اليسار عند احتلال الوطن.. يقاوم أم يساوم؟

لم يقتصر الموقف من الغزو الأجنبي، على قناعات أو عقائد الأحزاب والمفكرين والأجزاء الطليعية في شعب معين، ولا على يسار أو يمين. فمقاومة هذا الغزو، كان وما يزال موقفاً عاماً، أقرته كل المبادىء التي عرفها الإنسان، وصارت حقاً معترفاً به، وواجبا كذلك.
لكننا آثرنا أن يتناول هذا العرض والتحليل، مواقف اليسار عموماً، وفي العراق تحديداً، من موضوعة مقاومة الغزو الأجنبي.
إن أدب المقاومة، هو صنف هام من الآداب، وأصوله عريقة في أدبنا العربي، من ناحية تحفيز النضال دفاعاً عن الحق العربي ضد الغزو والأجتياحات.
إذا كان أدب المقاومة معروفاً عندنا، فهل يوجد أدب الخيانة؟ أقول نعم، فهو الفكر الذي يسمح به الغزاة، إنه الفكر الذي يقبل بالغزو قبل وقوعه، ثم يسانده أو يبّرره بعد وقوعه، ثم ينتهي الى تسفيه كل قيم النضال الوطني والقومي والاممي.
من المصادر المهمة التي تناولت ادب المقاومة، كتاب بعنوان "أراغون" تأليف سامي الجندي. ومعروف أن أراغون هو شاعر فرنسا الشيوعي المقاوم.
ورد في هذا الكتاب، إن جورج بوليتزر، كتب في مجلة "الفكر الحر"، الممنوعة من الاحتلال النازي ما يلي: "لا يستطيع التعبير عن نفسه غير فكر واحد: الدعوة للأمبريالية الغازية وخدامها. الأدب الفرنسي مسموح له بالظهور، اليوم في فرنسا، الأدب الشرعي يعني أدب الخيانة. غير أن ذلك، لم يمنع الحزب الشيوعي الفرنسي من أن يضع خطة حكيمة ماهرة للمقاومة الفكرية من جهة، ويجذب المفكرين ناحية الحزب الشيوعي، من ناحية أخرى."
ولنا أن نتساءل، قبل الاستطراد في التفاصيل، أية خطة وضعها الشبيه الشيوعي العراقي؟
في هذا العرض، أقدم للقارئ، الصورتين المتناقضّين تناقضاً صارخاً: المقاومة – والخيانة، الثبات – والردة... ويستطيع القارىء أن ينتقل، في لقطات عديدة، ومن زوايا مكانية وزمانية متنوعة، لرؤية أحداث الأمس واليوم. لكن المطلوب منه، أن ينتهي إلى تبين الغث من السمين، والصادق من الزائف.
***
نتناول هنا، مواقف اليسار من مقاومة الغزو الاجنبي بصورة خاصة. لكن ما يهمنا أيضاً هو أن يتصل الماضي بالحاضر، ومقاومة الأمس بمقاومة اليوم.
فالمقاومة المعاصرة، لها روّادها ومبدعوها الذين وضعوا اليد على مكامن الخطر، ثم أشاروا إلى مصادر أسلحة المقاومة، في عصر صار فيه الغازي المحتل ليس جيشاً لبلد معين، بل هو نظام الهيمنة الإمبريالية العالمية، الذي تصدرته أمريكا.
ولنأخذ على سبيل المثال، أحد رواد ثقافة المقاومة المعاصرة هذه – أدوارد سعيد، ونتوقف عند وصف الناقد الأكاديمي الأردني محمد شاهين بدوره في المقاومة المعاصرة حين قال عنه في جريدة "القدس العربي"، الصادرة في 19/8/ 2005: " ماذا تعني الثقافة أذن، أو ماذا تعني المقاومة، بصورة أدق، ماذا تعني ثقافة المقاومة؟ ربما نقول بادىء ذي بدء، ماذا يجب أن لا تعنيه ثقافة المقاومة... عند أدوارد سعيد؟
إننا لو أردنا، على سبيل المثال، أن نضع عنواناً موازياً، أونصاً موازياً لكتابه " العالم، النص، والناقد" .. لقلنا: " العالم، المقاومة، والمقاوم".
