الى الأسد والسوريين: للأسف فالمعركة لم تنته مثلما تصورتم.. بل بدأت!

بقلم: سمير عبيد

لازلت على إصراري، ولمعرفتي الجيدة بتفاصيل الملف السوري داخليا وخارجيا، وهو أن سوريا لن تهدأ مثلما توقع البعض، بل هي دخلت في الفوضى الحذرة التي ستستنزف النظام والدولة معا، وستحاول هذه الفوضى إحداث الفجوات في الجبهة الداخلية والسياسية والعسكرية وملأها من قبل المخططين من جانب، ومن الجانب الآخر سينشر داء التيئيس في نفوس الشعب وداخل تركيبة النظام، ولم نقل الفوضى الخلاقة أو العمياء، والسبب لأن هناك إسرائيل وبالتالي كل شيء محسوب حسابه، ولكنه ليس قَدر مُنزّل من السماء، فباستطاعة النظام السوري الخروج من فصول المحنة الحالية والمنتظرة، وعندما يكون صادقا في وعوده وقريبا من الشعب، ويجازف بالتضحية التي يطالب بها الشعب، وهي أبعاد مافيا الفساد والهيمنة الموجودة في الحزب والنظام وفروعه، ومهما كان قربها للنظام، فالتضحية بشيء ألآن، أفضل من التضحية بكل شيء، وهي معادلة لها أعدائها في النظام السوري!

فمن جانب النظام الحاكم هناك من زغرد، وهتف، وحرّك المسيرات التي نعرفها كيف تتحرك في العالم العربي، ورفع رايات الديمقراطية والتحول الإيجابي، وكأن كل شيء انتهى، وطبعا هو نفاق فاقع وخداع للنفس، فان من صفق وهتف وأجبر الناس على التظاهر هو يحاول أنكار وأخفاء وقوفه ولأكثر من أربعين عاما بوجه التجديد والتغيير، ومحاربته ولأكثر من عشرة أعوام لمشاريع التجديد والإصلاح التي باشر بها الرئيس بشار الأسد، فيفترض بالرئيس أن يضع حدا للمنافقين والرداحين لأنهم سيشوشون على الرئيس وعلى عملية الإصلاح. فالخطوات التي قام بها الرئيس الأسد هي خطوات جبارة وشجاعة، ولكنها تأخرت كثيرا وأصبحت لا تكفي، ولا نعتقد سوف تنفع بعد نجاح الشعب السوري بكسر حاجز الخوف، بل ستزداد الطلبات والضغوطات من قبل الشعب والمعارضة، وهنا سيكون الرئيس الأسد مضطرا للأجابة.

ولكن السؤال"الى متى سيبقى مستجيبا؟" لأن باستمرار موافقة الرئيس سوف يخلق لنفسه مقاومة ومعارضة من داخل "الحزب والعائلة والنظام" وهذا هو المحظور، والذي لا نعتقد غفل عنه الرئيس بشار، خصوصا وأن هناك مراهنة من جهات دولية وإقليمية على نفاذ صبر الرئيس لكي يدخل النظام في أزمة مع الشعب أو مع الجهات المعترضة، أو هي الجهات المعترضة سوف تعترض طريق الرئيس، وتأخذ زمام المبادرة في سوريا، فنعم فهناك ترحيبا كبيرا من قبل شرائح بعثية وعسكرية وبرلمانية بما أقدم عليه الأسد، ولكن ليس هناك ترحيبا جماعيا، وهنا نتحدث الأيام التي سبقت خروج المظاهرات المؤيدة والتي بنظر الغرب تؤخر ولا تقدم، وخصوصا فالذي لاحظناه أن هناك امتعاضا من جهة حزب البعث الذي لا بل هنا حذرا، وبالتالي نتوقع أن يكون هناك صداما بين جبهة الرئيس بشار من جهة، وجبهة الحزب من جهة أخرى وربما سيلتحق بالحزب جبهة الصقور داخل النظام والتركيبات العائلية والتي تسمي الإصلاحات التي أعلنها الرئيس ماهي إلا تنازلات، وأن هذه المعركة ستضعف النظام، وعلى الأقل معنويا ونفسيا، فننصح الرئيس بحماية نفسه ومن الآن ثم يمضي بخطوات الإصلاح.

