اليوم التالي لرحيل الاخوان

من يتابع المشهد السياسي في مصر يجد عجبا. جهات تتمسك ببقاء الاخوان المسلمين في الحكم، اعتمادا على نتائج صندوق الانتخابات. وأخرى تطالب باجراء انتخابات رئاسية مبكرة، لتجاوز الأزمات الحالية. وثالثة تنادي باستدعاء الجيش للتدخل في الحياة السياسية، لضبط ايقاع بعض الأوضاع، خوفا من الانفلات. ورابعة تدفع الأمور نحو الهاوية، لاعادة ترتيب الأوراق الداخلية. وخامسة تنادي بمجلس رئاسي.

هكذا دخلت مصر سوق مفتوح للمزايدات السياسية والمناوشات الحزبية، جعلت المراقب لكثير من تفاصيله الدقيقة يقف مشدوها أمام المصير المنتظر للاخوان. وبدأت غالبية التقديرات تروج لصعوبة الاستمرار على حال مليء بالثغرات، ومتضخم بالمشكلات، وحافل بالمطبات، وكلها تصب في خانة التساؤل عن شكل وطعم اليوم التالي لرحيل الاخوان.

خلال الأيام الماضية، تناثرت بيانات وتحليلات وتكهنات وتخمينات بشأن ضرورة ابتعاد جماعة الاخوان المسلمين عن حكم مصر، بذريعة الفشل في ادارة الشؤون السياسية والاقتصادية، والاخفاق في وضع حد لكثير من المشكلات، وعدم القدرة عن فتح طاقات أمل للأمن والهدوء والاستقرار. وجرى وضع رزمة كبيرة من العقبات التي تصب في هذا الاتجاه، بغرض التدليل على أن المصلحة الوطنية تقتضي اقتلاع الاخوان، قبل أن تستفحل شوكتهم وتتعمق جذورهم. وقد تكاتفت مجموعة من القوى المتناقضة في ميولها السياسية والمختلفة في حساباتها الأيديولوجية (يساريون وليبراليون واسلاميون وفلول ورجال أعمال وأصحاب أهواء ومصالح..) على تمهيد الطريق لابعاد الإخوان، بصرف النظر عن عواقب ونتائج وأدوات ووسائل الازاحة، ودون اعطاء فرصة للتعرف جيدا على الجهة التي يمكن أن تتحمل مسؤولية هذا التصرف، ومدى استعدادها لتكون بديلا مناسبا وناجحا في العبور لبر الأمان، عقب التخلص من حكم جماعة الاخوان.

هناك قائمة من الأسباب التي جعلت فرقا متناحرة سياسيا تتوافق على حتمية الرحيل، بعضها له علاقة بكثافة الأخطاء وارتفاع سقف المخاوف من ثورة الجياع، وبعضها من باب تصفية الحسابات، وتوجد فئة ترى أن استمرار حكم الاخوان أصبح يمثل خطرا على الأمن القومي للبلاد. وتم توظيف الأسباب الوطنية والدوافع الشخصية لزيادة جرعات الضغط على الإخوان. وكانت هناك استفادة من سلسلة طويلة من المشكلات الناجمة عن عدم دراية بطريقة الادارة، ومحاولة السيطرة على مفاصل الدولة الرئيسية لصالح جماعة سياسية، دون اعتبار لكفاءات أو قدرات أو مهارات، بل حدث اعلاء لقيمة الولاء وتقدير لأهل الثقة والحظوة على أصحاب العلم والخبرة. والمشكلة أن هذه الطريقة مست جوانب حيوية ومختلفة، بما تسبب في مزيد من الأزمات، التي جعلت كثيرين يرون أهمية كبيرة في التعجيل بانهاء حكم الاخوان.

