اما آن الاوان لـ'شجرة در' جديدة: لماذا لا تحكم العرب امرأة؟

بقلم: فرانسوا باسيلي

يجتمع القادة العرب دائما دون ان تكون بينهم امرأة واحدة.
فقادة العرب اليوم كلهم رجال في عصر رأينا فيه المرأة تتبوأ مكانها حاكمة وزعيمة لبلاد كثيرة..اسلامية وغربية وشرقية.. من بنازير بوتو في باكستان وانديرا غاندي في الهند الى اوكينو في الفلبين ومارغريت تاتشر في بريطانيا.. هذا إذا تغاضينا - لعدم الاحراج - عن غولدا مائير في اسرائيل. أما في بلادنا العربية التي لا نكف فيها عن التشدق بالوضع المميز للمرأة فلن تجد لهذه المرأة وجودا في أية قمة عربية منذ بدايتها والي اليوم.. هذا على الرغم من ان التاريخ العربي يحكي لنا عن عدد لا باس به من الملكات الحاكمات اللاتي كان لهن شأن ومجد.. بل قد تشعر بالخجل اذا رجعنا الى ما يزيد عن الثلاثة آلاف عام لنجد ان المرأة في مصر القديمة كان لها شأن عظيم وانها كانت تقف الى جوار زوجها في مساواة وعزة.. وانها تقلدت حكم مصر بنجاح عظيم.. من الملكة حتشبسوت الى الملكة كليوباترا. بل يمكننا الرجوع الى عهد اكثر قربا هو القرن الثالث عشر الميلادي لنرى كيف ان شجرة الدر كانت ملكة عظيمة حكمت مصر كأخر ملوك الدولة الايوبية واول عهد سلاطين المماليك. وفي عهدها كان قد بدأ زحف المغول من اواسط اسيا على البلاد الاسلامية للاستيلاء عليها واذلالها.. واستمر زحفهم حتى استولوا على الكثير من البلاد الاسلامية وتوغلوا فيها يفتكون ويهتكون ويسفكون الدماء حتى اوشكوا ان يبلغوا حدود مصر بعد ان قطعوا اليها الالاف من الاميال.. ثم كانت هزيمتهم الساحقة الماحقة على يد الجيش المصري في موقعة عين جالوت بفلسطين بعد وفاة شجرة الدر بامد قليل فلم تقم لهم قائمة بعد هذه الهزيمة التي لم ينهزموا قبلها قط. وهكذا يسجل التاريخ لامرأة حكمت مصر انتصارات لم يحققها الكثير من الرجال.
هل يمكن ان تحقق المرأة العربية نتائج اسوأ مما حققه الحكام العرب في نصف القرن الاخير؟
اما آن الاوان ان تحضر "شجرة در" جديدة احدى هذه القمم العربية؟ المرأة هي الحياة كانت المرأة دائما وستظل هي الهاجس الاول للرجل، والموقدة الاولn لجذوة الحياة في نفسه وجسده معا. ولم يفهم الرجل المرأة أبدا، فهي في نظره دائما لغز بلا مفتاح، وربما كان هذا أحد جوانبها السحرية التي تشده اليها، ولأنه لا يفهمها، في نفس الوقت الذي هو أسير لها، فقد تطوح موقفه منها من النقيض للنقيض، فقد رآها ووضعها فوق قاعدة تمثال باعتبارها ملهمة وساحرة وحورية وأما للطبيعة وللكون والآلهة، وباعثة لعرائس الاحلام وللشعر والالهام والحب والجمال والخيال.
وفي النقيض الآخر، ولأنه لا يفهمها، راح ايضا يراها في صورة الشيطانة الماكرة صاحبة الكيد العظيم والاحاييل والاقاويل، ناصبة الشراك والفخاخ له ليسقط فيها، صانعة الغواية التي أخرجته من الجنة والنعيم وألقته على ارض التعب والدموع، وهي صانعة السحر الشريرة الشيطانية الالاعيب، القادرة على اسقاط أعتى الرجال وأعظم الاباطرة وأقوي القياصرة ليصبحوا خواتم في اصابعها بعد أن تسلبهم قوتهم كما فعلت دليلة بشمشون الجبار، وما هو سوي تكرار ابدي لما فعلته حواء بآدم.
وسلاح المرأة الذي يرعب الرجل ويرهبه هو جسدها، ذلك الكيان الفذ ذو القدرة اللامحدودة على الاغراء والغواية، وعلى اثارة أعمق وأشد المشاعر في الرجل، عاصفة بهدوئه وسلامة نفسه وقدرته على الانضباط، مثيرة فيه مشاعر التأجج والتوقد وباعثة فيه الرغبة في الحياة والبقاء.
