اليسار التونسي يتلكأ في دعم أول حكومة للجمهورية الثانية

الهمامي يحمل مع النهضة نفس 'الفزاعة'

تونس - قالت مصادر قيادية من حزب نداء تونس أن الرئيس الباجي قائد السبسي "ممتعض" من تلكؤ الائتلاف اليساري الجبهة الشعبية التي يقودها حمة الهمامي في المشاركة في الحكومة الائتلافية التي يسعى لتشكيلها الحبيب الصيد لتكون أول حكومة تقود التجربة الديمقراطية في البلاد وتقطع الطريق أمام مناورات حركة النهضة التي تسعى للعودة إلى الحكم مستفيدة من موقف اليسار التونسي الذي يرى في قائد السبسي ورئيس الحكومة "امتدادا" لما يقول انه "المنظومة القديمة".

وأضافت نفس المصادر أن قائد السبسي ملتزم بوعوده الانتخابية وفي مقدمتها "تشكيل حكومة ائتلافية تجمع الأحزاب الديمقراطية وتكون خالية من النهضة" غير أن "التعنت الذي تبديه الجبهة الشعبية" أثار حفيظته بشأن استعداد اليسار لدعم أول تجربة ديمقراطية في البلاد ومدى قدرته على التفاعل الإيجابي مع المستجدات التي يشهدها الوضع العام بعيدا عن التشبث بشعارات إيديولوجية فضفاضة تزيد في تعقد المشهد السياسي أكثر مما تتقدم به.

ويواجه الحبيب الصيد صعوبات في إقناع الجبهة الشعبية في المشاركة في الحكومة القادمة نتيجة موقف مسبق إتخذه اليسار الراديكالي منه شخصيا ومن قائد السبسي زاعما أنهما يمثلان "عودة النظام القديم" ومحذرا من عودة ما يقول انه "الاستبداد" ليلتقي في ذلك مع "فزاعة" حركة النهضة الإسلامية.

وكان حمة الهمامي اعتبر أن تكليف الحبيب الصيد بتشكيل الحكومة هو "أول رسالة سلبية للشعب التونسي لأنه ابن المنظومة القديمة" على الرغم من أن الصيد هو شخصية سياسية مستقلة ورجل دولة خبر إدارة مؤسساتها أكثر من أربعين عاما بعيدا عن أي انتماء حزبي بما في ذلك الانتماء للتجمع الدستوري الديمقراطي الذي كان حاكما خلال نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي.

وبدأ "تعنت" اليسار الراديكالي منذ الانتخابات الرئاسية حيث لم يدعم ترشح قائد السبسي وإن كان دعا قواعده إلى قطع الطريق أمام منافسه ومرشح الإسلاميين منصف المرزوقي الأمر الذي دفع بأوساط سياسية تونسية إلى القول بأن "اليسار خذل قوى الحداثة في معركتها ضد الإسلاميين".

وعلى الرغم من هذا الموقف الذي لا يعكس وعيا سياسيا بدقة المرحلة التي تمر بها تونس ولم ينتصر للوقوف إلى جانب أكثرية التونسيين الذين يراهنون على نداء تونس وزعيمه قائد السبسي في قيادة مشروع وطني حداثي، فقد أرسل الرئيس المنتخب أكثر من رسالة تؤكد أنه "اختار التحالف مع العائلة الديمقراطية" وانه "لن يتحالف مع النهضة" وأن "فزاعة " المنظومة القديمة و"عودة الاستبداد" ليستا سوى مجرد تخمينات لأن نداء تونس اعلن انه لن يحكم بمفرده وإنما سيقود أول حكومة ديمقراطية تشارك فيها القوى الحداثية بما فيها الجبهة الشعبية.

وتقول قيادات ندائية مقربة من قائد السبسي أنه "يراهن على مشاركة الجبهة الشعبية باعتبارها أحد أهم التيارات العلمانية التي ستساعد في دفع التجربة الديمقراطية الناشئة والهشة وتعزز من حظوظ نجاح حكومة الصيد في تنفيذ برنامج تنموي وسياسي كفيل بإنقاذ تونس من الأزمة التي تعصف بها نتيجة أربع سنوات من حكم النهضة.

غير أن اليد الممدودة لقائد السبسي قوبلت بانتقادات لاذعة من قبل حمة الهمامي حتى أنه شكك في صلاحيات الحبيب الصيد وقدرة حكومته على اتخاذ القرارات قائلا "الحكم الحقيقي لن يكون لدى رئيس الحكومة حسب الدستور إنما في قصر قرطاج".

بل ذهب الهمامي الى ما هو أبعد من ذلك حين شكك في جدية الخيار الديمقراطي متسائلا: لماذا الحزب الأكثري، نداء تونس، لا يريد الحكم ولا يريد تنفيذ برنامحه؟ ورئيس الحكومة المستقل من أين سيأخذ التعليمات؟ متجاهلا أن الدستور الجديد ينص بوضوح على الفصل بين صلاحيات رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية بما يضمن عدم "استفراد" قائد السبسي بالقرار.

وبالرغم من هذه المواقف المسبقة التي قابلتها الأوساط السياسية بنوع من الاستياء فقد بادر الصيد بالاتصال بقيادات الجبهة الشعبية وأجرى معها اجتماعا عرض خلاله عليها تقديم تصوراتها لعمل الحكومة ورؤيتها للأولويات المطروحة على البلاد خلال الفترة القادمة، وهي خطوة رأى فيها محللون عزما على إشراك اليسار في حكومة تراهن على أن تكون تركيبتها ممثلة للأحزاب الديمقراطية والعلمانية نظرا لتقارب التصورات والبرامج.

