اليمن.. التقاسم والمحاصصة تحت عنوان التوافق

ما يجري في الكويت لما يقارب الشهرين لن يصلح ما أفسده الدهر خلال عقود ولاسيما خلال الفترة الانتقالية التي أجهضت ووأدت من قبل الدولة العميقة. فحرّبُ تلدُ أخرى ونظام فاشل دأب على تدوير الفساد ليفرز توافق المختلفين حول السلطة فاختلافهم مشكلة وتوافقهم كارثة أيضاَ بحيث يؤسس لمحطة صراع مفترضة آتية.

والاشكال المحوري في اليمن اليوم لا ينبغي أن يعلق على شماعة العدوان بحيث يؤسس لحالة مجتمعية ومؤطرة بدعم دولي فقط لشرعنه الانقلاب. بضعة أسابيع مضت فلا هدنة حقيقية ولا يؤسس لسلام حقيقي. التوافق في مفهوم طرفي الانقلاب هو المحاصصة بعينها سواء أجهوية كانت أم طائفية. وفي كلا الحالتين ستنتهي لدول الطوائف ولن يقسم اليمن لثلاث دويلات إلا بعد أن يتجرع اليمنيون مرارة الحلول المرتجلة لاحتمال قيام حرب أهليه بعد انسحاب التحالف.

خطورة ما يؤسس وراء كواليس مفاوضات الكويت حق أريد بِه باطل. ففي حال تحقق فسيكون بداهة فقط على الورق لان مسوغات الواقع وطبيعة التناقضات المتراكمة والظروف الموضوعية في يمن ما بعد سقوط صنعاء لا توحي بأي حال من الأحوال بسلام حقيقي يؤسس لاستقرار ونشوء دولة مدنية مسالمة تعيش حالة توافق حقيقي ورضاء دون سياسة الإستقواء والغلبة.

المفاوضات في غايتها النبيلة تنتهي بسلام مفترض وليس بترحيل الصراع وتأجيل الخلافات. فإذا كان حوار طال أمده لنحو عام انتهى باغتصاب السلطة وسقوط صنعاء بيضة الإسلام تحت سنابك الخيل، كل هذا قبل مفردة العدوان التي كانت بمثابة طوق نجاة لطرفي الانقلاب بمكافئتهم بالمشاركة في السلطة.

اقتسام كعكة السلطة هو ملاذ الحوثيين من محاسبة وعقاب الشعب، وهو في نفس الوقت خروج مشرف للتحالف الذي شن حرباً على اليمن وهو أعجز من يحسمها.

سلام بالتوافق وبضغوط دولية هو كالزواج بالأكراه فقد يتحقق على الورق ولكن في واقع الحال لا يؤسس لسلام حقيقي. وإذا كانت العبرة بالنتائج فأي متابع وراصد للشأن اليمني لا يتوقع سلماً مع فئة متسلطة تحمل عُقد التاريخ وبأجندة الأعاجم ليكون اليمن مسرحاً لصراع السعوديين والايرانيين.

ولا أدري كيف يفكر هؤلاء المتحاورون من الطرفين وكيف بشرعيتنا المُسخ التي يفترض ان تترك الحكم للأمر الواقع خيراً وأشرف من ان تشرعنه وتكون فقط بمثابة تجميل للحكم وديكور سياسي يسكت قوى المعارضة في الداخل ويرضي الخارج.

سلام يفرض على أسنة الرماح وفوهة البنادق يتناقض مع روح القوانين وغاية السياسية النبيلة وقيم الغرب المتحضر، وصدق الكاتب والشاعر والرئيس السنغالي الأسبق سنغور عندما قال: "بينما كانت راية الحرية والعدالة والمساواة ترفرف في ربوع فرنسا، كان الظلم يٌجرى دُهاقاً في مستعمراتها..!"

