اليمن: الفضيلة تنتحر!

لسنا دعاة حرب! كل من في الرياض والقاهرة واسطنبول يمنيون طيبون، متميزون بأنهم يختلفون على الوسائل الممكنة لحماية الدولة اليمنية من التصدع والانهيار، وسائلهم السلمية أبعدتهم عن بلادهم، لو كانوا آلة حرب ويملكون مرتزقة مسلحين لما خرجوا من ديارهم، وانهارت أمام أعينهم منازلهم التي رفعوا قواعدها طوال سنين العمر الماضية، كانوا سيقتلون الكثير ويدافعوا عن ممتلكاتهم ونفوذهم، ويصيرون أكثر لؤماً على الجمهورية والوحدة بتحالفهم المرذول مع الإماميين الجدد!

لسنا جبناء..نحن نملك الكثير من القيم، نخشى على كبريائنا من غطرسة أنانية تدفعنا إلى التراجع عن قرون الحضارة للغوص في غياهب العصور الوسطى وتقديس الذات الإمامية التي خرجت إلينا بحق إلهي مزعوم، دفنته عقود الجمهورية الخمسة، منذ اليوم الذي ظهر فيه الرئيس الراحل عبدالله السلال شعر اليمنيون الحقيقيون بكلمتهم الأولى وبأنهم يحكمون بلادهم بعد 14 قرناً من الغياب والتجنيد الإلزامي وراء راية قريش وافخاذها المتصارعة حول السلطة والجغرافيا وطرائق النكاح والجهاد!

إنهم يقتلوننا! ذلك ما قلناه في اليوم الأول من العدوان البربري لعصابة الحوثيين على أهالي ريف "دماج" الأبطال، لم يسمعنا أحد، وكانت تلك بداية طريق الغزو الإمامي العائد بقوة بإتجاه قبائل اليمن ورجالها، كل أعوام الجمهورية السعيدة لم تفلح في تغيير قناعات الأسر التي تحدثت عن انتسابها الشريف إلى سلالة النبي الأكرم صلوات الله عليه.

منذ أول ظهور مشؤوم لحسين بدر الدين الحوثي من أحد كهوف صعدة، ونحن نسمع مظلومية سلالته العتيقة، حدثنا عن أجداده القدامى الذين أبادتهم خلافات عيال العم في مناطق متفرقة من العالم، ومع ذلك نزف اليمنيون الكثير من الدماء في سبيل أجداده الفوضويين على مدى قرون طويلة، ولا فائدة.

لم يراعوا جميل أجدادنا الساذجين، وطلبوا منّا مرة أخرى أن نقتل بعضنا من أجل أموي لعين قتل جدهم في منطقة بعيدة عن اليمن، كنا مندهشين لذلك، لم يسأل أحد عن شأننا بما حدث؟ علاقتنا معهم لا تتعدى حدود الفهم الواضح لمعالم الرسالة الدينية الواضحة، لا وراثة، لا عصبية، لا سيادة لعرق على آخر، ومع ذلك ما زال بعض الحمقى يتحدثون عن عبدالملك الحوثي بإعجاب، حتى علي عبدالله صالح يسميه "السيد"!، ولا أدري لماذا يتزاحم الحمقى لشتمنا ونحن مظلومون، بينما يقفون في مواجهة معاصي سيدهم بتقدير يعكس ولائهم له، وليس له رصيد إنساني واحد يمكنه أن يسجل مساحة مضيئة ضمن سيرته الذاتية!

قتل عبدالملك الحوثي أكثر من سبعين ألف يمني على مدى عشرة أعوام، ثم انطلق لتتجاوز مذابحه حدود جغرافيته المذهبية متوسعاً بما يشبه حروب الغزاة التتار على مناطق المدنية الحضارية باتجاه تعز وعدن..فتك بهن وما زال يقصف إلى اليوم مختلف المناطق الواقعة تحت رحمة مليشياته المجرمة.

ماهي النقاط الفاضلة لعصابة عبدالملك الحوثي التي تجعل المرء يفخر بالإنتساب إليها، أو الدفاع عنها؟ لا شيء، هذا الرجل المريع لم يبن مدرسة، أو يهدي وردة، لم يُقبل رأساً، أو يرمم أحزان أسرة، لم يفعل شيئاً جيداً، كان باحثاً مخلصاً عن المال والثروة والخُمس، ناهباً وقحاً لسيارات الدولة والناس الذين وزع عليهم اتهاماته الفاشية، وسلبهم حقوقهم دون أن يمنحهم حق الدفاع عن أنفسهم أمام قضاء عادل، مغتصب غادر لإتفاقات السلام وعهود الأمان، قاتل مبتسم لأطفال اليمن، وفوق كل هذا ليس في رأسه شيء سوى الإستعلاء الفارغ.

نحن لا نطلب شيئاً لأنفسنا، ولا حتى الذين يرسلون صواريخهم الباسلة لتدمير قدرات الحوثيين الحربية، كل ما ننشده هو السلام..البحث عن معايير واضحة لحماية الجمهورية من رجالها الذين خانوها وأعادوا تاريخ الإمامة الأسود إلى سمائها الزرقاء.

هذه الأشهر الحُرم..حيث تنتحر الفضيلة، وكل ما نريده أن يحكم اليمنيون أنفسهم، أن تعود الجمهورية المختطفة، وترمم الوحدة الجريحة، ويعود المحاربون إلى قراهم، ويبدأ السلام الآن..الآن وليس غداً.

..وإلى لقاء يتجدد