امبرتو ايكو: مكتبة الإسكندرية معبد الذاكرة النباتية

متابعة: أحمد فضل شبلول
حميمية مع الكتاب

قرأتُ قصيدة "صوفية الإسكندرية"، وقصيدة "وردتان من الروح"، في مركز الإسكندرية للإبداع، ثم استأذنتُ مقدِّم الأمسية الشعرية والجمهور في الانصراف، لأتوجه إلى مكتبة الإسكندرية لحضور ندوة الكاتب والناقد الإيطالي المعروف إمبرتو إيكو عن الذاكرة النباتية، والذاكرة المعدنية، ومستقبل الكتب، بقاعة المحاضرات بالمكتبة.
عند دخولي قاعة المحاضرات، لم أجد شخصا واحدا، فظننتُ أن الندوة أُلغيت أو تأجلت أو أن إيكو لم يحضر فانصرف الناس، ولكن عدتُ فسألت أحد أفراد أمن المكتبة عن ندوة الكاتب الإيطالي، فقال لي إنها نُقلت إلى قاعة المؤتمرات الكبرى، بسبب الحضور الكثيف الذي لم تستوعبه قاعة المحاضرات.
صعدتُ إلى قاعة المؤتمرات، وإذا بي أفاجأ فعلا بجمهور أدبي وثقافي كثيف. حمدت الله أنه مازال للأدب والثقافة مثل هذا الجمهور الذي أراه أمامي، على الرغم من أن الدعاية لم تكن كافية. بل إن هناك من جاء من القاهرة خصيصا لحضور تلك الندوة، فضلا عن أتوبيس مكيف يحمل رموز الثقافة والنقد والإبداع والترجمة بالقاهرة، يتقدمهم د. جابر عصفور أمين عام المجلس الأعلى للثقافة، والناقد محمود أمين العالم، والكاتب سامي خشبة، وأستاذ المعلوماتية د. نبيل علي، ود. صلاح فضل، ود. طه وادي، ود. ماري تيريز عبد المسيح، وطلعت الشايب، وعشرات غيرهم.
***
تحدث إمبرتو إيكو صاحب الرواية الشهيرة "اسم الوردة" وغيرها من الأعمال الإبداعية والفكرية، ـ بعد أن قدَّمه د. إسماعيل سراج الدين ـ مدير مكتبة الإسكندرية ـ عن مستقبل الكتب. وذكر في البداية أن لدينا ثلاثة أنواع من الذاكرة، النوع الأول الذاكرة العضوية أي تلك التي تتكون من اللحم والدم، ويتحكم فيها وينظم عملها المخ.
أما النوع الثاني فهو الذاكرة المعدنية، وذكر أن الإنسانية عرفت نوعين من الذاكرة المعدنية، حيث كانت ألواح الطين والمسلات تمثل هذا النوع من الذاكرة، وأن مصر عرفت المسلات معرفة وثيقة. أما النوع الثاني من الذاكرة المعدنية فيتمثل في الذاكرة الإلكترونية التي نعرفها اليوم في أجهزة الحاسب الآلي والتي تعتمد في صناعتها على السيليكون.
أما النوع الثالث من الذاكرة فهو الذاكرة النباتية التي تمثلها البرديات الأولى التي عرفتها مصر، ثم الكتب المصنوعة من الورق.
وفي تعريفه للمكتبات قال إيكو: المكتبات كانت عبر القرون وسيلة مهمة للحفاظ على الحكمة الجماعية، وكانت ومازالت نوعا من العقل الكوني الذي يمكننا من خلاله استعادة ما نسيناه أو معرفة ما نجهل من الأمور أو المعلومات.
ويرى إيكو أن المكتبة هي أفضل ما صمَّمه العقل البشري، وأننا اخترعنا المكتبات لأننا نعرف أننا لا نتمتع بقدرات إلهية، ولكننا نحاول بكل ما أوتينا من قوة أن نحاكي هذه القدرات.
وفي إشارة إلى مكتبة الإسكندرية قال إيكو: إن عملية بناء، أو لنقل إعادة بناء واحدة من أعظم المكتبات في العالم، قد تبدو تحديا كبيرا، فالمقالات التي تنشرها الصحف والأبحاث التي يقدمها بعض الباحثين الأكاديميين تتحدث كثيرا عن احتمال موت الكتاب في مواجهة عصر الكمبيوتر والإنترنت.
