اليونسكو.. لماذا أنا مرشح

بقلم: فاروق حسني

(1)
عندما تقرر تقدمي لانتخابات الخريف المقبل مديراً عاماً جديداً لمنظمة اليونسكو فكان ترشيحي كفنان كرس كل حياته العملية لخدمة الثقافة، وقد حظي ترشيحي حتى الآن بمساندة ثلاث منظمات إقليمية هي الدول العربية والاتحاد الإفريقي والمؤتمر الإسلامي، إلا أن البعض - بخاصة في فرنسا - حمل على صحة هذا الترشيح استناداً لمفردات شفاهة راجت في الماضي واتخذ هذا الموضوع مكاناً رئيسياً في الحملة، لذا أود هنا الرجوع لهذا الحديث تفسيراً وتوضيحاً.
في البداية أطالب الجميع بعدم الخلط إذ أن هناك معاناة للشعب الفلسطيني، وظلماً يقع عليه يساءلان الضمير العالمي ويثيران - منذ أكثر من نصف قرن - في البلاد العربية والأكثر اعتدالاً فيها تأثراً عميقاً.
وأقول بمسئولية إنني عبرت عن شعور غاضب لمصير شعب بأكمله حرم من أرضه وحقوقه. فأي ضمير إنساني لا يبالي بهذه المأساة؟
قطعاً طوال حياتي لم أحقر ولم أرغب في جرح أحد ما؟ حتى لو كانت الكلمات تحمل قسوة شديدة لكنه يجب وضعها في سياقها، وكذا أود أن أذكر بأنني منذ سنوات أعمل وزيراً في دولة صنعت السلام مع إسرائيل وتسعي جاهدة لإعلاء الحوار على العنف.
أكرر إنني رجل محب للسلام وأعلم أنه يمر من خلال التفاهم والاحترام. فباسم تلك القيم التي أؤمن بها أود العودة لتلك المفردات التي قلتها عرضاً في مايو 2008 والتي أخذت على أنها دعوة لحرق كتب عبرية والتي كانت صادمة وأتفهم ذلك.
هنا وبوضوح أشعر بالأسف لتلك الكلمات التي تفوهت بها، والتي كان يمكنني تبريرها بأعذار التوتر والمضايقات التي سادت النقاش وقتها، ولكني لن أتذرع بها خاصة أنها ضد كياني وما أؤمن به، الأمر الذي أتاح لمغتابي أن يلصقوا بي المساوئ؟ فليس أبغض عندي من العنصرية ورفض الآخر أو الرغبة في الإساءة لأي ثقافة إنسانية بما فيها الثقافة اليهودية.
(2)
لقد قيلت تلك الكلمات دون تعمد أو قصد، وإذ لا أتنكر لمسئوليتي عنها فإنني أقول بحرية ودون أدنى ضغط أن واجبي درء الشبهات برفضي لأي شكل من إشكال الازدراء أو الغطرسة. وذلك تقديراً لمن يكون قد جرحتهم أو صدمتهم تلك الكلمات، وتعبيراً عن موقفي دون لبس، أود أن أخاطب كل من يتهمونني بالا يقعوا في فخ الخلط، وأقول أنظروا إلي حياتي وشخصي ولإسهامي في حوار الثقافات والأديان وتعزيز التفاهم المتبادل بين البشر دون تمييز وليس إلى عبارة واحدة، راجعوا سبعة وعشرين عاماً من خدمة الثقافة وقيموا هذه الأعمال في خدمة الإنسان، والإبداع، والكتاب، والكتب. لقد قمت بافتتاح العديد من المكتبات، حتى القرى الفقيرة في بلدي، من أجل إخراج أكبر عدد ممكن من الأمية ومن الفقر الفكري، فضلاً عن فخري بإسهامي في إعادة إحياء مكتبة الإسكندرية. فمن ذا الذي يعتقد في أمور الشعوذة التي من شانها أن تجعلني منظم للإعدام بالحرق؟
وأعلم أن البعض ارتضى متشككاً أن يأخذ علي موقفي من التطبيع الثقافي بين العالم العربي وإسرائيل والسبب بسيط كون التطبيع لا يصدر بقرار فهو ينبع من الشعوب حين يصبح السلام - بكل ما ينطوي عليه - واقعاً في كل المنطقة.
