الى الرئيس المحتمل لمصر: لا تحكمنا بالأغبياء والحمقى والغافلين!

منذ أيام قليلة..تقدم عبد العاطي أمين..لمديرية الصحة بمحافظة القاهرة بطلب استخراج شهادة صحية لازمة لمحل كباب وكفتة بمنطقة مصر القديمة.

رفضت المحافظة هذا الطلب لآن الرجل قرر أن يطلق على المحل الجديد اسم "كفتة عبدالعاطي".

قال مسؤولو المحافظة إن سبب الرفض هو تشابه الأسماء بين عبدالعاطي أمين صاحب المحل واللواء إبراهيم عبدالعاطي صاحب جهاز علاج فيروس سي والإيدز الذي أعلن عنه الجيش مؤخرآ..وأن إطلاق اسم كفتة عبدالعاطي على المحل الجديد سيتحول إلى سخرية من الجيش المصري واختراعه الطبي الجديد والرجل الذي قدم هذا الجهاز في المؤتمر الصحفي شارحآ فكرة هذا الجهاز العالمي بأنه سيسحب الفيروسات من جسم المريض ويحيلها إلى بروتين وصباع كفتة يتناوله نفس المريض.

وقد تعمدت أن أبدأ الكلام بهذه الحكاية لآنني رأيت لها كثيرآ من المعاني والدلالات..إلا أننى أحب أولآ توضيح أن رفض محافظة القاهرة كان قبل قرار المشير عبدالفتاح السيسي مؤخرآ بالتحقيق في قضية هذا الجهاز وفضيحته وإبعاد هذا اللواء تمامآ ومنعه من أي حديث يخص الجيش أو الطب والعلاج.

وقد كان قرار المشير السيسي فاصلآ وضروريآ أيضآ..لآنه كان قرارآ عاقلآ في زمن باتت الحماقة فيه هى القاعدة وليست الاستثناء..وكان قرارآ ضروريآ أيضآ..فقبل قرار المشير السيسي..كان أي انتقاد للجهاز الجديد الذي قدمه الجيش لعلاج فيروس سي والإيدز يتم التعامل معه باعتباره خيانة لجيش مصر والتشكيك في وطنيته والتزامه وواجباته التاريخية وعدم تقدير واحترام رجال القوات المسلحة المصرية وبطولاتهم وتضحياتهم من أجل مصر.

وعلى الرغم من أنه لا علاقة بين الجيش المصري وهذا الجهاز الغريب الذي أعلن عنه فجأة مسؤولون في الجيش والفوارق الواضحة والمؤكدة والطبيعية بين جيش مصر وجهاز أو اختراع طبي يقدمه ضابط في جيش مصر.

وعلى الرغم من أن الذين اعترضوا على هذا الجهاز وطريقة تقديمه وغياب أي حقائق علمية وطبية متبعة في العالم كله لم يكونوا إخوانآ أو عملاء أو مأجورين وحاقدين.

وعلى الرغم من أنه ممكن جدآ أن يشعر أي أحد بالامتنان للمشير السيسي وأن يؤيده تقديرآ واحترامأ دون أن يكون مضطرآ لقبول أي عبث أو هزل وسخف يقدمه رجال يتاجرون باسم السيسي والجيش كله.

على الرغم من كل ذلك فإنه لم يكن أحد قادراً على سماع أي رأي آخر وعلى استعداد للنقاش والحوار وحتى التفكير واحترام العلم والمنطق.

خيارات محدودة

ففي مجتمع بات شديد السذاجة والتسطيح أصبح الأفق ضيقآ إلى هذا الحد والاختيارات محدودة إلى هذه الدرجة..الى درجة أنك مع أو ضد..درجة أنك مضطر لاختيار أن تكون مؤيدآ تابعاً أسيرآ بدون عقل وعينين أو تصبح معارضآ رافضآ وحاقدآ ساخرآ خائنآ..وكأنه ليس بإمكانك أن تؤيد ولكن مع احتفاظك بحقك في النقد والسؤال والمراجعة..أو ليس من حقك أن تعارض دون أن تسخر وتهين من تعارضه ودون اتهامك بأي شيء لمجرد أنك لا تقول نعم بشكل دائم ومطلق.

ومنذ أن أعلن مسؤولون في الجيش عن هذا الجهاز الذي سيعالج فجأة كل أمراض الدنيا وأوجاعها..تاهت واغتربت وخفتت أو سكتت كل الاصوات العاقلة والهادئة والرصينة فلم يبق إلا هؤلاء الذين ليس في قدرتهم رؤية أي شيء إيجابي يقوم به جيش مصر باعتباره الجيش الذي أطاح بجماعة الإخوان وأنهى أحلامهم ومطامعهم وكل مكاسبهم ومؤامراتهم..ومعهم هؤلاء الذين لا يمكنهم رؤية أي عيب أو خطأ لأي أحد ينتمي لجيش مصر الذي أنقذ مصر في الثلاثين من يونيو/حزيران وحررها واستعادها بعد أن كانت مسروقة ومخطوفة.

وبدأ بين الاثنين حوار الطرشان حيث لا طرف منهما يسمع الآخر أو يحاوره..فأي حوار عاقل ومحترم يمكنك أن تتوقعه بين هؤلاء وهؤلاء..هؤلاء الذين يكرهون السيسي باعتباره الشيطان الذي أفسد عليهم كل شيء وباتوا يتمنون الخلاص منه بأي ثمن..وهؤلاء الذين فيهم من تمنت أن تصبح جارية للسيسي أو من زعم بأن النساء المصريات أصبحن حبلى بنجم السيسي.

حتى قرر المشير السيسي أخيرآ أن يصدم الجميع بحقيقة في منتهى البساطة، وهى أن مصر لا تزال تملك عقلآ ولا تزال قادرة على أن تفكر، فكان قرار السيسي بالتحقيق فيما جرى ومناقشته بهدوء ووفق الأسس الطبية السليمة ووقف تلك المهزلة التي كانت علاج ملايين المصريين بهذا الجهاز السحرى بداية من الثلاثين من يونيو/حزيران المقبل.

ولا أملك الآن إلا الإشفاق على هؤلاء المسطحين الذين قذفوا بالحجارة والطوب والشتائم كل الذين رفضوا هذا الجهاز وشكل وأسلوب تقديمه للناس. فما الذي سيقولونه الآن وكيف ينظرون إلى أنفسهم في المرآة؟ والأهم هل سيبقون يحترمون أنفسهم بعد أن ألقوا بعقولهم في أقرب صندوق قمامة؟ أم أنهم سيواصلون مسلسل حماقتهم ويتهمون السيسي نفسه بأنه ضد السيسي والجيش المصري؟

ولست أحاسب هؤلاء على ما جرى. لا أريد ذلك ولا أستطيعه أو أملكه أيضآ. إنما أتمنى أن يكون ذلك كله بداية لعصر جديد يكون فيه العقل هو الحكم والتفكير الهادئ هو المنهج الذي يلتزم به الجميع.

اعلاميون متحولون

ولست أشفق على هؤلاء فقط لأن المشير السيسي أمر بالتحقيق والبحث عن حقيقة علاج القوات المسلحة لفيروس سي والإيدز..وإنما لأن الرئيس عدلي منصور أيضآ أمر بندب قاَض للتحقيق في أحداث فض اعتصام رابعة العدوية مقررآ أن تكون الكلمة الآخيرة في هذا الشأن للقضاء.

فانا واثق بأن المستشار عدلي منصور لا ينتمي لجماعة الإخوان لكنه على الرغم من ذلك لم يقرر الإدانة المسبقة للجماعة في كل وأي شيء..وتجريم أي أحد لمجرد أنه إخواني أو يتعاطف معهم.

وواضح أنه لم يقبل أبدآ هذا الطرح الساذج والمرتبك الذي قام به المجلس القومي لحقوق الإنسان في قضية بالغة الحساسية مثل فض اعتصام رابعة الذي أحاله الإخوان بذكاء إلى جريمة عالمية، وإنما أمر الرئيس بالاحتكام للقضاء بعد تحقيق فيه الرأي والرأي الآخر..وليست فيه أحكام وإدانة إعلامية سابقه التجهيز.

ولن أسأل الآن عن شعور ورأي هؤلاء الذين يشمئزون للغاية ويسدون أعينهم وأنوفهم قرفأ لمجرد سماع كلمه إخوان حين يدركون أن رئيس الجمهورية لم يشتم الإخوان ولم يدنهم مسبقآ أو يتهمهم بأى شيء قبل تحقيق وتقص للحقائق.

وإنما أود أن أسأل كثيرآ من الإعلاميين كيف سيتعاملون مع الكاميرا والشاشة والميكروفون حين تأتيهم تعليمات بتغيير لغة الحديث عن الإخوان وبداية المصالحة والوفاق مع الذين ينتمون للإخوان لكن لم يثبت ارتكابهم لأي جريمة أو المشاركة في أي إرهاب ومؤامرة؟

كيف ستتغير نبرة أصواتهم وتتوقف شتائمهم ولعناتهم وتتبدل مفرداتهم؟

لا أسألهم عما سيقولونه للناس الذين يتابعونهم إنما أسألهم عما سيقولونه هم لأنفسهم. أم أن ذلك التحول سيكون سهلآ للغاية وسيقوم به هؤلاء بمنتهى التلقائية والبساطة باعتبارها لن تكون السابقة الأولى لكثيرين منهم حيث كان هؤلاء مع مبارك طيلة سنواته الأخيرة ويرون نظامه هو الأجمل والأكثر حكمة وإنجازآ واصبحوا فجاة من الثوار بل قدموا أنفسهم باعتبارهم دعاة الثورة وحماتها ونجومها ثم أصبحوا جلادي الإخوان واستغنوا عن أي تحقيقات وأدلة وقضاء وممكن جدآ أن يصبحوا في لحظة دعاة للسلام والمصالحة مع الإخوان.

ولست هنا أدافع عن الإخوان أو أدين الإعلام الذي يهاجمهم..إنما أناشد الجميع بالكف عن الحماقة والعبث..وأن يبدأوا في البحث عن الصور الحقيقية التي أغمضوا أعينهم كثيرآ وطويلآ حتى لا يروها..فهناك جرائم حقيقية ارتكابها إخوان وحوادث إرهابية لكن ليس معنى ذلك أن كل إخواني بالضرورة مجرم وإرهابي.

وهناك فواصل حقيقية بين الإعلامي والسياسي، حيث الإعلام مطلوب منه أن يطرح كل الأفكار والآراء ويناقش كل الناس ويحترمهم مهما اختلف معهم ولا يصبح زعيمآ سياسيآ يملك شاشة وميكروفونآ وورقة وقلمآ.

وهناك قضاء هو الذي يصدر أحكام الإدانة أو البراءة ومنصات القضاء واضحة وليست أبدآ شاشات التلفزيون وأوراق الصحافة وتعليقات تويتر وفيس بوك..والأهم من ذلك كله ان السيسي بطل حقيقي له مكانته وتقديره واحترامه..وأنه سيخوض انتخابات الرئاسة وسينجح ويصبح رئيسآ لمصر دون الحاجة إلى أي اختراعات زائفة أو بيع الوهم للناس ودون تلك التي على استعداد للتنازل عن جسدها ونفسها وشرفها أو ذلك الذي أهان كل نساء مصر وتصور أنهن ساقطات مثله وأصبحت كل امرأة منهن حبلى بنجم السيسي.