اليمن يدق ناقوس الخطر بسبب شح المياه

دعوة لافراغ صنعاء من نصف سكانها لتلبية حاجتها من المياه

صنعاء - يقول الخبراء أن هناك حاجة لتقليل عدد سكان صنعاء البالغ عددهم 2 مليون نسمة إلى النصف حتى تتمكن المدينة من تلبية احتياجات السكان من المياه.
وأفاد خبراء أن أزمة المياه في العاصمة اليمنية صنعاء تفاقمت عبر السنوات في الوقت الذي لم تضع فيه الحكومة استراتيجية واضحة للتعامل معها بشكل مناسب.

ويرى الخبراء أن مشكلة نقص المياه التي تؤثر على 80 بالمائة من سكان اليمن (البالغ عددهم 21 مليون نسمة) قد ازدادت حدة بسبب معدلات الخصوبة المرتفعة والزحف الحضري السريع وزراعة القات وانخفاض الوعي العام والحفر العشوائي للآبار.

وجاءت ملاحظات الخبراء هذه خلال حلقة نقاش نظمها مركز "سبأ للدراسات الاستراتيجية" في صنعاء يوم 12 أغسطس/آب تحت عنوان "الأمن المائي في اليمن: التحديات والحلول" وجمعت عشرات المسؤولين المحليين والخبراء في مجال المياه.

وقال خليل المقطري من وزارة الزراعة والري والخبير في علم الطبوغرافيا أن الوضع المائي في البلاد تدهور بسبب عدم وجود استراتيجية فعالة تنظم هذه المسألة. عجز مائي كبير

وقال المقطري أن "كمية المياه المستهلكة سنوياً تصل إلى 3.5 مليار متر مكعب، 93 بالمائة منها تصرف في الزراعة و6 بالمائة في الاستهلاك المنزلي و1 بالمائة في الصناعة. وتبلغ كمية المياه العذبة المتجددة 2.5 مليار متر مكعب سنوياً وبذلك تكون الفجوة بين المياه المستهلكة والمياه العذبة المتجددة مليار متر مكعب سنوياً"، مضيفاً أن اليمن سيحتاج إلى 4.6 مليار متر مكعب بحلول عام 2025 عندما يكون عدد سكان البلاد قد تضاعف.

وقال المقطري أن معدل استهلاك الفرد من المياه في اليمن يصل إلى 125 متراً مكعب في العام ومن المتوقع أن ينخفض إلى 62.5 متراً مكعب بحلول عام 2025، مضيفاً أن معدل استهلاك الفرد من المياه عالمياً يصل إلى 1.500 متر مكعب سنوياً.

وأشار إلى أن "حوالي 92 بالمائة من أراضي اليمن إما قاحلة أو شبه قاحلة أو صحراوية". هل المشكلة في حفر الآبار العميقة؟

من جهته، قال ناصر العولقي، أستاذ الاقتصاد ووزير المياه السابق، أن أزمة المياه في اليمن تعود بشكل كبير إلى الزراعة التي تعتمد على المياه الجوفية الموجودة في الآبار العميقة.

وقال أن المزارعين كانوا في السابق يستخدمون المياه السطحية ومياه الأمطار فقط ولكن مع توفر التقنيات الحديثة بدؤوا بحفر الآبار لري أراضيهم بالمياه الجوفية. وأفاد أنه "قبل العام 1970، لم يكن عمق الآبار يصل إلى 800 متر، بل كانت تحفر يدوياً بعمق يتراوح بين 20 و 40 متراً فقط".

وأشار العولقي إلى أن توسع النشاطات الزراعية بدأ في التسعينيات بعد أن استفادت الحكومة من القروض الأجنبية والأموال التي يحولها المغتربون اليمنيون إلى بلادهم.

وأضاف أن مشكلة المياه تأزمت مع تدفق حوالي مليوني يمني ممن كانوا يعملون في دول الخليج حيث دفعتهم حرب الخليج الأولى عام 1991 دفعتهم للعودة إلى بلادهم.

وقال أنه يمكن العثور على المياه عند حفر آبار بعمق يتراوح بين 800 و 1.000م، وهي عملية عشوائية في الكثير من الأحيان في اليمن. "كما يقوم بعض أصحاب النفوذ بحفر الآبار في مدينة صنعاء دون أن تتمكن وزارة المياه من اتخاذ أي إجراء بحقهم، فقانون المياه لا يتم تطبيقه".

ويحظر قانون المياه الحفر العشوائي للآبار ويستدعي الحصول على تصريح مسبق من الوزارة للقيام بذلك.