ويخالف إيكو هذا الرأي لأن الكتب يجب أن تحيا كمتاحف تحفظ إنتاج الماضي، تماما مثلما نحتفظ الآن في أحد المتاحف بحجر رشيد فقط لأننا لم نعد نحفر وثائقنا ونصوصنا على أسطح معدنية (حجرية).
وينتصر إيكو للكتاب المطبوع قائلا: إنني أنتمي إلى تلك الحفنة من الناس التي مازالت تعتقد أن للكتاب المطبوع مستقبلا، وأن جميع المخاوف المتعلقة باختفائه ما هي إلا مثال آخر لبعض المخاوف المرعبة المتعلقة بانتهاء شيء ما، بما في ذلك انتهاء العالم.
إن هناك أسئلة كثيرة تُثار حول هذا الموضوع مثل: هل ستؤدي الوسائط الإلكترونية الجديدة إلى موت الكتاب أو انقراضه؟ هل ستؤدي شبكة الإنترنت إلى موت الأدب؟ هل ستقضي حضارة النصوص ذات الروابط التي نجدها على شبكة الإنترنت (hypertexts) على فكرة "التأليف"؟
فإذا كانت الإجابة "لا" فإن هناك شعورا بالطمأنينة سيسود بيننا، ولكن هذا ما يقلق الصحفيين، لأنه ـ في هذه الحالة ـ لن يكون هناك سبق صحفي وإثارة صحفية.
ولكن دعوني أقول: إنه حتى بعد اختراع الكتابة، لم تكن هي (أي الكتابة) الوسيلة الوحيدة التي نحصل منها على المعلومات. فلقد كان هناك كذلك اللوحات والصور المطبوعة المنتشرة والتعليم الشفهي وغيرها، ولكن الكتب أثبتت أنها أكثر المصادر ملائمة لنقل المعلومات.
وهناك نوعان من الكتب: التي نقرأها، وتلك التي نرجع إليها (مثل المراجع والموسوعات). والنوع الأخير هو الذي من الممكن أن يعالج كنصوص ذات روابط إلكترونية (hypertexts) فهو الذي سيختفي حتما، أي ستختفي الموسوعات والمراجع، فبالأمس كان من الممكن الحصول على موسوعة كاملة في قرص مضغوط، أما اليوم فقد أصبح من الممكن الحصول على هذه الموسوعة على شبكة الإنترنت عند الاتصال بها، مع ميزة أنها تسمح لنا بالقيام بالربط بين أجزاء في داخل النص، وباستعادة المعلومات في صورة غير أفقية. وإن جميع الأقراص المضغوطة إلى جانب جهاز الحاسب الآلي ستحتل مساحة تصل إلى أقل بكثير من المساحة التي تحتلها الموسوعة المطبوعة، كما أنه لا يمكن نقل الموسوعة المطبوعة من مكان إلى آخر بسهولة مثلما ننقل قرصا مضغوطا، هذا إلى جانب أنه لا يمكن تحديث الموسوعة المطبوعة بسهولة.
وفي رأي إيكو أن الكتب ستبقى ولن نستغني عنها، ليس في الأدب فقط بل في جميع الحالات التي يحتاج فيها المرء للقيام بقراءة دقيقة لنص ما، ليس فقط ليحصل منه على معلومات، ولكن ليفكر في المعلومات التي يقدمها له الكتاب ويتأملها. وإن قراءة شاشة جهاز الحاسب الآلي تختلف عن قراءة كتاب.
فبعد قضاء 12 ساعة (مثلا) أمام جهاز الكمبيوتر تتحول عيناي إلى كرتي تنس، وأشعر أنني في حاجة إلى أن أجلس مسترخيا في مقعد وثير لأقرأ جريدة أو ربما قصيدة جديدة. وإنني أعتقد أن أجهزة الحاسب الآلي تنشر نوعا جديدا من التعلم، ولكنها لا تستطيع أن ترضي الاحتياجات الفكرية التي تثيرها لدى الإنسان.
