اليسار التونسي يجهض أجندة الإخوان لتنصيب قائدالسبسي رئيسا

تقارب رغم الخلافات

تونس ـ مع إعلان موقفه النهائي من الدورة الثانية للانتخابات الرئاسية والدعوة إلى "قطع الطريق أمام عودة المرشح الفعلي لحركة النهضة وحلفائها المنصف المرزوقي إلى رئاسة الجمهورية" وإلى "المشاركة المكثفة"، يكون الائتلاف الحزبي اليساري (الجبهة الشعبية) قد "أجهض" مشروع إخوان تونس الذي يقوده المرزوقي بالوكالة لـ"ينتصر للمشروع الوطني الحداثي"، فاتحا طريق قصر قرطاج أمام زعيم نداء تونس الباجي قائدالسبسي.

فقد تلقت الأوساط السياسية والشعبية في تونس بارتياح كبير بيان الجبهة الشعبية الذي دعت فيه إلى قطع الطريق أمام عودة مرشح الإسلاميين والجماعات الجهادية منصف المرزوقي إلى الرئاسة، ورأت فيه "موقفا حكيما وشجاعا" يعكس انتصار اليسار التونسي لمشروع الحداثة الذي يستميت في الدفاع عنه مختلف فئات المجتمع.

وبدد موقف الجبهة الشعبية أي توجس لدى التونسيين بخصوص فوز المرزوقي الذي بات يوصف بـ"رجل" التنظيم الدولي للإخوان المسلمين المدعوم بالمحور التركي القطري بعد ان اكتوت تونس وشعبها زمن حكمه بنار الاغتيالات السياسية والإرهاب الذي طال عشرات الشهداء من الجنود والأمنيين وتهديد وحدة الدولة والمجتمع إضافة الى سلسلة من الكوارث الاقتصادية والاجتماعية والدبلوماسية ناهيك عن ارتهانه لحزب النهضة وارتباطه المفضوح بروابط العنف الإجرامية والمجاميع السلفية المارقة عن القانون والمحرضة على الفتنة والتكفير والتقسيم وغيرها من الجماعات والأحزاب المعادية علنا للديمقراطية، وعلاقته الخارجية بمحاور إقليمية لا تريد الخير لتونس وللوطن العربي عموما.

يرى الخبراء والسياسيون أن موقف الشعبية لم يقلل فقط من حظوظ المرزوقي الضئيلة بطبعها بل عزز حظوظ قائدالسبسي من خلال التأكيد على المشاركة المكثفة في إنجاح الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية من اجل إنهاء الفترة الانتقالية والمرور إلى مرحلة جديدة من تاريخ البلاد يؤمن تحقيق تطلعات الشعب في الحرية والمساواة التامة والديمقراطية والتنمية والعدالة الاجتماعية الأمر الذي يعني ضمنيا أن القاعدة الانتخابية لليسار ستمنح أصواتها لقائدالسبسي.

لم يكن توصل الجبهة الشعبية إلى إتخاد هدا القرار الشجاع بالسهل حيث استغرق الكثير من الوقت تدارست فيه مختلف الأحزاب المنضوية تحتها مختلف الفرضيات والتداعيات في ظل مشهد سياسي معقد وهش لم يستنكف فيه المرزوقي من الاصطفاف وراء مشروع حركة النهضة والجماعات الجهادية منتهجا خطابا "سلفيا" يحرض على العنف ويراهن على تفجير الوضع الاجتماعي والأمني حتى أنه وصف منافسه قائدالسبسي بـ"الطواغيت" في عملية استنجاد مفضوحة بقاموس مفردات التكفيريين، في مسعى لكسب ولائهم وأصواتهم.

وقبل الإعلان الرسمي على قطع طريق قرطاج أمام المرزوقي كانت قيادات الجبهة الشعبية وفي مقدمتها الناطق الرسمي باسمها حمة الهمامي وكذلك زياد لخضر قد شددت في أكثر من مناسبة على أن "الجبهة حذرت قواعدها من التصويت للمرزوقي لأنه يقود مشروعا إخوانيا مرتبطا بجهات خارجية تستهدف التجربة الديمقراطية في البلاد".

ولم تتردد قيادات "الجبهة الشعبية" في التأكيد على أن المرزوقي اليساري الانتهازي يمثل كارثة على تونس باعتباره "الأمل الأخير" لا للنهضة والجماعات السلفية التونسية فحسب وإنما للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين المدعوم من تركيا وقطر.