وقال العولقي أنه "في العام 1974 كانت مساحة الأراضي التي تروى بالمياه الجوفية تتراوح بين 30,000 و35,000 هكتار، ولكن أكثر من 400,000 هكتار من الأراضي تروى الآن بواسطة هذا المصدر. وفي ذلك الوقت كان اليمن ينتج 1.2 مليون طن من الحبوب سنوياً ولكن الإنتاج انخفض بشكل حاد في الوقت الحالي لأنه المحاصيل لا تروى بمياه الأمطار".

ووفقاً للمقطري ، يوجد في اليمن ما يزيد عن 60,000 بئر وأكثر من 350 حفارة، كما أن منسوب المياه في هذه الآبار ينخفض بمعدل 6.3 بالمائة سنوياً.

وقال العولقي أن معظم المزارعين ما زالوا يستخدمون الطرق التقليدية في الري التي تدعى "الري بالغمر" بينما لا تروى سوى 8 بالمائة من الأراضي بالأساليب الحديثة، "مما يستنزف المياه الجوفية". سدود غير مجدية

وقال المشاركون أن المزارعين لا يستطيعون الاستفادة من الكمية الكبيرة من مياه الأمطار – حوالي 68 مليار متر مكعب سنوياً – بسبب عدم فاعلية السدود. وقال العولقي أن "السدود بنيت بطرق عشوائية...ولم تلق اهتماماً مناسباً ولذلك تملؤها القاذورات. كما كلف بناؤها أكثر من 22 مليار دولار ولكن سعتها لا تصل لأكثر من 80 مليون متر مكعب".

وأضاف أن عشرات الدراسات أجريت حول المياه بملايين الدولارات ولكنها تركت على الرفوف وتراكم فوقها الغبار. "ومع أن بعضها قديم جداً ولا يمكن استخدامه إلا أنها لم تكن أيضاً متاحة للباحثين للاطلاع عليها". وقال أنه يجب "خلق وعي عام حول مشكلة المياه وعلى الجميع أن يتفهمها". الزحف الحضري

ووفقاً للخبراء الذين اجتمعوا في حلقة النقاش هذه، يعد التمدين أو الزحف الحضري عاملاً آخر من العوامل التي تؤدي إلى تفاقم نقص المياه، فمعظم سكان اليمن يتمركزون في المرتفعات في شمال البلاد.

وقال العولقي أن حوض صنعاء قد يجف بعد 15 عاماً بسبب الهجرة المستمرة إليه موضحاً أن "250 متراً مكعباً من المياه تستهلك من هذا الحوض سنوياً في حين لا تزيد كمية المياه التي تضاف إليه عن 60 متراً مكعباً سنوياً ... وفي غضون سنوات قليلة سيستخدم الناس المياه المتجددة (مياه الأمطار) فقط – أي الـ 60 متراً مكعباً التي تضاف إلى الحوض سنوياً".

وقال أن تحلية المياه في صنعاء يعد أمراً مستحيلاً وغير منطقي لأن إمكانات اليمن الاقتصادية محدودة جداً. وقال متعجباً: "كيف سنستفيد من مياه البحر التي خضعت للتحلية إذا كانت ستستخدم مباشرة في ري القات؟"

من جهته، قال محمد الدبعي، الأستاذ بقسم الجيولوجيا بجامعة صنعاء، أنه لا بد من تقليص عدد سكان صنعاء من مليوني نسمة إلى النصف أو حتى 800,000 شخص حتى تتمكن المدينة من مواجهة أزمة المياه فيها، مضيفاً أن "صنعاء لا يمكنها تحمل التمدين السريع".

كما اقترح المشاركون رفع تكاليف المعيشة في صنعاء حتى تتوقف الهجرة الداخلية إليها. القات بدوره، قال علي سيف حسن، رئيس المنتدى السياسي أن على الحكومة رفع الدعم عن مشتقات النفط بما فيها الديزل المستخدم من قبل المزارعين في نشاطاتهم الزراعية. وقال أن الحكومة "تدفع 3 مليارات دولار سنوياً على هذا الدعم. كما يشكل الديزل 80 بالمائة من تكاليف زراعة القات وإذا تم رفع الدعم عنه، فلن يتمكن أي مزارع عندها من زراعة القات".

كما اقترح المشاركون رفع الكميات المستوردة من القات من الدول الأفريقية خلال السنوات الخمس القادمة مما سيخفض المساحة المستخدمة لزراعة القات وبالتالي يقلل من استهلاك المياه.

وأشاروا إلى أن أكبر مصنعين للمياه المعبأة في البلاد مقرهما صنعاء وهما يستنفذان مصادر المياه الجوفية في المدينة. كما أنهما لا يزودان الأسواق اليمنية فحسب بل بعض دول الجوار كذلك.(ايرين)