فالسفير الأميركي الناطق بالعربية، والخبير بالشأن السوري وشؤون منطقة الشرق الأوسط كان جالسا في بغداد ولفترة طويلة، وكان يشرف على كل صغيرة وكبيرة تخص الملف السوري، وحتى أشرف بنفسه على المجموعات المتسللة التي دخلت وخرجت، وعادت للداخل السوري، ولا تنسوا فأن الطيران الأميركي في العراق لديه قدرة الإستكشاف والتجسس لأكثر من 80 كيلومترا في العمق السوري، وهذا يعني أن هناك جبهة سورية ساقطة أصلا من الناحية العسكرية والإستخبارية ولصالح واشنطن من جهة العراق، ناهيك عن العمق الساقط عسكريا وأستخباريا داخل سوريا ومنذ عقود من جهة أسرائيل، ولا تنسوا بأن هناك أجهزة متطورة جدا قد أدخلها الأميركان أخيرا الى لبنان وأن قسما منها راح للجيش اللبناني والقسم الآخر راح للقوات الدولية، وأن لهذا الأجهزة دورا في الإستخبار داخل الأراضي السورية ولمسافات لا بأس بها، أما من جهة تركيا فهناك وحدات صاروخية وأستخبارية وهناك رادارات متقدمة للغاية وضعت بحجة التهديد الإسرئيلي، ولكنها كشف العمق السوري أيضا، لذا فالسفير روبرت فورد جاء لمهمة محددة مدتها 360 يوما، وهي مهمة حددها الرئيس أوباما ومن وراء ظهر الكونغرس الأميركي، بحيث سارع أوباما لتوقيع مرسوم فورد ولمدة عام واحد مستغلا عطلة الكونغرس خوفا من أيقاف أو تعطيل مهمة السفير التي لقنها أياها الرئيس باراك أوباما، وبدعم من وزيرته ومساعدها فليتمان الذي يناصب العداء للقيادة السورية، والمهمة هي هندسة أحداث الفجوات في الجبهة الداخلية والسياسية أولا، ثم الشروع بهندسة التغيير في سوريا ثانيا، وأن من يقول عكس ذلك فليشرب من نهر بردى، وأن الأحداث التي حدثت في درعا واللاذقية وبعض المناطق ما هي إلا مقدمات وجس نبض النظام للأستفادة من ردات فعله ودراستها جيدا، ولهذا فعندما أطلق بعض الساسة وأعضاء مجلس النواب في الولايات المتحدة تصريحات محايدة أو حذرة عن الأحداث السورية، فهي بحد ذاتها شفرة لسفيرهم في دمشق، وأن تصريح وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون "لا تتوقعوا سنسارع ونقوم بنفس الخطوات التي أتخذناها في ليبيا" فهذا التصريح بحد ذاته هو رسالة الى سفيرها في دمشق ليُهدأ الأمور لحين الإنتهاء من فرز المهمات في ليبيا.

ولكن الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد كان يقول "حاولوا أن تفهموا التصريحات الأميركية لتعملوا عكسها بالضبط" أي يقصد بأن التصريحات الأميركية هي عكس الأفعال والنوايا. فضد سوريا "دزينة" من الملفات الخطرة والجاهزة، والمحشوة بالكذب والفبركات والتقارير الإنتقائية وبدعم أميركي وإسرائيلي وغربي، وأن قسما منها في العاصمة فيينا حيث الوكالة الذرية، والأخرى في واشنطن حيث وزارتي الدفاع والخارجية والوكالة، والقسم المتبقي في لاهاي حيث المحكمة الدولية، ناهيك عن ملفات أخرى بيد المنظمات الدولية التي أصبحت ذراعا قويا لواشنطن، وبالتالي فجميعها تضع النظام في قفص الإتهام، خصوصا وأن ادوات الشيطنة جاهزة وتنتظر الإشارة وهي "أستخبارية، وإعلامية، ودبلوماسية، وسياسية" لتباشر بشيطنة النظام السوري وبعض القادة فيه، ومثلما فعلوا مع الرئيس صدام، والزعيم القذافي وغيرهما، وأن أخطر ما في مخططات "التغيير" التي هندستها أدارة الرئيس أوباما هو الدور التركي الخفي، فهناك أصدقاء لسوريا وللعرب لعبوا دورا خفيا في الأحداث الجارية في المنطقة بشكل عام، وفي سوريا بشكل خاص، وباتوا يذرفون دموع التماسيح، ويتصلون بالأسد للأطمئنان، وكلها فبركات أبعاد النظر عن دورهم الخفي، وبمقدمتهم تركيا، فهي اللاعب الضاحك الماكر والساحر، والخوف كل الخوف أن يأخذ هذا الماكر زمام المبادرة في سوريا ليصبح أبو رغال الجديد في تقديم سوريا على طبق من ذهب الى واشنطن، والى ساسة التغيير الجُدد.