إذ ان إدوارد سعيد عندما نادى بضرورة وجود علاقة حتمية بين العالم والنص والقارىء،كان يؤمن بوجود مثل هذه العلاقة بين الاطراف الثلاثة الاخرى،كي لاتبقى المقاومة مثل النص المجرد والمنفصل عن منتجه.." في تاريخ المقاومة عرفت كل الشعوب التي تعرضت للغزو الاجنبي، ضروبا رائعة في المقاومة الوطنية للغزو. ويسجل تاريخنا الحديث، مآثر الشعب العراقي، المعروفة في هذا الميدان، وابرزها دروس ثورة 30 حزيران 1920 ضد الاستعمار البريطاني، التي كانت احد نماذج حرب الانصارالبالغة الاهمية، في جوانبها السياسية والاجتماعية، وكذلك في الفن العسكري الذي ابدعه الثوار خلالها.
ومن العلائم الواضحة الان، ان مقاومة الشعب الفلسطيني الباسلة الصابرة، طيلة اكثر من 70 عاما، صارت تتواصل وتتلاحم مع مقاومة الشعبين اللبناني والعراقي، لمواجهة عدو واحد واطماع موحدة وتنتهج اساليب متشابهة.
والشعب الليبي، احد تلك النماذج المشهودة في التاريخ العربي، حين قاد مقاومته ضد الغزو الايطالي، الشهيد عمر المختار، كما هي مقاومة الشعب الجزائري، بقيادة منظمة التحرير واحمد بن بيلا ورفاقه، والشعب اليوغسلافي بقيادة يوسف بروس تيتو، والشعب الفيتنامي بقيادة الحزب الشيوعي الفيتنامي وهوشي منه والجنرال جياب ورفاقهما.
عام 1937، غزت اليابان الصين. وكانت تدور في الصين آنذاك، حرب أهلية بين الشيوعيين وحكومة الكومنتانغ اليمينية بقيادة جان كايشك.
بدون أي انتظار، تحوّل الحزب الشيوعي الصيني إلى الدعوة للجبهة الموحدة لمواجهة الاحتلال الياباني، جبهة تشمل كل الصين، بما فيها حكومة الكومنتانغ العدوة.
لم تتحقق تلك الجبهة رسمياً، بل على أرض الواقع، ولم ينتظرها الحزب الشيوعي الذي شرع بتنظيم مقاومة الشعب للاحتلال.
قتل من الصيينين في تلك الحرب الوطنية، أكثر من سبعة ملايين شخص بينهم نسبة عالية من الشيوعيين.
يخبرنا التاريخ الحديث، ان الفرقة الدولية (الأممية)، تأسست في خريف عام 1936 للدفاع عن الجمهورية الأسبانية التي أطاح بها، بالسلاح وبالغدر العالمي، فرانكو في 18 تموز 1936.
ضمت الفرقة الأممية، قادة ومفكرين وأدباء وشعراء من كثير من العالم، بينهم الشاعر الألماني غوستاف ريجلر وبابلو نيرودا وكوستلرواهر نبورغ وهمنغواي ومالرو، الذي نظم وقاد سرب طيران.
ونعيد السؤال ماذا فعل الشبيه الشيوعي العراقي؟ مع المقاومة الفرنسية كلف موريس توريز، قائد الحزب الشيوعي الفرنسي، الشاعر الشيوعي اراغون، بإصدار جريدة "سوسوار"، دفاعاً عن القضية الأسبانية. وقبل ذلك كتب اراغون، حينما دخل هتلر براغ في 16/3/1939 مايلي:
" ... يكفي هذا الكذب، يكفي هذا الكذاب. إننا لا نريد أبداً ذلك الذي يقدّم لنا كل نظريات العدو على إنها معقولة".
وفي ليلة رأس السنة 1939، كتب اراغون: "أتمنى الصلح الذي يزيل ذكرى ميونيخ من أركانها. ولئن كانت أعادة السلم، تتطلب، كما في أيام نابليون حرية العالم، ان نقاوم والسلاح في أيدينا، أولئك الذين يريدون أن تركع فرنسا، وتنحني اكثر، فمن منا الذي يرهب ذلك؟". هذي الطريق أعيدها! تابعت مسيرة الردة لبعض مناضلي اليسار في العراق، كيف بدأوا يتهاوون على مدرجات الأنحدار السياسي والأدبي والأخلاقي.
لكن ما أثار أهتمامي، هو تسارع بعض متقاعدي اليسار، للانخراط في النشاط الفكري والإعلامي والانتخابي في "عملية الاحتلال السياسية."
هم سلكوا طريقاً جديداً، مختلفاً عن ماضيهم. وقد يظنون إنهم يعيدون نفس الطريق. وهنا احتمل درجة عالية من الغباء، ومن توافر حوافز الركض وراء الانتفاع المادي أو الشهرة الزائفة، في أغلب الأحوال، عند هؤلاء.
لكن طريق النضال الصادق له من يواصلونه او يعيدونه.
أنشد اراغون قصيدة بعنوان: "نشيد الذي مات تحت التعذيب"، واعتبرت هذه القصيدة مرثية لعامل مات في السجن تحت التعذيب إسمه جبرييل بيري، وغدت نشيداً شعبياً تلتف حوله الأصوات التي ترفض الأحتلال. تقول القصيدة:
"إذا وجب عليه أن يعود
هل يراجع ذلك الطريق؟
الصوت الذي يصعد من الأصفاد
يقول أراجعه غداً
أموت وتبقى فرنسا
غرامي ورفضي
يا أصدقائي إذا مت
سوف تعرفون لماذا"
سمعنا في السجون العراقية، في مطلع الخمسينات من القرن الماضي نفس القصيدة ترجمها شاعر عربي، أتذكر منها الأبيات التالية:
"صوت يرن من الحديد
يحدث الجيل الجديد
هذي الطريق أعيدها
ان كان يمكن ان اعيد"
*** المقاومة السوفييتية لابد أن نشير، في عرضنا هذا، إلى مأثرة المقاومة في بلاد السوفييت. فهذه المقاومة واجهت الاحتلال الألماني النازي، منذ بدايته في 22 حزيران 1941 حتى تحرير الأرض السوفييتية منه. فكانت تلك المقاومة، واحدة من أروع صور المقاومة الوطنية للغزاة الأجانب.
لم يستغرق الاحتلال النازي لبعض دول أوروبا سوى أيام معدودات، لكن غزوه للاتحاد السوفيتي، أستغرق نحو ألف يوم، لم يواجه فيها الجيش السوفيتي الرسمي وحده، بل المقاومة الشعبية على شكل حرب العصابات وتقديم الفداء، ضد غزاة قساة يندر إن عرف التاريخ الإنساني مثيلاً لهم في الماضي.
بعد الغزو، كان من ابرز الشعارات التي صاغها الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي، للمواجهة، هي: "كل شيء للجبهة.. كل شيء للنصر" و"العدو سيحطم والنصر حليفنا" و"لاخطوة الى الوراء"!
وتحت قيادة الحزب، تم تشكيل 6200 مجموعة من المقاتلين الانصار، تجاوز عدد افرادها مليون مقاتلا، دمرت الالوف من دبابات واليات العدو واسقطت طائراته.
وفي فترة الحرب الوطنية، شارك في مقاتلة العدو 9 ملايين شيوعي من اعضاء الحزب، استشهد منهم اكثر من 3 ملايين في حين فقد الشعب السوفيتي ما بين 27-30 مليون مواطن.
وجدير بالذكر ان قيادة الحزب، خصصت 60% من قادة وكادر الحزب للجيش ولقوات الانصار، كان بينهم 54 عضوا او مرشحا لعضوية اللجنة المركزية للحزب.
إن احد دروس تلك المقاومة، إنها تساعدنا في أدراك وتلمس الطاقة الهائلة للطبيعة الإنسانية، حين توجه نحو الطريق السليم، وحين تستند إلى قناعات الناس وحماستهم.
إنها توصلنا إلى قناعة، بأن حماس الناس في التصدي لغزاة الوطن، وقت المحن والشدائد، لا تقف أمامها أو تعيقها مثالب وأخطاء القيادات. في تلك المقاومة، قدم الملايين من سكان شعوب الاتحاد السوفييتي حياتهم، فداءً لاستقلاله، ولطرد الغزاة عنه.
عن تلك المقاومة الباسلة، صدر الكثير من الكتب والأفلام السينمائية والمسرحيات، وغنى لها الشعراء وأبدع في وصفها الفنانون، وأقيمت النصب التذكارية لأبطالها، وحصلت عشرات من مدن المقاومة وسام "المدينة البطلة".
بعد التحرير ظهر نوع متميز في الاتحاد السوفييتي من ثقافة المقاومة ومن أدبها، كان وسيظل مصدراً ثرياً، يثير فينا حماسة المقاومة ويثري تجربة جيل المقاومين العراقيين الفتي.
في تلك الحرب الوطنية استشهد الملايين من الوطنيين السوفيات، كان بينهم ملايين أيضاً من أعضاء الحزب الشيوعي، من كل القوميات والأديان ومناطق البلاد، حفزتهم عقيدتهم أن يعتبروا الدفاع عن الوطن أمام غزاته من أولى واجبات عضو الحزب الشيوعي.
فماذا كان موقف مثيلهم في الحزب الشيوعي العراقي؟ اليسار الأيطالي والمقاومة العراقية كنت قد نشرت في 7/8/2003، مقالة بعنوان: "آخر صرعات العولمة - شيوعية الاحتلال"، تناولت فيها موقف الحزب الشيوعي العراقي تجاه الأحتلال، من وجهة نظر اليسار الأيطالي، أعيد هنا بعض فقراتها:
"كتب الصحفي الأيطالي روبرتو سارتي مقالة في 2/7/2003، قال فيها إن الصحيفة الإيطالية اليومية المانيفستو الصادرة في 22 حزيران، كتبت تقول: على الحزب الشيوعي العراقي أن يأخذ الأمور بيده، بأن يحمل السلاح ويوقف جميع اللصوص. ولكن بدلاً من ذلك فهم يقعدون في مكاتبهم فماذا ينتظرون؟
للأسف ليس لزعماء الحزب الشيوعي النية في إتباع هذه النصيحة. وفي الناصرية، مدينة فهد الخالد، مؤسس الحزب الشيوعي، عبر سكرتير منظمة الحزب هناك قائلاً بأن الجميع ضد الاحتلال، ولكنه أمر واقع!وعندما تصبح لنا حكومة، عندها يمكننا التفاوض سلمياً حول رحيلهم (رحيل الأمريكان)!
هذا سلوك قانوني بالكامل، عندما تصبح لنا حكومة!
يتجاهل هذا السكرتير أن أي حكومة ستسمح لها الولايات المتحدة بالوجود، ستكون مجرد بيدق بيد الأمريكان... فلن يكون بالأمكان إرساء حكومة شعبية حقيقية إلا عندما يجبر الأمريكان على مغادرة البلاد. وإن الجماهير هي الوحيدة القادرة على إنجاز هذه المهمة.
لم يكن ذلك مجرد رأي عابر كتب خارج العراق.انه صرخة مدوية عسى ان تسهم في إعادة الوعي والصحوة للنيام أو المغفلين الذين يسيرون وراء هذا النمط من قيادات تصر على دفع العراق نحو الهاوية".
انتهى ما كتبته قبل ما يزيد عن عامين.لكن الوقائع اللاحقة أظهرت إن تلك القيادات لم تكتف بمجرد الجلوس في مكاتبها بانتظار شفقة المحتل، بل تحولت إلى عضيد يناصره وتلاشت أماني المخلصين بإعادة الوعي والصحوة لهم.
***
الشيوعية الإيطالية جوليانا سفرينا، تعمل صحفية في نفس الجريدة اليسارية التي تحدثنا عنها أعلاه (المانيفستو).غامرت جوليانا بحياتها دفاعاً عن الحقيقة في العراق، ولفضح جرائم الأحتلال فيه.
كتبت جوليانا مقالاً عنوانه "لقد أصبحت الفلوجة رمزاً للمقاومة ضد الاحتلال الأمريكي".
نكايةً بهذا الموقف، تعرضت لأختطاف مدبر دام شهراً، وأطلق سراحها في آذار الماضي، ثم نجت بأعجوبة من القتل العمد وهي في طريقها من الأعتقال إلى مطار بغداد.
أفتداها بنفسه يوم 4 آذار 2005، كاليباري، ضابط المخابرات الإيطالي الذي كان يرافقها!
يجدر بنا ان نذكر ان جوليانا سفرينا اصدرت كتابها عما اصاب العراق بعنوان "في جبهة العراق – يوميات حرب دائمة". ومن اجل تأليف هذا الكتاب، عرضت حياتها للخطر.
وقالت سفرينا، عند عرض الطبعة العربية من كتابها في الجزائر:
"ان الامريكان لايريدون ان يكون هناك اعلام حقيقي عن الحرب في العراق، لانهم يدركون بأنها حرب قامت على كذب ويفعلون كل شيئ لعرقلة عمل الصحافيين." اليسار الدنماركي والسويدي في 15 آذار 2005، نشرت جريدة "مترواكسبرس" الدنماركية، تصريح يورن اندرسون عن المنظمة الدنماركية للاشتراكيين الأمميين، قال فيه: "انهم يطالبون بمساندة المقاومة العراقية ضد الأحتلال. وتعتبر المنظمة ان الجنود الدنماركيين الموجودين في العراق مع (قوات التحالف)، هم هدف مشروع للنضال التحرري للعراقيين، شأنهم في ذلك، شأن الجنود الألمان عند احتلالهم للدنمارك".
كما ذكرت الجريدة، ان وزير الدفاع الدنماركي رون كاد، قد أصيب بالهستيريا أثر ذلك التصريح... وكان اندرياس نوخراسموسن، رئيس وزراء الدنمارك، قد زار العراق يوم 17 آذار 2005، لتطمين قواته هناك، حيث يعارض وجودها الشعب الدنماركي، وخاصة الشيوعيون والاشتراكيون، كما ذكرنا.
***
في السويد حيث تعيش نخبة من مئات المناضلين الوطنيين والقوميين العراقيين والعرب، من كل الاتجاهات، كان لهؤلاء شرف الاسهام مع الرأي العام السويدي في فعالياته المأثورة لنصرة العراق.
كرست تلك الفعاليات، لفضح الحصار على العراق وتجويع شعبه، والتهديدات بالحروب، ثم لاجتياحه وتدميره.
لجأ منظموها الى تحشيد التظاهرات الجماهيرية الضخمة والى وقفات الاحتجاج في الشوارع، حتى عند تساقط الثلوج وهطول الامطار .. نظموا الندوات وكتبوا في الصحف واجهزة الاعلام الاخرى، جمعوا التبرعات وارسلوا موفديهم للتضامن مع العراق المحاصر والمهدد.
هكذا كان صوت السويد مرتفعا في كبريات مدنها. وكانت احدى مآثرهم، انهم سعوا لمنع التجاوز على حياد السويد، او التلاعب على دورها الرسمي المسالم.
في كل تلك الفعاليات، كان اليسار السويدي، العقل الموجه واليد المحركة فيها . وخاصةً الحزب الماركسي –اللينيني وحزب الخضر وحزب اليسار (الشيوعي سابقا)، وشطر مهم من مناضلي الحزب الاشتراكي الديمقراطي الحاكم، وممثليي الكنائس وشخصيات ثقافية وفنية كثيرة. اليسار العربي والمقاومة العراقية لا تفوت أجهزة الأعلام التي تدعي تمثيل اليسار العراقي، أو تصريحات بعض قادته، أية فرصة للأدعاء بأن الأحزاب الشيوعية والعمالية، وحركات التحرر العربية والعالمية، تتضامن، كما في السابق، مع مواقفها الراهنة، التي مهدت لأحتلال العراق ثم ساندته وكانت في خدمته.
تناولنا ما يدحض تلك الادعاءات، في بلدان كثيرة. وما يهمنا هنا، تبيان مواقف الفصائل الأساسية والفعالة، في الحركة الشيوعية، في الوطن العربي.
في 21 آب (أغسطس) 2004، وجهت ستة فصائل شيوعية عربية وهي:
الحزب الشيوعي السوري
حزب الشغيلة الأردني
الحزب الشيوعي الفلسطيني
الماركسيون اللنينيون اللبنانيون
الحزب الشيوعي المصري
الشبيبة الشيوعية اللبنانية،
مذكرة مفتوحة إلى الحزب الشيوعي العراقي قالت فيها:
" .. جاء انهيار الاتحاد السوفيتي، ليكشف العفن المستشري في العديد من قيادات الأحزاب الشيوعية العربية والذي تميز بارتدادها عن مبادىء الماركسية- اللينينية، في أصعب الظروف.
إنه لمما يحزن كل وطني غيور، إن يرى الحزب الشيوعي العراقي يتربع كعضو في ما يسمى مجلس الحكم، الذي يجمع كل العملاء وكل من دخل العراق على ظهر دبابة.
ان هذا المجلس، ليس المكان الصحيح لورثة الشيوعيين الأبطال، وبالذات القائد الشيوعي الرفيق فهد، الذي ضحى بحياته مع الألوف من الشيوعيين الشرفاء في زنازين القهر والتعذيب...
مهما كانت الأعذار والمبررات، فان الثقة بإمكانية تحرير العراق سلمياً، وبالتفاهم مع المحتل،يتنافى مع فهمنا للأهداف الحقيقية، فهم جاءوا إلى المنطقة، وصرفوا المليارات، ليبقوا، ولن يتم إخراجهم إلا بالقوة. فواهم من يعتقد بغير ذلك.
إن الشيوعيين في جميع أنحاء العالم، مع جميع شرفاء العالم، يتوجهون إلى كل من يتواجد من شيوعيي العراق في مجلس الحكم، إن يتركوا هذا الموقع الخياني، وان يلتحقوا في صفوف المقاومة العراقية الباسلة.."
لقد أتينا على أبرز النقاط في هذا النداء العربي المسؤول، الموجه إلى الحزب الشيوعي العراقي. ونحن نعتز به ونثمنه.
ونقول أيضاً إنه يمكن ان يتوجه إلى قواعد الحزب الشيوعي العراقي وأصدقائه، وإلى الذين صوتوا له، حين جرى خداعهم والتغرير بهم.أما مخاطبة القيادات فنقول:
لقد أسمعت لو ناديت حياً *** ولكن لاحياة لمن تنادي اليسار والثقافة العراقية تقاومان نعم ارتدت قيادات، وارتد بعض المثقفين العراقيين، كما في بلدان أخرى. بعضهم ركض وراء الغازي المحتل وأعوانه. لم تكن تلك، سوى الصورة السوداء العابرة، من صور الثقافة العراقية، والجزء المتعفن فيها.
في تاريخ العراق سجل عريق، في مقاومة الغزاة، مثلما في الجزائر وفلسطين، وفي كل دنيا العرب.
لقد كرست أنظمة الاستبداد العربية، وغيرها، صفة المثقف الجبان، الخانع الذليل، وتصدت لمن يرفض، بهدف قهره. والغريب ان يعلن التنديد بهذه الصفات الذميمة، حملة ثقافة الاحتلال الأجنبي، وصحافته وإعلامه، الذين هيأوا لاحتلال بلادهم وسوغوه ثم دعموا استمراره.
فهل يوجد يسار رافض؟
عبر عن جوهر سليقة اليسار العراقي، ليس حملة الثقافة والمعرفة وحدهم، بل معهم بسطاء الناس وكادحو الشعب الشغيل. وإليكم نموذجاً عنهم:
كتب المناضل صالح حسين (حكايات فلاحية:......... / أبو سارة) بتاريخ 22 حزيران ( يونيو ) 2005، ما يلي:
"في 20 حزيران 2005، رحل عنا الرفيق علوان عبود (أبو حسين) وهو فلاح من النعمانية – محافظة واسط قضى أربعين عاماً من النضال في صفوف الحزب الشيوعي وفي النشاط بين الفلاحين.
نذر علوان نفسه للحزب، عندما كان متمسكاً بالثوابت الوطنية، وتحمل المعاناة كشيوعي يؤمن بمبادئه وبالقيم التي انتمى إليها.
لقد دعت القيادة المرتدة لحزبنا، الأعضاء الباقين إلى التجمع في بيوت معينة اتخذتها مقرات بعد أيام قليلة فقط من الاحتلال.
في تلك المقرات، صدم الرفاق القدامى وفوجئوا بتوجيهات القيادة التي خذلتهم بضرورة المساعدة على إنجاح التجربة الجديدة تحت ظل الاحتلال الأجنبي. وعرضت هذه القيادة عليهم في وقتها الرواتب كمتضررين أو قطع أرض ومسؤوليات حزبية جديدة وما إلى ذلك من أسس شراء الذمم.
لكن علوان، وغيره من الرفاق الذين صدموا بسلوك قيادتهم التي هرولت وعملت مع المحتلين، قالوا صراحةً:
يا رفاق كنا نظن إنكم ستدعونا إلى حمل السلاح ضد المحتلين، لا للتعاون معهم."
هذه السليقة الرافضة للظلم والقهر، في طبيعة الشعب الكادح، شجعت وحفزت صوت الثقافة الرافضة والمقاومة كي يعلو، محفزاً للفعل الطيب، في الصحيفة والفضائيات، في الشارع وخطب الجوامع، في الأشرطة المسجلة، السرية والعلنية.
بعض حملة الثقافة والأدب والأعلام الحر، أستقل وسعي لتكوين نفسه، رغم الحصار والتجويع والحروب النفسية والأذى... آخرون تسربوا إلى عقر دار الخصوم، ينشدون البحث عن النزر اليسير الممكن من كلمة الصواب المفيدة. ولن تنفع أية فاشية أو مكارثية في اقتلاعهم منها.
من يقاومون في مواجهة قلاع أعداء العراق، ومن يقاومون داخلها، هم جميعاً يقبضون على الأسلحة التي سوف تسهم، في دك تلك القلاع. باقر إبراهيم