مصر عنصر رئيسي في البحث عن حل سلمي للنزاع القائم منذ ستين عام والذي يحول دون إرساء علاقات ثقة وتعاون بين شعوب منطقتنا، ودائماً ما اقتنعت وخدمت اختيار بلدي ويشرفني أن أقدم إسهامي في حدود إمكانياتي بهذا الجهد لإرساء أسس سلام عادل ودائم بين دول منطقتنا. فمنذ أسابيع قليلة وبناءً على دعوة مني لقيت أشكال المعارضة المختلفة، قاد دانيال بارنبويم أوركسترانا السيمفوني وقدم حفلاً موسيقياً بالقاهرة. لذا فالهجمات العنيفة التي تستهدفني في الأوساط الأقل تسامحاً في بلادي تشهد بحقيقة هذا الالتزام، أن إخفاقي سيكون نصراً لهم والانفتاح الذي أنادي به سيرونه خدعة.
كفانا الحديث عن الماضي، ولنتوجه نحو المستقبل. فما هو إذن برنامجي؟ ولماذا أنا مرشح لليونسكو؟.. نعتقد أن المنظمة تحتاج إلى روح جديدة، مؤسسوها سعوا لتكون مقّراً للّقاءات والمناظرات ومبادرات البناء في أرواح وعقول البشر، ومعاقل للسلام، وفي رأيي أن المهمة الأولى التي يجب أن ينشغل بها المدير العام الجديد هي إعادة إحياء هذا الطموح ضماناً للتأكيد على التنوع الثقافي وحوار الثقافات والتصالح المتبادل في الوقت الذي يتضاعف فيه توتر الهويات.
(3)
وذلك يحتم تطوير أهداف وأساليب عمل المنظمة. التي لم يعد يمكنها الاكتفاء بالقيام بدور وكالة فنية بسيطة تنشر مواردها لتقديم مساعدات منتظمة.
ولذلك فمن الضروري أن نتناول بالبحث العميق إصلاح آليات عمل المنظمة دون السعي إلى قيادة أو هيمنة معيارية أو نموذجية أخلاقية أو فكرية، وبكل تواضع وفعالية، فإن اليونسكو عليها العودة كعنصر أصيل على الساحة الدولية في مجالات اختصاصها (التعليم والتأهيل، والحفاظ على التراث ودعم الإبداع الثقافي، والحيوية العلمية، والنقاش الفكري)، ويجب أيضاً أن تنفتح على القضايا الراهنة مثل: البحث عن نموذج جديد "للعيش معاً"، إيجاد حل للتحدي المناخي، وطرح سلوكيات بيئية جديدة، وقواعد جديدة تواصلاً مع القضايا الأخلاقية المرتبطة بالحياة وتطبيقاتها، ألخ.
اليونسكو هي بامتياز مقر لحوار الشعوب، يتيح تجاوز الاختلافات السياسية والدينية، والعرقية، واللغوية. وفي الوقت الذي يجب فيه التعبئة ضد قوى الرجعية والانغلاق المجتمعي النشطة في كل مكان، فإن اختيار عربي، مسلم، مصري، وبغض النظر عن شخصه، سيمثل رسالة أمل عظيمة على المحك، كما أنه يعطي مضموناَ حقيقياَ للتنوع الثقافي والذي كثيراً ما نتحدث عنه ولكنه لسوء الحظ لا يزال في كثير من الأحيان مجرد شعار. أتصور أنني على مستوى هذا التحدي وآمل أن تكون مقترحاتي محل اقتناع الدول الأعضاء. وأعتقد أن الثقافة، مثلها مثل الاقتصاد، هي عنصر حيوي من عناصر هذا " النظام الدولي الجديد " باتت أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. ولدى يقين قاطع، بأن السلام لا يمكن فصله عن الثقافة.
(المقال ترجمة لمقال كتبه الوزير المصري في صحيفة لوموند الفرنسية) فاروق حسني
وزير الثقافة - مصر e.m.culture@gmail.com