لذا وبالعودة الى موضوع الإجراءات التي أتخذها الرئيس الأسد، فهي إجراءات تلامس الوضع العام، ولا تلامس المواطن الذي يبحث عن الحرية، فهناك فجوات واسعة، لا بل هناك أضطهادا في موضوع الحرية الشخصية، والفكرية في سوريا، وهي أقل بكثير من ما هو موجود في الأردن على سبيل المثال، حيث في الأردن حرية شخصية وفكرية، ويشعر المواطن الأردني والزائر والمقيم هناك نوعا من الثقة بالنفس وعدم الخوف، بحيث لا يجوز التعدي على كرامته وحريته الشخصية والمنزلية والفكرية، إلا عندما يشك بأنه طابورا خامسا، وحتى هنا يُعامل بكل أحترام وضمن شعار "بريء حتى تتم أدانته" وعلى العكس من الوضع في سوريا تماما فهو متهم على طول الخط، وهذا لا يتلائم مع طموحات الرئيس والشعب، وهناك موضوع القضاء السوري الذي لا يتسم بالنزاهة بل هو قضاء انتقائي، وفيه المحسوبية والإنقيادية، فيجب أن يكون القضاء مستقل وأقوى من جميع الأجهزة في الدولة بأستثناء الرئاسة، ناهيك أن تركيبة النظام في الأدارة داخل سوريا هي تركيبة " هرمية" والأمر يأتي من الرأس نحو القاعدة، ولا يجوز للقاعدة الأعتراض، وبالتالي فالوزير والسفير مجرد سكرتاريا منفذة للتعليمات والصادرة من مجموعة حاكمة" مجموعة الحاكم بأمره" فعلى الرئيس الأسد أنهاء هذا الوضع تماما، لأنها أجراءات مخجلة ولا تتلائم مع وطن عريق، وشعب ذكي، ورئيس مثقف وواع وينادي بالأصلاح.

فسوريا تختلف عن البلدان العربية، فهي تحتاج الى ثورة عاجلة من "الإصلاحات والقوانين" وتحتاج الى نزاهة القضاء، وتنظيف الأجهزة الأمنية من المافيات، ووضع قوانين صارمة ضد الرشوة والفساد وعندما تتوفر هذه الأجراءات سوف تفز سوريا فتصبح "نمر شرق أوسطي" لأن الشعب السوري يتصف بالمرونة والبراغماتية، وهي صفه يتميز بها الشعبين السوري واللبناني فقط، وفي سوريا طبقة واسعة من رجال الأعمال والأقتصاد الناجحين والطموحين، ناهيك أن في سورية هناك قاعدة أقتصادية مرنة من القطاع الخاص، وهي مؤهلات تحتاج الى دعم وعند حصول الدعم سوف تقفز سوريا لتصبح "ماليزيا الشرق الأوسط" فكفى أنانية من المجموعات المهيمنة على الاقتصاد والقضاء والسوق، ولتسأل نفسها أي هذه المجموعات المهيمنة "من أين لنا هذا؟" ولتسأل نفسها سؤالا أخر: لو لم نكن بقرب النظام أو من عصب النظام فهل نستطيع جمع كل هذه الثروات المهولة؟ وعليهم متابعة ندم وعض أصابع حاشية مبارك وبن علي الآن وجميعهم يقولون "يا ليتنا تواضعنا؟ ويا ليتنا كنا على صلة طيبة بالشعب؟ ويا ليتنا لم نكن جشعين؟" ولكن لا يفيد الندم، إذن كفى أنانية وجشع، وأفسحوا المجال للسوريين لينعموا بخيرات بلدهم، وكفى تلك المحاصرة للرئيس بشار، أتركوا الرئيس ليعمل ويجتهد.