ويضيف إيكو قائلا: إن للكتب ميزة أخرى عن أجهزة الحاسب الآلي، فحتى لو كانت هذه الكتب مطبوعة على الأوراق الحمضية الحديثة التي تعيش لمدة سبعين عاما فقط أو ما يقرب من ذلك، فإن هذه الكتب تفوق عمرها الافتراضي كثيرًا العمر الافتراضي للأدوات الممغنطة. كما أنها (أي الكتب المطبوعة) لا تتأثر بنقص التيار الكهربي أو انقطاعه، وتقاوم الصدمات بشكل أفضل، وإلى الآن مازالت الكتب أكثر وسائل نقل المعلومات مرونة ومتانة، كما أنها أقل تكلفة.
وفي حميمية بالغة للكتب المطبوعة يقول إيكو: الكتب تسافر معك وفقا لسرعتك، ولو فرض أن تحطمت بك سفينة في جزيرة منعزلة، لا تستطيع فيها أن تجد مصدرا للتيار الكهربي لتشغيل جهاز الحاسب الآلي، فإن الكتاب يُعد أداة لا تقدر بثمن.
ولكن من ناحية أخرى يرى إيكو أن هناك اختراعين جديدين أوشكا أن يُستغلا صناعيا، أولهما الطباعة عند الطلب، أي أنه لو تم القيام بعملية المسح الضوئي للكتب الموجودة في العديد من المكتبات أو دور النشر، يمكن للقارئ أن يختار الكتاب الذي يحتاجه، ويقوم العامل بالضغط على زر ما فيقوم الجهاز بطباعة نسخة واحدة من الكتاب، وللقارئ أن يختار نوع الخط المستخدم عند طباعة الكتاب، وبعد ذلك يتم تغليفه.
ويرى إيكو أن هذا سيغير سوق النشر تماما، وربما يؤدي إلى محو محال الكتب من الوجود، ولكنه لن يؤدي إلى محو الكتب من الوجود، كما أنه لن يلغي وجود المكتبات، فهذه هي الأماكن الوحيدة التي يمكن أن تجد فيها الكتب التي سيتم مسحها ضوئيا، ثم طباعتها فيما بعد. فالأمر ببساطة يتمثل في أن كل كتاب سيتم إعداده طبقا لرغبات المشترين، تماما مثلما حدث بالنسبة للمخطوطات القديمة.
أما الاختراع الثاني فهو الكتاب الإلكتروني الذي نحصل عليه عن طريق إدخال شريحة إلكترونية في جهاز الحاسـب الآلي أو عن طريق ربطه بشبكة الإنترنت، ثم طباعة الكتاب على أوراق. وفي هذه الحالة أيضا يمكن أن نحصل على كتاب، ولكنه يختلف عن كتابنا الحالي تماما، مثلما اختلف كتابنا عن لفائف المخطوطات، ومثلما تختلف أول نسخة لأعمال شكسبير المطبوعة في عام 1623 عن أحدث طبعة لأعماله أصدرتها دار بنجوين.
ولكن يضيف إيكو قائلا: وحتى هذه اللحظة لم يثبت الكتاب الإلكتروني نجاحه بصورة تجارية كما تخيل من اخترعوه، فالناس مازالوا يفضلون قراءة قصيدة أو رواية مطبوعة بالصورة التقليدية، وربما تُحقق الكتب الإلكترونية نجاحا كمصادر للبحث عن معلومات ما، شأنها شأن المعاجم أو الوثائق المميزة، وربما تعين الطلاب الذين يكون لزاما عليهم أن يحملوا عشرات الكتب عندما يذهبون إلى المدرسة، ولكن الكتب الإلكترونية لن تصلح كبديل للكتب الني نحب أن نصطحبها معنا إلى الفراش عند النوم.
وفي النهاية أعرب إيكو عن سعادته بمكتبة الإسكندرية التي يتمنى أن تستمر في اقتناء الكتب وحفظها حتى توفر للقراء الجدد هذه التجربة الفريدة التي لا يمكن إيجاد بديل لها، وهي قراءة النصوص، ثم قال: "إنني لأدعو بالعمر المديد لمعبد الذاكرة النباتية هذا". أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية