اليمنيون يودعون عاماً حافلاً بالمأسي

كان العام المنصرم عام ذروة احداث تداعيات الربيع العربي في نسخته اليمنية فقد تفتت الدولة اليمنية وبرزت ميليشيات مسلحة قفزت على الإجماع اليمني الحوار الوطني وهو احد استحقاقات المبادرة الخليجية السيئة الصيت والتي لم يستفد منها سوى نظام الرئيس صالح وجماعته واسرته ومعاونيه او ما يسمى بالنظام الحالي (هادي) والذي في حقيقة الامر لا زال يمارس دور النائب خلال الثلاث السنوات الماضية وفي الشهور الماضية مجرد محلل وغطاء لمليشيا الحوثيين الذين فرضوا سيطرتهم بقوة السلاح وبعملية انقلابية وغداة سقوط صنعاء المدوي وفق مسرحية سيئة الاخراج كان ابطالها الرئيس السابق والرئيس هادي، وكانت قرارات الحكومة السابقة برفع الدعم عن المشتقات النفطية بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير كما يقال وكانت الجرعة القاتلة والتي ادخلت اليمن في فصل جديد من الحروب المستمرة لقد استغل هؤلاء الفاتحون الجدد آهات وأوجاع الشعب المعاشية ليفرضوا امراً واقعا، وما يسمى باتفاق السلم والشراكة، هو مجرد مطية لقضم السلطة قطعة قطعة، ومنذ ذلك الاتفاق السلم والشراكة لم نرى سلما ولا شراكة!

خلال الشهور الماضية بل سقوط مدن والاستيلاء على مؤسسات ونهب معسكرات وسط ذهول وتبلد الرأي العام من خذلان الجيش العرمرم الذي يصرف له ثلث ميزانية الدولة على حساب قوت المواطن وصحته وتعليمه، ولم يكن ذلك لولا تواطؤ النظام السابق الحالي فكلاهما الرئيس صالح والرئيس هادي والطائرة بدون طيارة يساندون هذه الجماعة المارقة.

واللافت أنهم لم يشاركوا في الحكومة التي تأخرت أسابيع بحجة رفضهم المرشح السابق ورغم انه بإمكانهم الإطاحة بالرئيس هادي الا انه يبدو أنهم قد اختلفوا مع تيار الرئيس السابق لمرحلة ما بعد الانقلاب المرتقب حول لمن تكون الغلبة فصالح يشعر بأن الجيش وبعض وجهاء القبائل موالين له ومن يسمون أنفسهم بأنصار الله يعتقدون بأنهم في أوج قوتهم ولديهم شعبية ضمن الأقلية الزيدية التي استغلوا من خلالها فقر المواطن في تلك المحافظات الزيدية ونقمته من الفساد المستشري في الدولة وضعفها.

ومن هنا لا يعول احد من كل الأطراف الثلاثة هادي والحوثيين وصالح, وتقاعس الحوثيين من اتخاذ خطوة قادمة لاستلام السلطة كاملة عندما شعروا بحجم التحديات الاقتصادية المباشرة التي واجهتهم كأهم مستحقات المسؤولية، فالسلطة غير المعارضة وأخلاقيا هي مغرم قبل ان تكون مغنماً.

فالفاتحون الجدد فرضوا رؤية طائفية بعد اجتياحهم صنعاء بعملية انقلابية صارخة على سنابك الخيل ومن فوهة البندقية وإعادة اليمن للمربع الأول بدلا من تنفيذ مخرجات الحوار الوطني التي غدت شماعة لكل اللاعبين في المشهد السياسي ونتيجة لسوء إدارة الدولة الفاشلة وإخفاقها في التحول لما بعد الفترة الانتقالية وتفشي الفساد والفوضى وضعف أداء الحكومة السابقة فقد كان ذريعة لهؤلاء الفاتحين الجدد ليقفزوا على الإجماع وقبل فترة من الاستفتاء على الدستور المقترح ورغم تقدم أنصار الله وتحقيق انتصارات ولكنها في حقيقة الأمر لا تخدمهم ولا تخدم اليمن فهم لا يُقدِّرون عواقب تمددهم ويتصرفون في الغالب بعيدا عن منطق العقل لقد أخذتهم العزة بالإثم وصفوا كل خصومهم بطريقة بشعة لا أخلاقية وينطلقون كل يوم بغرور وثقة لا مبرر لها ولسان حالهم ولسان حالهم لن نُهزم اليوم من قلة وقد يصحون من سكرة الانتصارات ليروا كل أحلامهم كانت مجرد سراب فواقع اليمن يختلف عما يخططون له فهم أقلية ضمن أقلية مذهبية حيث يشكل أتباع المذهب الزيدي نحو ربع السكان ناهيك على ان اغلب هذه المناطق الزيدية لا تحبذ تصرفات الفاتحون الجدد!

بأي حق ينصبون أنفسهم أولياء على أغلب الشعب، يفكرون بعقلية القرن التاسع عشر فالعالم في عصر العولمة غدا العالم قرية واحدة وبفضل وسائل التواصل والميديا غدا العالم يحصي كل تجاوزات وإخفاقات وسلوكيات.

كانت كذبة اتفاق "السلم والشراكة الوطنية" مجرد تغطية لشرعنة تحركهم لإيهام الرأي العام والعالم بأن اليمن يلج لمرحلة سلام وتوافق جديدة والحال عكس ذلك بل بدأت الفتوحات والمحافظات والمنشات الحكومية تسقط واحدة بعد الأخرى، وكان نظام الرئيس هادي يمثل أيضاً غطاء لهذه الممارسات بعد مساعدة صالح وفي الحروب في رداع كان كل من جيش صالح ودولة هادي والطائرة بدون طيار تساند جماعة الحوثي!

