أن مجموعة قد ضمت ثلاث قصص قصيرة، في ظني أن كل واحدة منها مشروع لرواية لا لقصة قصيرة، وهنا كانت تحتاج الكاتبة إلى أن نذُكر بالحدود الفارقة والمعرفة بين نوعي القصة القصيرة، والرواية، فقصص (أزهار، بنات حنان، من يشترى) طال فيها زمن الحكاية وتعددت الشخوص والأماكن لتخرج عن حدودد زمن أو مكان القصة القصيرة.

واضرب مثلاً بقصة "بنات حنان" التي تحكىِ عن حنان الحسناء الحنون التي دفعتها الظروف إلى أن تربِّي بنتي جارتها (فراولة، وبطة) بعدما ماتت حتى إذا تعلقتا بها وارتبطت بعضها قرر والدهما أن يتزوجها واستمرت حياتهم يسيرة لكنه لم ينجب من حنان، وسرعان ما مات، ووقعت حنان تحت ضغط أهله الطامعين في ميراثه، فطردوها من شقة زوجها وأخذوا الفتاتين في كنفهم؛ طمعا في ميراثهما تحت حجة تزويجهما لابنين منهم.

وهكذا وجدت حنان نفسها كثكلى، مقهورة مظلومة، الأمر الذي أودى بها إلى المرض إلى آخر ما تحكيه القصة من حكاية مأساوية تعكس مواقف درامية وإنسانية عالية. في هذه القصة تضطر الساردة إلى أن تخاطب القارئ بقولها: "إننا لنعرف الحكاية من أولها علينا أن نعود إلى الوراء حوالي عشرين عاما"، فتسترجع الحكاية بتفصيلاتها، وتعدد شخوصها، الأمر الذي جعلنا نقرأ ملخصا لرواية طويلة، وهذا ما يجعلنى أؤكد إنها (مشروع رواية) هي والقصتين الأخريين اللتين أشرت إليهما آنفا.

هذه ملاحظات شكلية تتصل بهندسة بناء القصة ونوعها، غير أن هناك ملاحظتين إيجابيتين لصالح قصص المجموعة ككل ينبغي التوقف عندهما.

فأولهما: أن إحساسا ما بالوحدة أو الوحشة أو الغربة يُلون قصص المجموعة كلها، إنه إحساس المرأة بعزلتها ووحدتها وغربتها في مجتمع هيمنت عليه العلاقات المادية بديلا عن العلاقات الإنسانية في غياب لمنظومة قيم تربت عليها المجتمعات الشرقية المحافظة، وهنا نهش القهر والظلم المرأة وتركها حبيسة نفسها أو بيتها، وحيدة تعاني ألم فراق الأقربين، واضرب مثلا ببعض القصص التي تعكس إحساس الوحدة الصارخ الذي يُلون قصص المجموعة.

نجد هذا في قصص مثل: (وطن لا نسكنه، الصاحب القديم، في الزحام، حديث المرأة، حتى اللحظة الأخيرة، لحظة سلام، العوانس الثلاثة)، فهذه القصص وغيرها تكشف السبب المباشر الذي خلف للمرأة الإحساس بالوحدة إنه مفارقة القريب أو سفره سواء أكان القريب حبيبا أو صديقا أو زوجا أو أبا .. إلخ.

وثانيتهما: تتصل بالأولى؛ إذ أن صورة المرأة المقهورة في بيتها أو مجتمعها ووحدتها لم تكن صورة تركز على الجانب السلبي، بمعنى أن الكاتبة في مجموعتها وإن قدمت صورا مختلفة لقهر المرأة وظلمها فإنها في ذات الوقت قدمت لنا هذه المرأة المقهورة بوصفها صاحبة موقف احتجاجي، إنها ـ وإن لم تستطع دفع الظلم والقهر عنها ـ لا تستسلم بالكلية، فإذا فقدت أسلحتها الدفاعية كلها فإن سلاحا وحيدا تظل تملكه شاهرا إياه في وجه المجتمع، إنه سلاح الاحتجاج والرفض لا ترى غيره تعبيرا إيجابيا عن حالتها بدلا من السلبية التي قد تصورها لنا بعض الكتابات السردية الأخرى التي تعالج قضية المرأة في مجتمعات ذكورية تتراجع فيها حقوقها فتستسلم معظمهن للأمر الواقع، يمثل الموقف الاحتجاجي الإيجابي ذلك في المجموعة قصص مثل: (مرارة، صورة زفاف، منذ متى، حتى اللحظة الأخيرة، حصاد العمر).

لقد حاولت الكاتبة والباحثة سميرة شرف أن تعالج قضايا المرأة في تجربة فنية أراها قد نجحت فيها لحد بعيد، وإن كانت لي إشارة أخيرة لم أُرد أن أبدأ بها وإنما اختتم بها وهي إن عنوان المجموعة "في الزحام" يمثل عند بطلات قصصها بحرا تحاول المرأة أن تغوص فيه هربا من قهرها رافعة سلاح احتجاجها، فإذا لم تسترح للزحام من حولها هربت إلى صديقها القديم الجديد وهو البحر تُناجيه وتلوذ باتساعه من ضيق النفس والدنيا حولها.