اما آن للتهديد بالانفصال ان ينتهي؟

يشرق نهار جديد على العراق وسط صرخات تأتي من اقصى الجنوب مطالبة بالاقليم المستقل لكي تشرب البصرة ماء عذبا، البصرة التي دارت عليها النوائب منذ 35 عاما وهي تثكل بالحروب الطاحنة واهوالها، فما مرت حرب الا وكانت للبصرة حصة فيها، اكلت من ابنائها عشرات الالوف والتهمت خيراتها حتى اذا انتهت حقبة الحروب انتقلت البصرة كما انتقل العراق الى دوامة العنف والصراعات الداخلية وانتشار المافيات فيما البصرة تطعم العراقيين جميعا من زاخو الى الفاو من خيرات نفطها وكرمها فيما لا يجد ابناؤها الماء العذب ليشربونه.

اما اذا مضينا مع صراخ المتصارخين بالتقسيم والانفصال فقد كان الدستور العراقي ضامنا ومشجعا للناس ان تتقدم بقائمة تواقيع واستفتاء ليتملكوا زمام امورهم بأقليم في اطار عراق فيدرالي لا يجد ابناؤه من ينقذهم من غرق بيوتهم من جراء زخات المطر ولا من يبني لهم مدارس بدل مدارس الطين والمباني المتهالكة ولا من يوفر لهم مستشفيات تليق بآدمية البشر وغيرها كثير.

المفارقة الممتدة بامتداد هذا الواقع السريالي؛ دستور يشجع على الاقلمة، اموال تنهب، عراقيون طفح كيلهم من جراء المطالبة بأبسط الحقوق فتشبثوا بالاقلمة وقسم منهم يعلنونها صراحة: التقسيم هو الحل. هذه المفارقة السريالية ما زالت فصولها تترى وكله تحت خيمة الدستور وكذلك يفعل اقليم كردستان الذي تؤمن حكومته بالدستور نصا وروحا وبالتالي تؤمن بالعراق الفيدرالي الموحد وبالتالي فأن لها حق لا نقاش فيه بخيرات العراق مقداره 17% من ميزانيته.

لكن حكومة الاقليم لم تجد نفسها منذ العام 2003 وحتى اليوم لا في ود ولا وئام ولا انسجام مع حكومة المركز ولو جمعت البيانات والتصريحات الصادرة عن الاقليم في حق الحكومة الفيدرالية وبالعكس لتكدست ملفات وملفات، فالاقليم خاضها سجالا من اجل المطالبة بما يحسبه حقوقا مكتسبة ومصانة ولا بأس في المضي بسياسة "خذ وطالب" والشاطر والذكي من التقط اشارة الواقع المعاش فأستثمر الفرصة المتاحة الى اقصى حد ممكن.

والنزاع المتواصل بين الاقليم والحكومة المركزية لا يتعدى قضيتين اساسيتين هما: المال ومزيد من المال والاراضي ومزيد منها ايضا. فعلى الدولة العراقية ان تكون سخية الى اقصى حد في منح الاقليم ما يستحق من مال وارض ٍ واطيان ومدن وقرى وحتى محافظات وفي نفس الوقت لا سلطة لها على بترول الاقليم او ما يقع تحت يد الاقليم من ثروات طبيعية.

بالطبع هنالك تفاسير شتى يناقض بعضها بعضا حول الاموال المتحصلة عن الموارد الطبيعية من زاخو الى الفاو ان كان يجب ان تذهب الى خزينة الدولة ثم توَزّع على جميع العراقيين بالعدل والقسطاس والمستقيم، لكن الاقليم يرى غير ذلك فنفط الاقليم لشعب الاقليم وعلى الحكومة المركزية ان تحافظ في نفس الوقت وبلا ادنى نقاش على نسبة 17% من ميزانية الدولة تدفعها كاملة غير منقوصة الى الاقليم، على هذا الاساس ووفق هذه النظرية بأمكان البصرة هي ايضا ان تحتفظ بالمردودات المالية التي تجري جبايتها من بيع نفطها وكذلك يمكن ان تفعل الناصرية والعمارة وغيرها من المحافظات ان بأمكانها ان تحتفظ بالاموال المتحصلة من بيع النفط لنفسها فلا تذهب بها الى خزينة الدولة كما تفعل سلطات الاقليم فلمَ حلال هنا وحرام هناك؟ لا احد يملك اجابة رسمية واضحة ومحددة خوفا على العملية السياسية والتوافق والمحاصصة!

لعلها فوضى عارمة في تفسير نص وروح الدستور فيما يتعلق بالثروات والموارد واستحقاق كل محافظة في ضوء تعداد نفوسها من ميزانية الدولة، فوضى ان وجدت طريقها لوضع النقاط على الحروف وتم تفسير الحقوق والواجبات او الاقتراب من ذلك لتحديد حقوق والتزامات الاقاليم والمحافظات غير المرتبطة بأقليم ستصطدم مباشرة بمصطلح ملتبس ومليء بالنفاق والانتهازية الا وهو "التوافق السياسي" الذي ترجمته الحرفية منافع ورشوات متبادلة تدفع الى جميع الاطراف في شكل مناصب وثروات وامتيازات وبما في ذلك السكوت هنا والكلام هناك على حالات الاجتهاد في التعامل مع الثروات الطبيعية ومن ذلك العجز الكامل عن ايجاد حل عملي صحيح لمشكلة نفط الاقليم في مقابل 17% من ميزانية الدولة.

في وسط هذه الفوضى والتخبط والاستقواء والصراعات الظاهرة والخفية تطل حكومة الاقليم مرارا وتكرارا مرددة بكلام "عربي" فصيح نيتها تقرير المصير والاستقلال والانسلاخ نهائيا عن العراق ورفض وصاية الحكومة الاتحادية في بغداد ولا يمكن احصاء عدد المرات الذي دبج فيها هذا الكلام في شكل بيانات وتهديدات وقد وصل الصراع في هذا الاتجاه وحرب البيانات والتصريحات الى الذروة طيلة ثمان سنين مضت هي ولاية رئيس الحكومة المركزية السابق حيث كان السجال والكراهية الشخصية والصراع والاحتقان على اشده بينه وبين رئيس الاقليم فلا يكاد يمر يوم بلا بيانات وبيانات مضادة ولكن من دون جدوى فلا حل.

لا يشعر كثير من العراقيين الا بمزيد من التغاضي والسكوت او عدم الاكتراث فيما اذا اقدم السيد مسعود برزاني على بناء سياج حدودي عملاق يفصل الاقليم الكردي عن العراق، مع ان هنالك رهط كثير يردد علانية ان السيد مسعود لا ولن يفعلها لاسباب سياسية وجيوسياسية فضلا عن الحياة السياسية الداخلية في قلب الاقليم التي لم تستقر ولا يتوقع لها ان تستقر يوما في ظل شكل الحكم الحالي وتنازع السلطات والثروات وبالتالي هنالك تشظيات في الرؤية للمستقبل واما عن التهديد المتواصل فيما يتعلق بالثروة النفطية التي يصدرها الاقليم فهي اشكالية اخرى معقدة تحتاج الى مزيد من البحث الجاد والمعمق والشفافية التامة: كم هي الاموال الواردة واين اودعت ولمن سُلّمت واين أُنفِقت وهل انها اموال تخص العراقيين ام تخص الاقليم لوحده كما هو حال نفط البصرة هل هو للعراقيين جميعا ام للبصريين فقط؟