اليمن: في جدوى انهيار المُنهار؟

في الآونة الأخيرة، حصلت طفرةً كبيرةً في مقاربة "الحالة اليمنية"، وتحليل جذورها، ورسم معالم ومسالك شتى يُتْوَقّع أن تَسْلُكه الأحداث والتطورات في قادم الأيام.

ولأن هذه المقاربات تقوم، في الغالب الأعم، على قراءة الحالة اليمنية اعتماداً على مقايسات ومقارنات تستحضر دوماً حالاتٍ عربيةٍ يُعتقد على نحو واسعٍ أنها مشابهةٌ أو قريبةٌ من هذه الحالة أو ربما صارت رائجة وسهلة الاستدعاء من كُثر ما أُشبِعت كلاماً وتحليلاً، كالحالة السورية والعراقية واللبنانية والليبية والصومالية، فإن نتائج هذا المقاربات كانت على الدوام ونتيجة لهذه المقايسات السهلة والسريعة تفتقد للدقة في استخلاصاتها النهائية.

وعلى سبيل المثال لمثل هذه الاستخلاصات، الاستخلاص البارز أو الرئيسي بتوقع "انهيار الدولة" في اليمن.

قد نتفهم هذا الاستنتاج على أنه محاولة ـ متوسِلة ـ للتخويف والتحذير من سوء العاقبة التي تنتظر هذا البلد العربي، تخويف غرضه تهدئة اندفاع بعض القوى المتوثبة لبسط السيطرة وفرض الأمر الواقع على الأرض بقوة السلاح وحدها، وتحويل البلد بكامله، فيما بعد، إلى "أبتزاز" مفتوح، على قرار شيك مفتوح، في بورصة التجاذبات الإقليميّة والدوليّة التي انتعشت بقوةٍ في الفترة الأخيرة.

لكن الحديث عن "انهيار الدولة" هو حديثٌ مراوغٌ، فالدولة، بمعناها الشامل، ليست موجودة، ولم تُوجد قط في صنعاء حتى تنهار. لقد اعتادت صنعاء أن تُصرِف أمورها في قنواتٍ ومسالكٍ تقليديةٍ بحتةٍ وخارج أي صورةٍ أو نمطٍ للدولة ومؤسساتها ووظائفها، أما المؤسسات الحداثية، فكانت جميعها أضخم عملية ديكور حدثت في واقع أي سياسي لدولة على مستوى التاريخ العالمي المُعاصر، وهذه العمليّة ساهمت بصناعتها والترويج لها قوى خارجية عدّة، وتحت مبرراتٍ كثيرةٍ، يَطُول شرحها.

قبل بضع سنواتٍ، وفي ذروة القبضة الأمنية لنظام علي عبدالله صالح، اعتدى رجلٌ من قبيلةٍ كبيرةٍ، وبلا أي صفةٍ رسميّةٍ، على شخص رئيس الوزراء، المدني الذي لا قبيلة له. توافدت القبائل حينها، وذُبِحت "البقر" فوراً، كتعبيرٍ عن كل شيءٍ؛ الحُكم والعقوبة والقانون والحق، كل شيءٍ صُرِّف مع دم البقر المسفوك، وأما اللحم فيقوم الطرفان، الجاني والمجني عليه، بالتهامه، وربما بشهيةٍ مفارقةٍ، وفي احتفاليةٍ باذخةٍ!

لكن المصيبة، وفي بلدٍ كاليمن تتكرر فيه مثل هذه المشاهد كل يومٍ تقريباً، لا تكمن هُنا فحسب، بل في تصورات الناس، وخصوصاً النخب، لطبيعة الواقع الذي يعيشون فيه، وقراءتهم وتأويلهم له، وهي تأويلات وتصورات تنعكس بالضرورة على فهمهم لهذا الواقع وكيفية تعاطيهم معه. فبعد تلك الحادثة الشهيرة قام أحد الوزراء، الذي أراد أن يُلقي موعظةً مدنيةً مؤثرةً، فنعى "القانون" الذي ذُبِح مع البقر، لكن هذا الوزير (الحداثي جداً) نسي تماماً أن الكلام النظري الذي يحويه ما يُسمى مجازاً بـ"الدستور" والقوانين المنبثقة عنه، وعلى أساسها قَبِل أن يكون وزيراً، ليس فيه أي قطرةٍ دمٍ منذ أن جاء إلى هذه الحياة، ولم يملك يوماً لأحدٍ حياةً أو نشورا. لكن ومع أنه يعرف ذلك جيدا، وربما منذ زمنٍ بعيدٍ، إلا أنه رضي، في واقع الحال، أن يدخل في صلب هذه العلاقة البخسة، بمنصبٍ رفيعٍ!

