اليمن في طريق اللاعودة: العنف يقطع مسالك استمرار الوحدة

لا حوار، لا تنازلات، وبالتالي... لا وحدة

لندن- يدفع تجدد الاشتباكات بين قوات الأمن ومتظاهرين في جنوب اليمن الى الاعتقاد بان التوترات سائرة في طريق اللاعودة، حيث يجلب العنف المزيد من العنف، بينما تراكم حكومة الرئيس علي عبدالله صالح الفشل فوق الفشل بمراهنتها على القمع.
ويسود الاعتقاد لدى المراقبين بان الرئيس صالح لا يريد ان يخوض حوارا جادا مع القيادات الجنوبية وهو يهددها بحرب لا تبقي ولا تذر من اجل ان يملي عليها شروطه.
في المقابل، يجد الزعماء الجنوبيون ان المشكلة لا تتوقف عند الرئيس صالح وحده، بل انها تمتد الى حزب المؤتمر الشعبي برمته الذي ينظر الى الجنوب بوصفه اقطاعية خاصة. الأمر الذي يعني انه حتى لو قرر الرئيس صالح الاستقالة (وهو غير مرجح أصلا)، فان "علي عبدالله صالح" آخر سيتولى السلطة في الشمال وانه سيواصل التعامل مع الجنوب وفقا للنظرة الاستحواذية ذاتها التي طغت على علاقات الوحدة منذ عام 1990.
ويمكن ان يؤدي سقوط المزيد الضحايا، كما حصل في تظاهرات السبت في مدينة الضالع، الى قطع الطريق امام فتح ابواب الحوار.
وفي حين يزدادا الجنوبيون ثقة بانهم يستطيعون الوصول الى وضع يسمح لهم بالطلب الى الأمم المتحدة بحق تقرير المصير، فان حزب الرئيس صالح يعتبر ان القمع كفيل بابقاء الجنوبيين تحت السيطرة.
ويقول محمد الظاهري، أستاذ العلوم السياسية بجامعة صنعاء، أن المحتجين طالبوا في البداية بالحصول على حقوقهم ولكنهم يطالبون الآن بالانفصال، وأنه "لو ظل الموقف بدون حل فإنه من الممكن أن يجد المطالبون بالانفصال آذانا صاغية تتعاطف معهم بين صفوف العاطلين عن العمل وهؤلاء الذين يشعرون بالكبت".
وتم توحيد الجمهورية العربية اليمنية الشمالية وجمهورية اليمن الشعبية الديمقراطية الجنوبية في عام 1990 لتشكيل جمهورية اليمن. ولكن الدولة الموحدة تعرضت للتهديد عندما اندلعت حرب أهلية في عام 1994 مع مطالبة القادة الجنوبيين بالانفصال. ولقى الآلاف مصرعهم في القتال العنيف الذي انتهي بهزيمة القادة الجنوبيين الذين كان يمثلهم بصورة رئيسية الحزب الاشتراكي اليمني.
ويعتبر سكان اليمن البالغ عددهم 21 مليون نسمة من بين أفقر الشعوب في العالم ولا يمكنهم تحمل تكلفة المزيد من عدم الاستقرار. ومن الممكن أن يشتعل مرة أخرى نزاع مدمر في محافظة صعدة الشمالية، والذي كان قد مزق المنطقة خلال الفترة من 2004 إلى 2008.
وهناك قضيتان أساسيتان جعلتا الشكاوى الجنوبية تستمر. وتتمثلان في الاستيلاء على الأراضي من قبل المسؤولين الشماليين ذوي النفوذ بعد حرب 1994 وإقصاء المسؤولين العسكريين والمدنيين الجنوبيين من الوظائف الحكومية العليا. وهذا ما دفع مئات الآلاف من الجنوبيين إلى تنظيم مظاهرات احتجاجية في مارس/آذار 2008 سبقتها العديد من الاحتجاجات الأخرى منذ عام 2006. وتشمل الشكاوى التي لا تزال موجودة حتى الآن عمليات قتل سياسي والاحتجاز التعسفي والتمييز في التوظيف والإقصاء من العملية السياسية والتواجد الدائم للمعسكرات ونقاط التفتيش العسكرية والمعاشات التي لا تفي باحتياجات الناس علاوة على فقدان أكثر من 100 ألف من العسكريين والمدنيين لموارد رزقهم عقب حرب عام 1994.
وبدأ أصحاب المعاشات من العسكريين والمدنيين في الجنوب الاحتجاجات في عام 2006 مطالبين بالمساواة في الحقوق ولكن الحكومة رفضت الاستجابة لهم. وحذر الظاهري من أنه "لو استمر هذا التبلد السياسي فإن البلد قد ينقسم إلى عدة أجزاء".
وطبقا للتقرير الذي أصدرته مؤسسة تشاثام هاوس الفكرية لندن فإن الإقصاء الملموس للجنوبيين من رعاية الشبكات الشمالية في مجال الأعمال والسياسة والجيش قد شكل الأساس لتلك الإشارات الانفصالية. وقد ذكر التقرير أن موارد النفط اليمني موجودة في الجنوب ولكن الجنوبيين يشتكون من أن نظام الحكم في صنعاء يستأثر بالأرباح.
ويقود حركة الجنوب ضباط الجيش السابقين الساخطين في الجنوب. وهذه الحركة هي نقطة التجمع الرئيسية للمعارضين لنظام الحكم. وقد اكتسبت الحركة مؤخرا زخما بعد انضمام عدد من مشايخ الجنوب إليها. ففي الشهر الماضي، أعلن الشيخ طارق الفضلي، وهو زعيم قبلي بارز في محافظة أبين وحليف سابق للرئيس عبد الله صالح، أنه سينضم إلى حركة الجنوب. وقد وصف الفضلي القادة الشماليين بأنهم "غزاة للأرض والثروة" ودعا إلى تدويل قضية الجنوب.
وذكر عضو البرلمان ورئيس كتلة الحزب الاشتراكي اليمني في البرلمان عيدروس النقيب أن 25 متظاهرا لقوا مصرعهم وجرح ما يزيد عن 150 متظاهرا آخر منذ عام 2007. وقال النقيب أن السلطات مسؤولة عن تصاعد العنف باستخدامها المفرط للقوة لقمع "الاحتجاجات السلمية". وذكر أنه جرى احتجاز 70 ناشطا في بداية هذا العام في الجنوب ولكن الاحتجاجات أغلقت الطريق السريع الرئيسي إلى أن تم الإفراج عن النشطاء، مضيفا أن السلطات ينبغي أن تحذر من استخدام القوة لأن ذلك "سيفتح جبهات لا يمكنها إغلاقها، وهو ما سيفتح أبواب جهنم".
وتقول جين نوفاك المحللة والخبيرة الأميركية في الشؤون اليمنية، أن حركة الجنوب ظلت تكتسب زخما على مدى العامين الماضيين كلما قامت الدولة بقمع المتظاهرين بالقوة. وأضافت أن الصراع في الجنوب قد يتبع نفس نمط الصراع في صعده حيث تستهدف الدولة شريحة من السكان المدنيين.
وتذكر نوفاك أن "القصف الأخير لردفان وهو حي في محافظة لحج قد حرض الكثير من الجنوبيين وأعطاهم شعوراً بأن الدولة غير راغبة في معالجة مظالمهم وشكواهم بأي شيء سوى الرصاص". وأضافت أن "استمرار الهجوم العسكري والهجمات التعسفية على المحتجين والصحفيين والنشطاء الجنوبيين سوف يلهب المشاعر ويعزز منطق الانفصالية. ولا يزال على الدولة أن تعالج القضية الرئيسية وهي احتكار السلطة من قبل النخبة الشمالية".
وتشير نوفاك إلى أن عمليات إلقاء القبض التعسفي على المحتجين وتعدد حالات الإصابة والوفاة أثناء الاحتجاجات قد أججت المزيد من المظاهرات.
ويقول ناصر الخابجي، أحد قادة حركة الجنوب، أن الجيش قام خلال الاحتجاجات الأخيرة بقصف بعض المناطق مسببا الذعر. وأضاف أنه "تم تشريد حوالي 200 عائلة في محافظة لحج. وتوقفت الحياة ولم يعد الطلاب قادرين على الذهاب إلى المدارس كما أغلقت المحلات أبوابها". كما أوضح أن قيام الحكومة بحشد المئات من المدنيين الجنوبيين الموالين لها ضد حركة الجنوب أدى إلى تفاقم حدة الموقف.
وكان الرئيس اليمني علي عبد الله صالح أصدر في 25 أبريل تحذيرا قال فيه أنه "إذا حدث أي شيء للوحدة لا قدر الله فإن البلاد لن تنقسم إلى جزأين كما يعتقد البعض ولكن إلى أجزاء عديدة...وسيتقاتل الناس من بيت إلى بيت ومن نافذة إلى أخرى...يجب عليهم أن يتعلموا درسا مما حدث في العراق والصومال".
وقد تم في شهر فبراير/شباط تأجيل الانتخابات البرلمانية التي كان من المقرر سلفا عقدها في السابع والعشرين من أبريل/نيسان 2009، وذلك لمدة عامين بعد الحملة الطويلة التي قامت بها جماعات المعارضة لمقاطعة الانتخابات.
