اليمن والعودة للمربع الأول!

لم يكن يخطر ببال اليمنيين، هذا الشعب المنحوس بنرجسية حُكامه منذ أكثر من نصف قرن، أن يصوم الدهر ويفطر ببصلة. أجهضت ثورة 2011 من قبل الإسلام السياسي بشقيه الطائفي والمؤسسة العسكرية/الجنرال المنشق المتحالف مع القبيلة. فهؤلاء قد أزيحوا الى غير رجعة مع كل اللعنات. ولكن اليمنيين في الأحداث الأخيرة انتقلوا من زاوية هيمنة جهة إقليمية عربية إلى أخرى أعجمية، وهؤلاء الذين يهيمنون على المشهد السياسي اليوم دأبوا على انتقاد خصومهم من الإصلاح ويتناسون ما يحدث اليوم من خلط الأوراق واستدعاء القاعدة لمقارعتهم بدليل الأحداث التي جرت في الأيام الماضية في مأرب والبيضاء وسواهما.

كان الإصلاح في الحكومة المُطاح بها قد شارك بصورة ديمقراطية وليس بتهديد السلاح وبصورة توافقية في الحكومة المؤقتة بناء على المبادرة الخليجية، وكانت الحكومة المنصرمة على أعتاب الرحيل في سياق خريطة الطريق بعد مؤتمر الحوار وعلى اعتاب الدستور الجديد، وللعلم فأنه لم يكن الوحيد في المشهد حيث كان جزءا من ما عرف بأحزاب اللقاء المشترك، وكان الحوثيون أنفسهم جزءا من تلك الحكومة التي سيطر عليها بما لا يقل عن النصف وحسب تلك المبادرة.

ومن كان يفترض بأن ثورة 11 فبراير قامت ضده غدا مشاركا بأكثر من النصف انتهت بفتح أبواب صنعاء امام خصومه. فالسياسة لا تعرف الخصومة الدائمة وانصار الله الذين قتل الرئيس السابق زعيمهم، تناسوا ذلك فالايدولوجيا تتوارى امام المصالح الانية، فبدلا من الشروع برأس الرئيس السابق فقد منح الامان، لان المقابل كان كبيرا بالطبع.

لم يكن انصار الله يستطيعون الخروج من كهوفهم في صعدة ومران والوصول لعمران ومن ثم اسقاط صنعاء بقوة السلاح لولا تواطؤ الرئيس السابق والدولة العميقة. فالمؤسسة العسكرية في اغلبها تدين بالولاء له لانه ببساطة كان جيشا طائفيا. هذا الجيش والمؤسسة الأمنية التي كان يصرف لها اكثر من ثلث ميزانية هذا البلد الفقير من قوت المواطن، لم يعد محايدا فقط بل مشاركا بدليل قيادة قافلة من الدبابات والتي لا يمكن التعامل معها وسياقتها الا من عناصر محترفة. فقد شاهد المواطنون بالعين المجردة قافلة من الدبابات والمعدات العسكرية الثقيلة تخرج من المعسكرات الى عمران. وهنا سؤلان يطرحان للمراقب، لماذا تتجه شمالا وليس جنوبا او تبقى في مكانها طالما صاروا هم الحاكمون. السؤال الاهم، من يستطيع قيادة هذه الاعداد الضخمة من الدبابات والمصفحات الا فريق عسكري من المحترفين.

فتح "بيضة الاسلام" عاصمة اليمن اشبه بسقوط بغداد حيث كان الذهول سيد الموقف لبضعة اسابيع بل وشهور ولم تأتِ ردود الأفعال في بلاد الرافدين الا بعد فترة. ونخشى في اليمن ان يكون الحال بهذا الصورة. فالأحداث بدأت تشير بأن شيئا ما يخطط داخليا وخارجيا. فالقاعدة التي كانت في المحافظات الجنوبية غدت تكرس نشاطها في المحافظات الشمالية. والعنف يولد العنف وقد يلقى له حاضنة على غرار داعش في العراق بعد التنكيل بأهل السنة.... الا بعد أن ايقن المواطنون بأعمال وسلوك الفاتحين وهو الامر نفسه في اليمن. فالراصد والمتابع المحايد وكذا هيئات حقوق الانسان رصدت سلسلة من التجاوزات التي يندى لها الجبين.

الاوطان تضيع في زمن المليشيات، وعلى اليمنيين ان يتعلموا دروسا مشابهة كالعراق التي يسيطر عليه أحزاب دينية بمليشيات، وقد تخلص اليمنيون من اعتى حكم عسكري متحالف مع القبيلة والإسلام السياسي ولكنه دخل حقبة أخرى اكثر غموضا وتطرفا، لتبدأ مرحلة "مظلومية أهل السنة" الذين يشكلون الاغلبية في اليمن، بعكس العراق الذي حكمه السنة من عدة قرون بدءا بالعثمانيين ومرورا بالحكم الملكي السني وأنتهاء بحك قاسم والاخوين عارف ومرحلة البعث ورغم أن شيعة العراق العرب اكثر من سنته. بينما في اليمن العكس صحيح، الزيدية اقل من ربع السكان وهم الذين حكموا اليمن اكثر من الف سنة، وحتى العصر الجمهوري منذ مطلع الستينيات وحتى اليوم. لدي الشجاعة بأن اؤكد بأن اللاعبين الاساسيين في المشهد السياسي هم من لون واحد وجهة واحدة ومذهب واحد، فأين بقية اليمن؟

ومن هنا فلا مستقبل للاسلام السياسي في اليمن، وأنما الدولة المدنية التي تضمنها مخرجات الحوار الوطني ومشروع الدستور والذي كان سيعرض للاستفتاء بعد اسابيع فسبقته الأحداث الأخيرة، لتحقق انتصارات وتفرض امرا واقعا، وندخل مرحلة انتقالية اخرى. فهل قدر للشعب اليمني ان يكون حقل تجارب لمراهقي السياسة.