ما نُريد قوله هُنا، وباختصار، أن مفهوم "الانهيار" الذي بات يُلوّح به هذه الأيام، ولأسبابٍ ذكرناها، لا يمكن الرهان عليه في المساعي الشغوفة بمحاصرة وإنهاك القوى المندفعة ـ كجلمود صخرٍ ـ من الهضبات الشمالية تخوفاً من صب مزيداً من النار على الزيت في هذا المنطقة المشتعلة صِراعاً وحروباً. فالقوى التقليديّة في صنعاء، وكما هو معروف، لديها مرونة فائقة في التأقلم مع كل الوضيعات والحالات، ولا مانع لديها أن تعيش في دوامة أي انهيار، وهو حالٍ اعتادت أن تعيشه بالفعل منذ سنواتٍ بعيدةٍ، ولا أدري كيف يكون للانهيار معنى أو قيمة ولطالما تفنتت باستمرار في أداء رقصتها الأثيرة على رؤوس كل الأزمات والثعابين والانهيارات.

في أسوأ أسوأ الأحوال، ستقوم هذه القوى بتجييش عشرات وربما مئات آلاف من شباب قبائلها المستعدة للحرب في أي لحظة، شبابٌ طالما كانت أرزاقهم على رؤوس طلقات كلاشنكوفاتهم. ثم لن يستعصي عليها الحصول على ممولٍ خارجيٍّ، سخيٍّ بالضرورة، وقد بات ينتظر بشغفٍ ولوعةٍ، عند طرف الردهة، لإشارة بسيطةٍ حتى ينهال بعروضه وتقديم خدماته، وليُساهم بالضرورة في دفع عجلة التوتر والتجاذبات الدوليّة في هذه المنطقة الاستراتيجيّة أكثر فاكثر.

لقد لعبت الدولة في الجنوب التي جاءت بفعل تراكم خبرات تاريخية عن طريق انفتاح هذا الجزء من العالم على الخارج، والاحتكاك المتواصل مع تجارب شعوب عديدة شرقاً وغرباً، دوراً هاماً في ضبط كثير من الايقاعات، والحيلولة دوماً دون انزلاق الأمور إلى هاويّةٍ سحيقةٍ. وحتى في أوج انحيازها للمعسكر الاشتراكي، احتفظت الدولة بمسئولياتها والتزاماتها إلى حدٍ كبيرٍ، والأهم احتفاظها بسماتها ووظائفها كاملةً، فمهما بلغت الأمور والأوضاع سوءاً وتردياً، كان يوجد هنالك ما يجعلها تبقى على الدوام ككيان دولة، ويمنعها من أن تتحول إلى مجرد "عِصابةٍ" للسطو، تقوم على تأجير خدماتها لكل من هب ودب. ومنذ الوحدة أضفت طابعاً مدنياً ومؤسساتياً على النظام التقليدي في صنعاء. لكن هذه الطابع كان يُصيب صالح وامتدادات نظامه العصبوي والعِصاباتي بالقلق والهيستيريا، فعمل على مسح ومحو كل أثاره ومكتسباته بعنايةٍ فائقةٍ، وقد وفرّت له كثيرٌ من الظروف والأوضاع الإقليمية والدولية كماً هائلاً من الأعذار والحجج لتبرير عملية المحو هذه لشركائه (الخارجيين).

اليوم، وبِما أن المنطقة تقف على صفيحٍ ساخنٍ، فإن الرهان على الانهيار الكلي في صنعاء لإنهاك القوى المغتصبة للسلطة، هو رهان لن نقول عنه خاسراً، ولكنه قد يكون غير ذا جدوى. فبدون قيام دولة حقيقية قوية في هذه المنطقة الاستراتيجيّة تحول دون انتشار هذه المليشيات وتوقف زحفها وتهديدها لأمن واستقرار المنطقة، فإن الأمور ستبقى بدون ضابطٍ أو رادعٍ حقيقي على الأرض، هي حالةً وخطيرةً في كل أوجهها وأبعادها!