خلاصة يمن ما بعد الوحدة تتمحور في شخصية طاغية عبثت بالمشهد وطوعته من أجل ديمومة نظام سياسي كان مآلاته ما نشهده اليوم من حرب ودمار يأتي في سلسلة حروب خلال نحو ثلث قرن، لينتهي تاريخه السياسي بالإتيان بميليشيا. لطالما انهك الاقتصاد اليمني وقتل النفس المحرمة عبر سلسلة حروب معهم. وهنا السؤال الذي يطرح نفسه: كيف تحالف هؤلاء الذين اغتصبوا السلطة مع صاحب سجل في الفساد وثاروا عليه وحاربهم ستة حروب؟

الم يفكر اليمنيون في "كوكتيل" السلطة المُرتقب والذي يجمع المتناقضين في مجتمع مسلح ومتخلف ويعيش حالة عوز وفقر مدقع كيف سيكتب لهذه المحاصصة النجاح في ظل كل هذا التناقضات المتراكمة؟

من ينادي بسلام بأي ثمن هو فقط يستغل حالة المعاناة الشعبية وحالة الإحباط التي سادت عامة الشعب وسيكون مثل حالة الطبيب الذي قال كانت العملية ناجحة لكن الطبيب قد توفى، والمتوفي هنا هو الدولة المدنية التي طالما تغنى بها القومجيين واليساريين والمتأسلمين من الإسلام السياسي بشقيه. المتوفي هنا هو حالة التوافق المُسخ التي تأتي بعد خمس سنوات عجاف من ثورة الربيع العربي وأكثر من خمسين سنة من ثورة سبتمبر التي قضت على الحكم الملكي ونحو قرن من الزمن لتأسيس الدولة اليمنية ينتهي المشهد اليمني بحالة لا سلم ولا حرب، وليس الأمر سينتهي بهكذا حالة وإنما هو في حقيقة الأمر حالة المنزلة بين المنزلتين ولكنها كموقد جمر تحت الرماد وسينفجر كبركان حقد يغلي عاجلاً أو آجلاً.

فالإشكال السياسي في مأسي اليمنيين المتوالية تكمن في عدم استيعاب واقعهم من جهة وكذا عدم اتعاظهم بحالات سابقة لا زالت تداعياتها ليومنا. هذا فتجريب المجرب ضربا من الحماقة.

البعض يصف تقاسم السلطة على هذا النحو بأنه حل الضرورة، وقد يكون حالة مؤقتة. ولكن الم يتعظ اليمنيون من حالات محاصصة كانت بمثابة بؤر متفجرة زماناً ومكاناً في بلدان عدة. فلبنان مضى لها عقوداً وشرعنة هذه الحالة سوى قبل الحرب الأهلية في نهاية خمسينيات القرن الماضي او حرب السبعينيات والتي انتهت باتفاق الطائف، فقد غدا التقاسم إسماً ولكنه يعكس واقعا طائفيا صارخا، وهو الحال نفسه في عراق ما بعد سقوط بغداد، فيراد ليمن ما بعد سقوط صنعاء نفس محصلة ما حدث في بلاد الرافدين.

وعليه الم يتعظ اليمنيون من نماذج التقاسم الماثلة في تجارب فاشلة امامه؟ وكانت بمثابة بؤر متفجرة زماناً ومكاناً في بلدان عده.

فالمرحلة الانتقالية الأولى غداة الربيع العربي المشوه في اليمن والتي حملت بذور فنائها في مضمون المبادرة الخليجية بمنح صلاحية للرئيس السابق فتقاسم السلطة مع المعارضة بكل أطيافها. فاليوم سيدخل عنصر ثالث مسلح ومؤدلج هو ميليشيا الحوثي والذي ساهم الرئيس هادي بأكبر أخطائه عندما أدخلهم الحوار وهم مجرد ميليشيا مسلحة ولم يرتقوا لحزب ليومنا هذا. فكيف من يدعي الشرعية أن يفاوض جهة انقلابية ويتقاسم مع السلطة لمجرد ضغوطات دولية. فالأحرى أن تتنحى هذه الشرعية وتدع الانقلاب يواجه مصيره مع الشعب بدون الالتجاء لما يسمى بالمجتمع الدولي أو الإقليم الذين في نهاية الأمر لا يهمهم سوى أمنهم الإقليمي.