لقد استغل الفاتحون ضعف الدولة وتصارع أركانها وهموم الشارع وشظف العيش والجرعة القاتلة لتحقيق مشروعهم، ولاحظ الكثيرون مدى ديماغوجية وتكتيك هؤلاء وتأخير توقيع اتفاق الشراكة، وحسب قناة سكاي نيوز عربية فأن 76٪ من اليمنيين يتوقعون ان لا يصمد اتفاق السلم والشراكة، بدليل التجاوزات بعد التوقيع وحتى بعد توقيع الملحق الأمني والعسكري.

كما ان جمال بن عمر نفسه يبدي تشاؤمه للقناة مما يحدث فيما يتعلق بصمود الاتفاق، ويعترف ان هناك خطورة من محاولات لتقويض الاتفاقية، ويؤكد انهم ابلغوا الحوثيين بخرقهم الاتفاقية، ويقول ان الحوثيين فرضوا الأمر الواقع باحتلال مسلحيهم العاصمة.

في خضم هذه الغوغاء يرى العقلاء من أبناء اليمن بأن الوطن رغم انه على كف عفريت ولكن قد لا ينزلق في حرب اهلية طائفية. وشخصيا اتوقع ذلك ايضا، إلا إذا مولت بعض الأطراف الإقليمية تشكيل جماعات مسلحة تستهدف أنصار الله، ونتمنى أن لا يحدث ذلك. لكن الإشكال الآخر بأن القاعدة قد انتقلت من كل انحاء الجزيرة العربية في عهد الرئيس السابق لليمن وأوكل لليمن مقارعة تلك الجماعات بالنيابة عن دول الخليج، ولكن النظام السابق لم يكن جادا في مقارعتها وكذلك حروبه في صعدة كانت مجرد حرب تحريك وليست تحريرا، للفت انظار المجتمع الدولي، ومن هنا يُخشى بأن الامور قد لا تستتب. وحتى اقتصاديا فالعالم سوف يحاصر اليمن طالما قد اعتبر جماعة انصار الله ارهابية، والقاعدة بدلا ان كانت في جنوب اليمن سوف تنتشر في كل اليمن.

وفي سياق انجرار اليمن لاسوأ النماذج، قسمت الحكومة سياسيا ومحاصصة واليوم سيضاف الطائفي بحيث تكون الصيغة اليمنية الجديدة للحكم مزيجا من سلبيات العراق ولبنان برؤية ايرانية.

توغل انصار الله في الدولة بدأ منذ الاعتراف بهم في الحوار الوطني ويومذاك كان يفترض تسليم سلاحهم والتحول لحزب سياسي. ومن هنا فالاخطاء المركبة والمتلاحقة هي التي جعلت منهم مكونا اساسيا في الوقت الذي يتحركون فيه على الارض ليخلقوا كل يوم واقعا جديدا ويتفاوضون كل مرة من اخر انتصاراتهم وترتفع بالتالي مطالبهم. فما كان مستحيلا وغير مستحق بالامس اصبح اليوم مطلبا شرعيا لهم.

عندما يرى المراقب والمتابع بل وكل مواطن لبيب ما يجري على ارض الواقع من انهيار متواصل لأجهزة الدولة ومؤسستها العسكرية فكيف تسقط عاصمة دولة بدون أي مقاومة وبداهة فأن ذلك كان انقلابا ناعما شارك فيه الرئيس السابق.

بعد "الفتح المبين" تم اجتياح المؤسسات والوزارات والمنشآت الحكومية مدنية وعسكرية وكذا منازل خصوم الفاتحين، حتى غرف النوم لم تسلم من ذلك وهذا ليس تجنٍ او دعاية مضادة فقد وثقته هيئات مستقلة لحقوق الانسان بل وتم نشره من أنصارهم. ندينهم من أفواههم.

لا يختلف اثنان بأن اجتياح صنعاء قد خلط الأوراق. فأحداث الأسبوع المنصرم قد قلبت الأوضاع رأسا على عقب. الجرعة القاتلة ستعيد اليمن الى المربع الأول. النخب الوطنية لا تحبذ انقلابا ولكن لو حدث انقلاب عسكري من داخل المؤسسة العسكرية وبدوافع وطنية لكان أفضل وسيفرض نفسه على المجتمع الدولي كأمر واقع. هذا السيناريو المفترض كان مناسبا لليمن لان الانقلابين سيفترض بأنهم ليسوا مؤدلجين وبالتالي ستكون عودة الديمقراطية ممكنا مثلما حدث في موريتانيا على سبيل المثال، وطبعا في هذه الفرضية تتم اذا وعدوا ببسط الأمن والتهيئة لمرحلة انتقالية قصيرة تنتهي بما اتفق عليه اليمنيون تنفيذا لمخرجات الحوار الوطني الذي طال امده وخروج الدستور الى النور.

ولكن ما حدث في اليمن مؤخرا استبق خريطة الطريق وادخل اليمن في صراع طويل قد لا ينتهي الا بعد عقود لان إيران لن تترك وتسلم بسهولة. فإيران قد كسبت نقطة هامة: حاصرت الجزيرة العربية من اغلب الاتجاهات، وستقايض بها في مناطق أكثر سخونة كسوريا ولبنان.