وفي الوقت الذي يسعى فيه نداء تونس إلى تذليل الصعوبات لضمان إشراك الجبهة الشعبية وضعت قياداتها جملة من الشروط المسبقة لعل أبرزها "أن تتصدر نقاط برنامجها الاقتصادي والاجتماعي برنامج الحكومة" وهو شرط لا ينسجم مع برنامج حكومة ائتلاف عدد من الأحزاب حيث يؤكد خبراء أن برنامج حكومة الصيد يجب أن يكون توافقيا ولكن بناء على برنامج نداء تونس الفائز بالأغلبية البرلمانية.

ويعلق مراقبون على تعنت الجبهة الشعبية بالقول إن "اليسار التونسي الذي ظل منذ العشرينات من القرن الماضي رمزا للمعارضة الهامشية التي تعوزها الخبرة في ممارسة الحكم لا يتعاطى بوعي سياسي مع انتقاله من الهامش إلى المؤسسات السيادية للدولة من خلال فوزه بـ15 مقعدا في البرلمان خلال الانتخابات الماضية.

ويرى المراقبون أن المطروح اليوم على اليسار أن "يغادر عقلية الثورجيين المتنطعين" ليتعامل مع الواقع السياسي وفق "منطق الدولة" بعيدا عن "سطوة الإيديولوجيا الشيوعية" التي تتماثل في نتائجها مع "الإيديولوجيا السلفية" باعتبار أن كليهما يفتقد للبراغماتية السياسية ولا ينتصر لشروط العملية الديمقراطية التي ستوجب التفاعل مع الواقع السياسي وفق تضاريسه لا وفق قوالب فكرية جاهزة ومسقطة.

ويخشى حداثيو تونس أن يخذل اليسار الراديكالي أول تجربة ديمقراطية يراهن عليها التونسيون في النأي بالبلاد عن مشروع الإخوان مثلما خذل في الستينات والسبعينات من القرن الماضي المشروع الحداثي الذي قاده الزعيم الحبيب بورقيبة حيث عارضته مختلف التيارات اليسارية ولم تر فيه سوى "مشروع إمبريالي يقوده عميل للخارج" وهو أمر لم يستسغه بورقيبة الذي كان يخوض معركة شرسة ضد القوى التقليدية التي رفضت بناء دولة مدنية ذات مؤسسات سيادية وتحرير المرأة ونشر التعليم العصري وإرساء القضاء المدني.

وتساور نداء تونس مخاوف من الخطاب السياسي الذي تنتهجه قيادات الجبهة الشعبية وهو خطاب لا يخلو من المزايدات ولا يرقى إلى مستوى الوعي السياسي الذي يفترض أن تتسلح به الجبهة لتدفع باتجاه مزيد من التقارب بين الأحزاب الحداثية بما يساعد على التوصل لتشكيل حكومة تكون صوتا بتلك الأحزاب وقاطرة تنفيذ برنامج تنموي وسياسي واحد وموحد كفيل بإنقاذ البلاد وبإنجاح تجربة ديمقراطية ناشئة ومحفوفة بكثير من المخاطر.

واللافت أن خطاب اليسار الراديكالي يلتقي مع خطاب الإسلاميين من حيث "الشروط المسبقة" للمشاركة في الحكومة ومن حيث المزايدات والسقف العالي للمطالب وغياب منطق الدولة مقابل حضور قوي لمنطق الحزب والتوجهات الفكرية والإيديولوجية التي تتعامل مع عملية تشكيل الحكومة كما لو أنها غنيمة ويبدو أن الفرق الوحيد بين الخطابين هو في استعمال المفردات.

وإزاء هذه الراديكالية التي بدت تلقي بظلالها على جهود الحبيب الصيد يراهن قائد السبسي المتمسك بإشراك الجبهة الشعبية على دور تيار يساري نقابي معتدل داخل النداء يقوده القيادي الطيب البكوش والقيادي محسن مرزوق في إقناع قيادات الجبهة بأن دقة الوضع السياسي والاجتماعي والاقتصادي تستوجب بالضرورة الحد الأدنى من التنازلات ومن البراغماتية من أجل التوصل إلى أرضية مشتركة تتشكل على أساسها حكومة بعيدة عن المحاصصة الحزبية وممثلة للقوى الديمقراطية.

ويرجع قائد السبسي تمسكه بإشراك الأحزاب الديمقراطية والعلمانية وفي مقدمتها الجبهة الشعبية في حكومة الصيد إلى أن التحديات التي تواجهها تونس خلال الفترة القادمة مثل مكافحة الإرهاب وتوفير التنمية وتأمين المسار الديمقراطي تستوجب حكومة قوية ذات تأييد سياسي وشعبي قادرة على القطع مع التركة الثقيلة لحكومة الترويكا وهو يعتبر أن النجاح في مواجهة تلك التحديات ممكن إذا ما تم انتهاج سياسات تعيد للدولة هيبتها وتقدم الحلول العملية للمشاغل المعيشية للتونسيين وخاصة أهالي الجهات المحرومة.

ويرى سياسيون أن "تعنت" اليسار لا مبرر له خاصة وأن برنامجه الاقتصادي والاجتماعي الذي ينص على تنشيط أداء مؤسسات الإنتاج وتحسين القدرة الشرائية والتقاسم العادل لعائدات الخيرات قريب جدا من برنامج نداء تونس وهم يشددون على أن مرد ذلك التعنت هو أن اليسار "لم يتتونس بعد" و"لم ينخرط في المشروع الوطني" بل مازال مكبلا بأصفاد إيديولوجيا عقيمة لا تحتاجها تونس خلال هذه المرحلة الدقيقة من تاريخها الوطني.