اليسار المغربي يسعى لتنظيم صفوفه

الرباط
تجربة اليوسفي الاشتراكي اكدت اين تكمن السلطات الحقيقة

طفت إلى السطح السياسي المغربي دعوات التكتل والوحدة بين التيارات اليسارية، في الأعوام الأخيرة، خاصة بعد أن بدأت هذه التيارات تخلي مواقع نفوذها التقليدية في الجامعة والنقابات لصالح المد الإسلامي المتزايد. وقد جاء إعلان خمسة مكونات يسارية عن إنشاء تجمع يحمل اسم "تجمع اليسار الديمقراطي"، ويضم "المؤتمر الوطني الاتحادي"، و"اليسار الاشتراكي الموحد"، و"حركة النهج الديمقراطي"، و"حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي"، و"جمعية الوفاء للديمقراطية"، ليؤكد هذه الرغبة لدى بعض قوى اليسار في إثبات وجودها في الساحة المغربية، التي تهدد التطورات الجارية فيها بجعل الحضور اليساري في الساحة السياسية، مجرد جزء من الماضي.
في البداية كان الأمر يتعلق بمجرد حديث عن "مخاوف التقدميين على الديمقراطية"، من جراء التحولات التي غيرت الخارطة السياسية؛ إلا أن العديد من الأقطاب اليسارية بدأت أخيرا تتبنى خطابات أكثر عملية، مدبرة عن الكثير من الشعارات التي تعود الناس على سماعها منها، إذ اختار حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وهو أهم الأجنحة في التيار اليساري، التحليق في الفضاء، الذي رسمه النظام الملكي المغربي، والقبول باللعبة كما هي عليه، مادامت تحقق له الاستمرارية في السلطة.
وكان هذا الخيار هو أحد الأسباب، التي أدت إلى تفجير هذا الحزب من داخله، أثناء انعقاد مؤتمره السادس، الذي انتهى إلى انشقاق نقابة العمال التابعة له، وخروج قطاع الشباب وجزء من الكوادر الوازنة عنه، ليتأسس حزب المؤتمر الاتحادي الوطني، وينتظم شباب الحزب في جمعية "الوفاء للديمقراطية"، ويستفرد نوبير الأموي زعيم الحزب النقابي بالكونفيدرالية الديمقراطية للشغل، قبل أن يؤسس الاتحاد الاشتراكي نقابة أخرى.
وفي الوقت الذي تخلى فيه الاتحاد الاشتراكي عن المطالبة بالتعديلات الدستورية، وبالحد من سلطات الملك، والتي كانت أهم نقطة في البرامج السياسية لكل قطاعات اليسار المغربي، قاطعت أطراف أخرى الانتخابات في وقت مبكر، ورهنت المشاركة فيها بإجراء تغييرات حقيقية على الدستور المغربي، في حين بقيت أطراف ثالثة متذبذبة بين الخيارين، فشاركت في الانتخابات، ووضعت على رأس برامجها الانتخابية مطلب تغيير الدستور.
كما بدأ اليسار عموما يمارس نوعا من النقد الذاتي، ويتحدث بجرأة عن المرجعية، حيث اختار منظروه تبني المشروع العلماني، بدل المشروع الاشتراكي، وبدأت توجه انتقادات حادة للأحزاب والتنظيمات، التي "اكتست صبغة نخبوية، وأخلت الأحياء الشعبية، وابتعدت عن الطبقات الفقيرة، التي كانت تستمد منها قوتها، لصالح الإسلاميين، الذين حصدوا الكثير من الأصوات في الانتخابات الأخيرة، بفضل استفرادهم بهذه المواقع الحساسة".
وخرج الحديث عن الوحدة اليسارية من مرحلة التنظير إلى مرحلة الخطوات العملية، وكانت البداية بميلاد حزب "اليسار الاشتراكي الموحد"، الذي اندمجت فيه أربعة أحزاب يسارية. وتلت هذه الخطوة خطوات أخرى مسترشدة بالتجربة الأولى، بعد أن عجز حزب "اليسار الاشتراكي الموحد" عن أن يحصل سوى على أربعة مقاعد في الانتخابات التشريعية الماضية، في حين لم يحصل "المؤتمر الوطني الاتحادي" سوى على مقعد واحد، بينما حازت الأحزاب اليسارية، التي اختارت جلباب الملكية على حصة الأسد؛ مما جدد طرح الأسئلة في صفوف بقية المكونات اليسارية.
ويبدو أن خيار مقاطعة المناسبات الانتخابية لم يعد واردا، لأنه كرس تهميش الأطراف التي مارسته خلال الانتخابات الماضية؛ كما أن خيار الوحدة العضوية كشف عن صعوبات قد تعيق مسيرة أي نجاح سياسي محتمل، ونتيجة لهذه المعطيات جاء إعلان خمسة مكونات يسارية عن إنشاء تجمع يحمل اسم "تجمع اليسار الديمقراطي"، ويضم "المؤتمر الوطني الاتحادي"، و"اليسار الاشتراكي الموحد"، و"حركة النهج الديمقراطي"، و"حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي"، و"جمعية الوفاء للديمقراطية".
وأهم ما جمع هذه المكونات هو مطلب التعديل الدستوري، الذي تعتبره انطلاقة حقيقية لأي تغيير سياسي محتمل في المغرب، لأن تجربة حكومة الاشتراكي عبد الرحمن اليوسفي بين عامي 1998 و2003، أكدت أن السلطات الحقيقية بيد الملك، وأن الحديث عن إمكانية الإصلاح عبر صناديق الاقتراع، حتى لو كانت الانتخابات نزيهة، لم يعد مقنعا، خصوصا أن الدستور الحالي يسمح للملك بتعيين الوزير الأول من خارج اللعبة السياسية، وهذا ما حدث مع الوزير الأول الحالي إدريس جطو التكنوقراطي، الذي جاء من وزارة الداخلية، ولم يأت من صناديق الاقتراع.
وتبقى الانتخابات البلدية المقرر إجراؤها في شهر أيلول/سبتمبر القادم، والتي تستعد لها القوى اليسارية المغربية، ومعها سائر القوى والتيارات السياسية المختلفة، الحكم الفصل، بالنسبة لمردودية تقارب هذه القوى اليسارية، وهل يمكنها ذلك من إنقاذ تجربتها السياسية، التي كانت إلى وقت غير بعيد تملأ الدنيا وتشغل الناس في المغرب. (قدس برس)