ونعتقد بأن هناك مشكلة أخرى، وقد تكون عويصة على الرئيس بشار، وهي مشكلة " حزب البعث" فالحزب غير مؤهل وغير قادر على بناء " دولة ديمقراطية ومدنية" إطلاقا، فالحزب تربى على عقيدة وعقلية واحدة، وبالتالي فلن يكون مرنا وناجحا في دعم وتعزيز الدولة الديمقراطية والمدنية في سوريا أو في أي مكان في العالم، لأن الحزب جاء لزمن معين، والزمن قد انتهى، خصوصا وأنه آمن بنظرية البقاء على الكرسي وفي الموقع حتى الموت، فلو القينا نظرة على قيادات الحزب في العراق، وسوريا على سبيل المثال فبقوا هم وبنفس الوجوه ولم يسمحوا لغيرهم بالصعود حتى سلموا العراق لأميركا بسبب أخطائهم وكوارث أفكارهم وأيديلوجايتهم، وبالتالي نرفض رفضا قاطعا ومعنا الشعب العربي والسوري بأن يسلم هؤلاء سوريا، وبسبب أخطائهم وتشبثهم بآرائهم يفرشون البساط لتتدخل واشنطن أو باريس أو لندن، فكفى للحزب الواحد، فلقد شاخ الحزب وعليهم الأعتراف بهذا، وكفى للبيانات الخشبية واللغة القديمة التي أصبحت لا تنفع والتي تهب منها رائحة التعالي المزيفة والنصر المنافق، فلقد ضحكنا جميعا عندما قرأنا بيان حزب البعث حول أحداث درعا، فعندما تغمض عينك وتسمع البيان سوف تشعر بأن من كتبه بعثيا من العراق أو اليمن أو لبنان لأنها نفس اللغة ونفس الأصطلاحات مثل "الأمبريالية، والمؤامرة، ولن يتمكنوا منا ومن شعبنا، وهناك تلاحم جماهيري بين الشعب والقيادة، وأن الحزب مدرك للأخطار..الخ" فأين هو التلاحم فلقد ضاع العراق وهم ينادون بالتلاحم والحالة الواحدة، وأين هو من التلاحم وهناك الحرائق والمظاهرات في درعا واللاذقية، فالرجاء النزول لعقول الناس النقية، والرجاء التحدث بواقعية "فمن هو الذي قتل الـ 100 أنسان سوري؟" وهل يعقل قتلتهم العصابة المسلحة؟ فالرجاء مزيدا من الأحترام للمواطن السوري وللرأي العام، ومزيدا من التواضع فأنتم لستم ملائكة وأن نظامكم ليس جمهورية أفلاطون، فتواضعوا وأقتنعوا بالتغيير والإصلاح، وأن الفرصة ذهبية أمامكم فخذوا العبرة من صدام، وبن علي، ومبارك، والقذافي، و"بلاش تكابر"، فسوريا أكبر منكم جميعا، ولا يجوز أن تحترق أو تُحتل أو تُخترق فداءا لكم، لذا عليكم تقديم التنازلات ولمصلحة الشعب وسوريا، وباسم الشعب السوري هذه المرة، وأن أي تعنت أو فبركة أو حيلة سوف تكون كارثة عليكم وعلى سوريا.

فهل علمتم بأن هناك مبعوثين عسكريين وأستخباريين قد وصلوا من واشنطن وباريس ولندن الى عواصم الجوار السوري والى إسرائيل، وقد تناقشوا وبجدية حول الأحداث السورية مع تلك العواصم، وهذا يعني أن هناك مراحل قادمة من التصعيد، فعليكم تقديم التنازلات تلو الأخرى الى شعبكم لتنقذوا سوريا من مشاريع التقسيم والتقزيم المُعدّة والجاهزة في مطبخي اللاعب الدولي والإقليمي!.

سمير عبيد

كاتب ومحلل في شؤون الأمن القومي

Sa.obeid@gmail.com