والمتابع اللبيب والراصد لمآلات الربيع اليمني وضبابية الرؤية للواقع المزري لليمن ومخاطر الانزلاق لحرب أهلية، التي ضحى اليمنيون بحصانة لم يحلم بها أي دكتاتور عربي لمن عبث بدولتهم ثلث قرن من الفساد المطلق لا يمكن ان نفسر ما جرى ويجري في المشهد السياسي اليمني في الشهور الأخيرة بمعزل عن استراتيجيات إقليمية ودولية والسعودية تحديدا التي كان موقفها في الشهور الأخيرة موقفاً مذهولاً لأنهم لم يدركون في سنوات الربيع العربي الأربع الماضية ان مشكلة اليمن هي اقتصادية أكثر منها سياسية ومن هنا فقط كانت إيران أكثر ذكاء وحنكة من غباء هؤلاء الذين بالفعل غدو بين فكي الكماشة الإيرانية من ثلاث جهات الشرق ايران والعراق واليمن. فهم لا حول لهم ولا قوة فهم واقعون بين مصالح ايران واميركا التي اتفقت على وصول الحوثيين للسلطة.

والحوثيون انفسهم لا شك انهم استفادوا من القضية الاقتصادية والفساد الإداري والقضائي واستغلوها أحسن استغلال فربما كان إعلان الجرعة باتفاق مع حكومة هادي السابقة او ركبوا موجتها لان أوجاع الشارع تكمن في مفردة الاقتصاد وسوء الإدارة وفسادها.

خلال نحو ثلاثة أشهر تمكن الحوثيين ان يبسطوا سيطرتهم على معظم المحافظات الشمالية تقريبا، ما عجزوا عنه في أكثر من عشر سنوات، وكانوا في دماج المدينة الصغيرة بمحافظة صعدة التي استعصت عليهم لسنوات بينما فتوحاتهم اليوم على مدار الساعة وبالطبع لم يكن ذلك لولا تواطؤ الرئيس السابق والجيش الذي لا زال موالياً له.

ولكن اللافت رغم هذه الانتصارات الشكلية على الأرض فقد خسروا أخلاقياً، ولم يقتصر التذمر والاستياء لدى النخب الثقافية والحقوقين والإعلاميين والناشطين السياسين.

وذلك بسبب تلك الانتهاكات المتزايدة ولا يقتصر ذلك فقط على خطباء المساجد المفروضين ولكن تحركهم خارج القانون وتحولهم لدولة داخل دولة رغم انهم لا يحبذون تحمل المسؤولية كاملة فالظروف مواتية لهم في حال رغبتهم ولكنهم يميلون للسيطرة وليس للسلطة المباشرة والمسؤولة، أو إضافة إلى ممارسات سلطة الضبط والإحضار والاعتقال والإخفاء القسري للمعارضين، بل وثقت المصادر الحقوقية والمستقلة جرائم قتل خارج القانون، واقتحام بيوت الخصوم السياسيين وتفجير منازل المخالفين، وما سبق ذلك وما رافقه من استيلاء على مؤسسات الدولة ونهب المعسكرات!

اللافت هنا بأنهم في الوقت الذين يصورون للعامة والسذج عداوتهم لأميركا ولكنهم في واقع الحال يخدمونها وينسقون مع إيران التي هي نفسها غدت سياستها تتماهى مع إستراتجية الإدارة الأميركية منذ وصول روحاني للسلطة، ومن هنا فالضحية هنا ليس فقط اليمن والحوثيين بل وحتى دول الخليج التي غدت بين كماشة ايران من اغلب الجهات، وهذا التماهي شكل المشهد السياسي اليمني بعد سبتمبر الماضي عبر تنسيق اميركي ايراني كما يقول الدكتور الارياني في مقابلته الشهيرة لصحيفة يمنية: تفاوضنا مع الحوثيين في صنعاء وقُبِل النص في صعدة وأرسل إلى طهران ثم ذهب إلى مسقط ومن مسقط عاد إلى صنعاء!

كان تحالفهم مع عدوهم السابق ومن قتل السيد حسين الحوثي تكتيكاً لا أخلاقياً فالسياسة غلبة الايدولوجيا والعقيدة عند أنصار الله واعتمدوا على حليف صاحب سجل فاسد وملوث بجرائم لا تحصى وسخر موارد البلد لصالحة وحاشيته وافقر الشعب وجعل هذه الدولة الغنية بمواردها النفطية والغازية والبحرية تعتمد على التسول والدول المانحة، ومن هنا فهذا التحالف المشبوه ليس في صالحهم ومن تحالفوا معه، وهو بداية لتراجعهم وتقهقرهم، ناهيك عن سلسلة من التجاوزات اللا أخلاقية مهما حاولوا تحسين صورتهم، بالطبع كل تصرفاتهم التي يوهمون السذج بأنها من اجل محاربة الفساد قد تؤثر في البعض والاخر فالبندقية افصح من أي لسان لأنهم أصلا أتوا بهذه الطريقة الانقلابية.

الإشكال ان كلاً من الطرفين اختلفوا ما بعد الانقلاب النهائي المرتقب فكل يرمي ان تكون له الغلبة، فصالح يعتقد بأن حزبه يضم خبرات وتكنوقراط، وهم في واقع الحال لصوص ومرتزقة ليس إلا، ولا زالت قطعات من الجيش بيده رغم انه قد سلب معظمه وأنصار الله من وجهة نظرهم يعتقدون بأن المرحلة مؤقتة وهكذا الكل يضحك على الكل والضحية الشعب الذي غدا حقل تجارب لحماقات صالح وحلفائه الجدد.