انه سر دفين عجيب ذلك الذي يخفيه ويحتويه جسد المرأة فيحار ويذهل امامه الرجل ويتطوح في دفاعه عن نفسه امامه بين أقصي نقيضي العبادة والتقديس، واللعن والتحقير والعنف والتحجيم، في مسلسل لا ينتهي من المحاولات اليائسة للتحرر من سحر المرأة وسلطانها، والرغبة في السيطرة عليها وامتلاكها واخضاعها.
وقد لجأ الرجل على مر التاريخ الى موقفين أساسيين تجاه المرأة يعكسان موقفه تجاه الحياة، كان الموقف الاول – وهو الاكثر شيوعا- هو الموقف المعادي للمرأة المرتعب منها كتعبير عن رعبه من الحياة وخوفه من معاناتها، ويؤدي هذا الموقف المعادي (للمرأة – الحياة) الى هروب الرجل من المرأة –الحياة عن طريق التوحد أو التدين المفرط أو الرهبنة لدى البعض، او الى المواجهة المرتعبة العنيفة ضد المرأة وشياطينها التي تتلبسها ومحاولة السيطرة عليها والحد من سطوتها بتجريدها من أسباب القوة وتكبيلها بقيود اجتماعية قبلية وتفسيرات متزمتة لنصوص دينية تحرمها بها من حقوق المساواة وتضعها في موضع سفلي ضعيف، ويكون ذلك عن طريق تشويهها نفسيا بوصفها بأنها شيطانة أو مخبولة أو ناقصة عقل أو عاطفية لا تملك التحكم في نفسها، وفي نفس الوقت عن طريق تشويه جسدها (الملعون) المليء بالشياطين بوصفه بأنه مبعث الخطيئة لدي الرجل وانه الاثارة مجسدة وانه الوعاء الفعلي لشرف الرجل، في نفس الوقت الذي هو – جسد المرأة – ليس سوي عورة لا تقع عليها عين الرجل الا ويسقط في الخطيئة ولذلك يجب تقميطه وحجبه عن العيون وحبسه داخل جدران البيوت اذا أمكن.
بينما كان الموقف الآخر هو موقف الرجال المحبين للحياة في شغف وقوة ولذلك كانوا دائما مقبلين على المرأة يرغبونها ويشغفون بها ويكتبون فيها الشعر ويغنون لها الاغاني ويسافرون لها قاطعين الوديان والجبال مقتحمين من أجلها الحصون والقلاع، كان هؤلاء هم فرسان الحياة وعشاقها من المغامرين والشعراء والفنانين والمبدعين والكتاب والمارقين الشجعان شذاذ الآفاق في كل مكان وزمان، هؤلاء رأوا في المرأة كل ما في الحياة من اثارة ودهشة وسحر وألغاز وغرائز وسمو وشموخ وبهاء وجمال باهر مثير لإرادة البقاء وحب الحياة.
وقد عبر هؤلاء عن موقفهم من المرأة – الحياة تعبيرا فنيا، اي استطاعوا أن يفجروا مشاعرهم المتلاطمة المتوهجة تجاه المرأة –الحياة في صورة ابداعات فنية في الكلمة والموسيقى والرقص والرسم والنحت والمسرح والسينما بل وفي الابداعات العلمية التي ما هي سوي تعبير آخر عن الفرح بالحياة والرغبة الطفولية الجميلة في فك اسرارها وامتلاك مكنوناتها المثيرة.
ولا شك أن هذا الموقف الثاني هو الذي استطاع أن يتخلص من الخوف البدائي القديم من المرأة ويحوله الى مشاركة مثيرة معها في صنع حضارة راقية بديعة.
ولا غرابة في أن المجتمعات التي ما تزال تنظر للمرأة تلك النظرة القديمة البدائية المرتعبة هي المجتمعات المتخلفة في كل شيء اليوم.