وتلتقي الشعبية مع مختلف القوى الوطنية والديمقراطية في تحميل الرئيس المنتهية ولايته مسؤولية "استفحال الإرهاب" و"اغتيال المناضلين العلمانيين شكري بلعيد ومحمد البراهمي" و"ومقتل عشرات الجنود والأمنيين" كما تحمله "تهديد مدنية الدولة وتضامن المجتمع" بعد أن حاول إثارة النعرات الجهوية والقبلية وقسم البلاد إلى جنوب وشمال".

وترى الجبهة أن "صوت تنظيم الإخوان" لا يصلح لأن يكون "رجل دولة" ولا "رئيسا لكل التونسيين" بعد أن تجرد من أبسط الأخلاقيات السياسية خلال ثلاث سنوات من الحكم لم تجن منها تونس سوى أزمة اقتصادية واجتماعية وسياسية خانقة وتحالف خلالها مع ميليشيات النهضة وقيادات الجماعات التكفيرية التي لا تؤمن أصلا بالديمقراطية.

ويقول سياسيون إنه ليس من الصدف أن تحسم الشعبية موقفها من المرزوقي بعد يومين فقط من التصعيد الخطير الذي ترافق مع التشكيك المسبق في نزاهة الانتخابات والتحذير من تزويرها حتى أنه ألب أنصاره من الإخوان على قائدالسبسي زاعما أنه "لن يفوز دون تزوير".

وقد كشفت تلك التصريحات، مثلما يذهب إلى ذلك كثير من المحللين السياسيين على أن مرشح الإخوان بات يهدد السلم الاجتماعية من خلال محاولة الزج بالبلاد في الفوضى ويشحن أنصاره على ممارسة العنف في حال عدم فوزه.

وتقول قيادات اليسار أن الرئيس المنتهية ولايته خان تاريخه كمناضل علماني حقوقي ورفاق دربه ليتدثر بعباءة مشروع الإخوان في تحد صارخ وانتهازي لنضالات التونسيين من أجل الحرية والديمقراطية ومدنية الدولة وقيم المجتمع الحداثية.

وتجمع قيادات اليسار الذي استمات في الدفاع عن مكاسب التونسيين ضد مخططات النهضة حليفة المرزوقي أن أخطر ما يهدد مستقبل تونس هو المشروع الإخواني المسقط إسقاطا على طبيعة المشهد السياسي المتعدد فكريا وسياسيا، وترى تلك القيادات أن أبرز عناوين ذلك المشروع "هو الديكتاتورية الدينية" التي تنسف ومن الأساس عملية المسار الديمقراطي".

ويشدد مراقبون على أن موقف "الجبهة الشعبية" بقطع طريق قرطاج أمام المرزوقي يعكس من جهة أخرى موقفها من قائدالسبسي الذي انتهج خطابا سياسيا "هادئا وتوافقيا" نأى بنفسه عن استعداء منافسيه في الدور الأول من الانتخابات واختار الانتصار للمشروع الوطني الحداثي الذي ناضلت من أجله أجيال من المصلحين والمثقفين والسياسيين بما فيهم طبعا التيارات اليسارية.

ومند تأسيسه عام 2012، بدا نداء تونس قوة سياسية صاعدة وهو يخوض حربا شرسة على حركة النهضة وعلى الجماعات السلفية التي يرى فيها قوى ردة تسعى إلى إعادة تونس إلى القرن السابع، فيما يعمل النداء من أجل نحت ملامح تونس الديمقراطية التي تتسع لكل أبنائها المؤمنين بقيم التعايش والحق في الاختلاف.

وخلال الحملة الانتخابية الأولى استمات قائدالسبسي في الدفاع عن مدنية الدولة وتعددية المجتمع ضد أجندة الإخوان. ولم يتردد في فضح المرزوقي بأنه "مرشح الإسلاميين والجماعات الجهادية"، مستشهدا في ذلك بنتائج الانتخابات الثابتة والدقيقة حيث تقدم الرئيس المنتهية ولايته على قائدالسبسي في معاقل حركة النهضة والجماعات السلفية.

وفي الوقت الذي كان يراهن فيه المرزوقي على تقسيم التونسيين منتهجا نفس خطاب رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي الذي قسم المجتمع إلى "مؤمنين" و"كفار"، مستهدفا بالأساس اليسار التونسي الذي يرى فيه "رمز الالحاد" انتهج قائدالسبسي خطابا سياسيا يراهن على مفهوم الوحدة الوطنية والولاء للدولة المدنية والانتصار للمشروع الحداثي.

ونجح السبسي في ما أخفق فيه المرزوقي، حيث ترى فيه أكثرية التونسيين أنه "رجل دولة" قادر على إدارة الشأن العام بكفاءة سياسي له تجربة عريقة، وأنه الأقدر على إنقاذ تونس من الأزمة التي تتخبط فيها جراء سنوات ثلاث من الحكم الفاشل قادته حركة النهضة وحليفها المرزوقي.

ولم تكن أعين اليسار بغافلة عن التأييد السياسي والشعبي الذي يحظى به قائدالسبسي، ولا هي بغافلة عن انتصاره للقوى الوطنية والديمقراطية التي التفت حوله، غير أن الخلاف حول البرامج الاقتصادية والاجتماعية بين الجبهة الشعبية ونداء تونس أدى إلى نوع من التردد في اتخاذ موقف يدعم قائدالسبسي.

ولطمأنة "الجبهة الشعبية" التي يعتبرها زعيم نداء تونس جزءا من العائلة الديمقراطية ومن توازن المشهد السياسي أرسل قائدالسبسي أكثر من رسالة بدأت بتعهده بالكشف عن قتلة الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، وانتهت بزيارة إلى مقر الجبهة الأمر الذي بدد توجس اليسار من رجل بورقيبة، وعزز الاقتناع بأن ما يجمعهم به هو أهم بكثير مما يفرقهم عنه، خاصة بعد أن حسم عدم مشاركة النهضة في حكومة الائتلاف الحزبي التي سيشكلها من الأحزاب اللبيرالية والديمقراطية.

وهكذا نجح قائدالسبسي في إقناع اليسار التونسي بأن معركة الانتخابات الرئاسية هي أعمق من اختزالها بينه وبين المرزوقي بل هي معركة بين مشروع وطني حداثي يستجيب لتطلعات التونسيين إلى الحرية والكرامة، ومشروع إخواني يحاول قيادة تونس إلى عصور الظلام متدثرا بخطاب مزدوج يستهدف في العمق التجربة الديمقراطية.

وتظهر القراءة في مضامين بيان الجبهة الشعبية أن اليسار اقتنع فعلا بخطورة المرزوقي على مسار الانتقال الديمقراطي باعتباره يقود مشروعا استبداديا متسلحا بجيش من ميليشيات النهضة والجماعات السلفية، حيث دعت "مختلف الأحزاب الديمقراطية والتقدمية والمدنية والاجتماعية إلى الالتقاء مع الجبهة الشعبية حول فضاء يؤمن قطع الطريق أمام عودة "المشروع الاخواني".

وعلى الرغم من أن الجبهة لم تدع صراحة قواعدها إلى التصويت لفائدة قائدالسبسي فإن التحذير من التصويت لفائدة المرزوقي من جهة، والتأكيد على المشاركة المكثفة في الانتخابات لإنجاح مسار الانتقال الديمقراطي يمثل دعوة ضمنية لدعم مرشح النداء.

ويقول الخبراء إن قائدالسبسي بات مرشح القوى الوطنية والديمقراطية والحداثية بعد مقاطعة الجبهة الشعبية بقيادة حمة الهمامي للمرزوقي وحصوله على دعم حزب الاتحاد الوطني الحر الذي يرأسه رجل الأعمال سليم الرياحي وحزب آفاق تونس الذي يرأسه ياسين إبراهيم، إضافة إلى حصوله على تأييد الأحزاب الدستورية.

ويضيف الخبراء أن "قائدالسبسي هو بلا شك رئيس تونس القادم"، لأنه سيستفيد من الخزان الانتخابي للأحزاب التي تدعمه، إضافة إلى القاعدة الانتخابية الثابتة لنداء تونس.

وبحسب توقعات الخبراء، فإن نسبة الناخبين الجدد لفائدة مرشح النداء في الدور الثاني من الانتخابات لن تقل عن 20 في المائة لترتفع نسبة الناخبين العامة إلى ما يناهز 59 في المائة الأمر الذي يعني أن قائدالسبسي هو رئيس تونس القادم.

وكان قائد السبسي فاز في الدور الأول من الانتخابات بنسبة 39 فاصل 46 فيما تحصل منصف المرزوقي على نسبة 33 فاصل 43.

وبعيدا عن دقة نسبة القواعد الانتخابية فإن السياسيين التونسيين يقولون إن موقف الجبهة الشعبية "أجهض" أجندة الإخوان وحسم نتائج الانتخابات لا فقط لصالح الباجي قائدالسبسي وإنما لصالح مختلف القوى الوطنية والديمقراطية التي التفت حول مشروع وطني حداثي ينقذ تونس من أزمة امتدت لأكثر من ثلاث سنوات.

ولم يتردد السياسيون في وصف موقف الشعبية بـ"الموقف التاريخي والشجاع" الذي ترفع عن بعض الخلافات مع نداء تونس، لينتصر لتونس الديمقراطية وينأى بها عن مشروع الإسلام السياسي.