لكن لم يتوقف هؤلاء عند خطورة التناقضات وعوامل الفناء الكامنة بين أصحاب الدعوات والنداءات. فأحدهم، كان جزءا من منظومة الاعلام في عهد الرئيس السابق حسني مبارك كتب مؤخرا على تويتر مبشرا بالاستعداد لليوم التالي للاخوان، وحض القوى المتباينة على أهمية الالتفاف حول أجندة متقاربة لعدم تكرار أخطاء الفترة الماضية. وآخر ناصري، بدأ يروج في عدد من وسائل الاعلام لاستدعاء المؤسسة العسكرية، باعتبارها الأكثر قدرة على استكمال ادارة المرحلة الانتقالية. وثالث ليبرالي، اعتبر تأخر الجيش عن التدخل لانقاذ الوطن من مقصلة الاخوان يرقى إلى مرتبة الخيانة. ورابع اسلامي، نظر إلى سوء الحال الذي وصلت إليه مصر تحت حكم جماعة الاخوان يستوجب العقاب. ورغم أن هذه الأصوات اتفقت على هدف الرحيل، غير أنها تناست التفكير في نقطتين. الأولى، الضريبة التي يمكن أن تدفع لحدوث الرحيل. والثانية، ماذا سيحدث في اليوم التالي، سواء كان القائم به الجيش أو المواطنين.

بالنسبة للنقطة الأولى (التكاليف) يدرك من يعرف طبيعة الاخوان المسلمين أن وصولهم للحكم فرصة ذهبية، لن يتم التفريض فيها بسهولة، وستقابل بممانعات قوية. لذلك تحاول الجماعة منذ فترة الاسراع بخطوات السيطرة والتمكين (الأخونة)، والسعي إلى زيادة جرعات التفتيت والتفكيك في صفوف القوى والمؤسسات والهيئات التي يمكن أن تمثل تهديدا لمستقبلها في الحكم، وعلى رأسها جهاز الشرطة والمؤسسة العسكرية. واذا لم تتمكن من تحقيق هذا الغرض، فالجماعة انتبهت وسربت تلميحات وأحيانا تصريحات إلى الدفاع عن الرئيس وتقديم مئات الآلاف من الأبرياء لمنع سيناريو للابعاد. بالتالي سوف تكون مصر معرضة لخسائر كبيرة، على أساس أن خيار الرحيل سيمر على جثث المصريين. وقد لفتت المطالبات والاستدعاءات المتعددة لتدخل الجيش انتباه الاخوان إلى وضع عراقيل سياسية وعقبات قانونية ومحاذير أمنية، بصورة تجعل نزول عناصره عرضة للتهديد.

أما بالنسبة للنقطة الثانية (اليوم التالي)، فبعيدا عن الجهة المنوط بها تنفيذ سيناريو الرحيل، فإن المشكلة أن الصيغة التقليدية لعودة المؤسسة العسكرية لم تعد مجدية، في ظل المشكلات المتراكمة في الشارع، والتجربة السيئة لادارة المرحلة الانتقالية بعد الثورة وما حدث خلالها من امعان في اهانة رموز هذه المؤسسة العريقة، وكذلك العجز عن افراز نخبة سياسية تستطيع تحمل المسؤولية بشيء من الحيادية. فالطبقة التي تقود المعارضة تتعرض لانتقادات لاذعة، تشكك في قدرتها على المشاركة في قيادة المرحلة القادمة. ناهيك عن الاصطفاف الراهن الذي يشمل قوى من تيارات تحمل بداخلها علامات تدمير. حيث بدأت عناصر من الحرس القديم تستعد للانقضاض حال انتهاء حكم الاخوان. وكلها اشارات مخيفة تقود إلى مزيد من التخبط والارتباك. فإذا كانت العلامات والاشارات على هذه الدرجة من السلبية، فإن تكاليف اليوم التالي للاخوان، يمكن أن تكون باهظة، ما لم يتم البحث عن صيغة تحظى بقبول غالبية الأطراف الرئيسية المتصارعة. كأن يتوافق الجميع على حل للتعجيل بالانتخابات الرئاسية تحت اشراف حكومة وحدة وطنية، أو القبول بفكرة تشكيل مجلس رئاسي متعدد المشارب والانتماءات والولاءات السياسية، مهمته تهيئة البلاد للخروج من مأزق الادارة الحالية.

الحاصل أن مرحلة ما بعد الاخوان من الممكن أن تضاعف الغموض الراهن، إذا أخفقت القوى المصرية في رفع الغطاء الخارجي (الأميركي تحديدا) عن رأس الاخوان. وإذا جرى تكرار الأخطاء الساذجة السابقة، فقد كان هناك اتفاق على رحيل مبارك بين القوى الثورية والسياسية، لكن لم يفكر كثيرون في الخطوة المقبلة، التي صعدت بالاخوان إلى قلب السلطة في مصر. وأخشى أن تجد الأحزاب والقوى المختلفة نفسها أمام واقع مشابه، ويقفز من يقفز في اليوم التالي للاخوان.