علاقة المرأة بالابداع الفني والعلمي وموقف الرجل – والمجتمع - من ذلك هو أمر بالغ الاهمية اذ هو أحد المفاتيح الاساسية لبوابات الحضارة. فما دامت المرأة هي الحياة، وما دامت هي ملهمة الابداع والمحفز عليه وما دام الفن هو لغة الرجل العاشق للحياة والمرأة، يكون من المفهوم اذن معاداة السلفيين المتزمتين المتشددين دينيا للمرأة وللفن معا. فــ (الفن – الانثى) هو الوحش ذو الرأسين الاكثر ترهيبا وتخويفا للسلفيين المتزمتين، فالسلفي – والمتشدد دينيا بشكل عام – يرهب الفن ويخافه بنفس درجة رهبته للحياة ورعبه من المرأة. وقد كان السلفي الكاثوليكي في العصور المظلمة باوروبا يرتعب من المرأة.. فنصب لها محاكم التفتيش واتهمها بالسحر والمروق والشعوذة والشيطنة وقام بحرق (شيطانها) – أي جسدها – الذي ترعبه فتنته وقوته وقدرته على ولادة الحياة بداخله.
والسلفي المتأسلم لديه نفس الرعب من المرأة ومن الفن الذي يستوحيها ويحاكيها ويتدله فيها، فالفن- الانثى هو الصورة الاثيرية الروحية للمرأة – الجسد، وكلاهما يحمل قوة خرافية يراها السلفي مهددة لسلطانه وسطوته، وفاضحة لعنفه وضعفه، وهو ما عبر عنه نزار قباني في مقطعه المدهش المندهش: "وكيف يهدد نهد – بسن الطفولة - أمن الرجال – وأمن السماء!"
ولذلك ليس غريبا أن نقرأ أن نواب الاخوان المسلمين في مجلس الشعب المصري في دورة ماضية قاموا بتقديم مساءلات ومشروعات قوانين حول مسائل مثل منع مسابقات الجمال في شرم الشيخ لأنها تظهر جسد المرأة، أو منع عمل روائي أو سينمائي يقدم المرأة بشكل متحرر سواء كان نفسيا أو جسديا، فالوحش ذو الرأسين – المرأة والفن – هو أول أولويات الفكر السلفي.
ذلك أن السيطرة الكاملة على هذا الوحش ذي الرأسين هي مدخل السلفيين دائما الى السيطرة على المجتمع كله، ولا سطوة ولا سيطرة لهم الا عن طريق السيطرة على المرأة والفن، أي على جسد الامة وروحها المبدعة. فالفن الجميل الحر، مثله مثل المرأة الجميلة الحرة، هو تحد مباشر وتهديد خطير لسيطرة السلفي على ألآخرين، اذ ان مجرد وجود الفن الحر، ومجرد وجود المرأة الحرة، هو تمرد على تزمت وأغلال التفسيرات النصية الجامدة لصالح المقاصد الانسانية الرحيمة الواسعة.
لذا يبدأ السلفيون دائما بالسيطرة التدريجية على المرأة عن طريق تقميطها بأقماط تكاد أن تكون هي الاقماط التي استعملها قدماء المصريين لحفظ مومياءاتهم، ولكن قدماء المصريين كانوا يقمطون الجثث الهامدة، بينما كان الاحياء من المصريين –رجالا ونساء – يتمتعون بحرية انسانية باهرة، وتدلنا الدراسات على أن وضع المرأة المصرية في مصر القديمة كان متقدما جدا، وتظهرها الرسومات الفرعونية منتصبة شامخة في ملابس متحررة تعكس جمالا جسديا وروحيا في آن واحد، ونعرف أن الفتاة المصرية القديمة، في فجر الانسانية كانت تكتب أشعار الحب الجميلة المتحررة توددا وعشقا في حبيبها.. ولدينا ترجمات هذه الاشعار، كما نعرف أن المرأة المصرية حكمت مصر بنفسها ووحدها أكثر من مرة، كما فعلت الملك حتشبسوت العظيمة.
كان هذا كله قديما جدا.. أما اليوم فالسلفيون يقومون بتقميط المرأة الحية، لكي يتحول جسدها الى جسد هامد خامل يخجل من نفسه ويتواري بنفسه "وبعوراته" عن ألآخرين، فتخمد فيه فورة الحياة وأشواقها وتأججها وبهجتها، وفي نفس الوقت الذي تموت في الرجل حاسة تذوق الجمال واستثارة الآمال، وهي التي تبعثها المرأة الجميلة الحرة بمجرد وجودها وبفورية وتلقائية حاسمة وحميمة.
لأن المرأة هي الحياة تسير على الارض ستظل المجتمعات العربية التي تعادي المرأة وتكبلها بالقوانين والعادات البدانية والنظرة الدونية والسيطرة الوحشية،ستظل مجتمعات متخلفة روحا وجسدا وفكرا وحضارة. فرانسوا باسيلي fbasili@gmail.com