ويعتقد الكثير من المراقبين ان التوترات الحالية، الى جانب الاوضاع الاقتصادية المتردية سوف تقود في النهاية الى انهيار النظام برمته. وساعتها فان الانفصال قد يصبح امرا واقعا، بطرد المليشيات الشمالية من الجنوب.
وأكثر فأكثر يبدو الرئيس صالح معزولا عن القضايا التي تحيط به. وفي مواجهة القضايا المطلبية الملحة، فانه هرع الى الخارج ليطلب الدعم. وقد حصل عليه، إلا ان النتيجة في الشارع ما تزال كما هي حيث تغرق البلاد في دوامة أزمات ليس الفقر والبطالة وانهيار البنية التحتية سوى القمة الظاهرة من جبل الجليد.
وكان الرئيس صالح قال مؤخرا "عندنا همّ تنموي.. عندنا هم ثقافي.. عندنا هم صحي.. عندنا هموم كبيرة ليش نشغل أنفسنا بالقضايا الصغيرة؟ عبر عن رأيك بطرق ديمقراطية وبمسؤولية لا تخلق ثقافة الكراهية الشطرية"، داعيا الفعاليات المجتمعية والسياسية إلى التصدي لتلك الظواهر التي تريد العودة باليمن إلى ما قبل 22 مايو 1990 وإلى ما قبل النظام الجمهوري بإشارة منه إلى حركة تمرد الحوثيين في صعدة.

وفي مواجهة مطالب الجنوبيين بالانفصال، يقول نجيب غلاب مدرس العلوم السياسية بجامعة صنعاء ان "الانفصال ليس حلا بل على العكس سيُدخل البلاد في الفوضى الشاملة ولا يستفيد منه إلا طرفين، الأول: هو "تنظيم القاعدة" لأنه لوحق وطرد من بلدان عدة كانت تعتبر معاقله التقليدية لذلك فإن لديه إستراتيجية لترتيب صفوفه في اليمن مستفيدا من عدة معطيات طبيعية وبشرية اجتماعية، ولذلك الفوضى بالنسبة للقاعدة هو المناخ الملائم لانتشارها وتكثيف أنشطتها الجهادية".
أما الطرف الثاني المستفيد من الفوضى، كما يقول غلاب، فهو إيران، مشيرا إلى أن إضعاف اليمن بالنسبة لإيران هو إضعاف لأمن المنطقة ككل خاصة منها أمن الخليج مما يسهل لها تهديد مصالح تلك البلدان والمصالح الأمريكية في هذا الحيز الجغرافي الحيوي بالنسبة لواشنطن. ولذلك فالقضية كما يراها نجيب غلاب هي أبعد من مجرد قضية سياسية مرتبطة بالصراع على النفوذ والثروة بين الفاعلين السياسيين ومن سيحكم منهم، مؤكدا إنها "إذا كانت كذلك يمكن مناقشتها بشكل أكثر اتزانا وليس بالخطاب النافي والاقصائي بين مختلف الفرقاء السياسيين أو بإعادة التقاسم إنما بحوار جاد ومسؤول".

ويقترح غلاب ثلاثة مداخل للخروج من المأزق الراهن، أولها: دعوة المعارضة في الخارج واجتماع اليمنيين بكافة توجهاتهم ومنطلقاتهم والإتفاق على نظام سياسي رئاسي. الثاني: إقرار حكم محلي واسع الصلاحيات أقرب إلى الفدرالية يمنح الأقاليم التي لها ثروات ما بين 15 إلى 30 في المائة من عائدات تلك الثروة وهذا سيؤدي حسب رأيه إلى تعزيز الوحدة والاندماج بين مكونات المجتمع وليس إلى الانفصال كما يعتقد البعض لأن الأقاليم التي تتمتع بالثروة ستشهد نهضة كبيرة وبالتالي ستكون مناطق جاذبة للهجرة الاختيارية مما يعمق المصالح ويساعد على الاندماج الطوعي وليس الاندماج القسري. أما المدخل الثالث فيتمثل في التركيز على بناء دولة مدنية عصرية لأن التاريخ كما يقول يؤكد أن "القبيلة الملتقية مع الأصولية شكلت دائما عائقا أمام الأفكار التحديثية وأمام بناء الدولة المدنية".
السؤال الأكبر هو: هل سينجو اليمن؟
الجواب الأرجح هو: لا. فالرئيس صالح لا ينوي المصالحة، ولا الحوار ولا تقديم تنازلات لأي أحد. وإذا فعل ووجد نفسه مضطرا لتقديم تنازلات فان الوقت سيكون حينها قد فات فعلا.