الى أين يقود النفط عجز المنتجين وركود المستهلكين؟

عالم يغرق في معضلة النفط

لندن – تواجه الدول المنتجة والمستهلكة للنفط على حد سواء معضلة حول الاسعار يُعتقد ان حلها لن يأتي قبل مرور عام او عامين. والسؤال هو: الى أي مدى سيذهب الاضطراب في اسعار النفط؟ والى أين يقود عجز الميزانيات بالنسبة للمنتجين وركود اقتصاد المستهلكين؟
ففي حين تحرص الدول المنتجة على رفع الأسعار قائلة ان سعرا يتراوح بين 70 و90 دولار يعد "سعرا عادلا"، فان الدول الصناعية الكبرى ترى ان ارتفاع اسعار النفط يضر بمساعيها المحمومة للخروج من دائرة الركود.
ويبدو من هذا الواقع ان الجانبين يقفان على طرفي نقيض. ولكن المعضلة تتجسد أكثر عندما يتضح ان انخفاض اسعار النفط يؤدي الى شيئين يضران بالاستقرار الاقتصادي للطرفين معا. الأول، هو ان انخفاض الأسعار يحد من قدرة الدول النفطية على تطوير الانتاج او رفع مستوى الاحتياطات، وهو ما يعني عجزها في المستقبل عن تغطية ارتفاع الطلب. وهذا ما سيدفع الى ارتفاع صاروخي آخر في الأسعار يعود ليهدد اقتصاد المستهلكين.
والثاني، هو ان العجز في ميزانيات الدول المنتجة يحرم الدول الصناعية نفسها فرص التجارة مع دول تعد غنية. كما انه يحد من مساهمات هذه الدول في تمويل الصناديق الدولية المعنية بتطوير مشاريع التنمية والاستثمارات في الدول الناشئة، وهذا يحد بدوره من توسيع الفرص التجارية للدول الصناعية أيضا.
ومن المتوقع ان تواصل الدول المنتجة والمستهلكة للنفط مواجهة هذه المعضلة لما يتراوح بين عام او عامين، أي الى أن يُظهر الاقتصاد العالمي قدرا من الانتعاش يسمح بتقديم معالجات.
ومن الصعب الافتراض ان الدول النفطية على سوية واحدة في مواجهة مشكلة تراجع الأسعار، إلا انها جميعا تواجه عجزا متفاقما في الميزانيات فشلت في الاستعداد له عندما كانت أسعار ترتفع حتى وصلت الى 147 دولار للبرميل.
ففى بداية النصف الثانى من عام 2007، طاشت سوق النفط الدولية، مع ارتفاع اسعار النفط بنسبة غير متوقعة. وتجاوزت اسعار النفط بسهولة اعتاب 80 و90 دولارا اميركيا للبرميل فى بورصة نيويورك التجارية (نايمكس)، وفى يوم التداول الاول من عام 2008، سجل سعر النفط مستوى قياسيا تاريخيا بلغ مائة دولار للبرميل.
وبدأت اسعار النفط ارتفاعها الجنونى فى النصف الاول من عام 2008، حيث تجاوزت بشكل متوالى حواجز 110 و120 و140 دولارا للبرميل فى بورصة نايمكس. وفى 11 يوليو، سجل سعر النفط اعلى مستوى ليصل الى 147.27 دولار للبرميل.
لكن اسعار النفط انهارت بعد منتصف عام 2008. وهبطت الى نحو مائة دولار للبرميل فى سبتمبر وتراجعت الى ما دون 50 دولارا فى نوفمبر/تشرين الثاني، بانخفاض يتجاوز الثلثين مقارنة مع ذروتها فى منتصف يوليو/تموز.
وتم تداول النفط بأكثر من 40 دولارا للبرميل فى 18 ديسمبر بعد ان تراجع الى ادنى مستوى له منذ اكثر من 4 سنوات، على الرغم من اعلان منظمة الدول المصدرة للبترول (اوبك) عن خفض قياسى لانتاجها بمقدار 2.2 مليون برميل يوميا، اى 7 فى المائة من حجم انتاجها اليومى.
ووفقا لتقرير الطاقة العالمى لعام 2008، ساهمت عوامل مختلفة فى عمليات ارتفاع السعر منذ عام 2003، بما فيها نمو الطلب القوى وعدم زيادة انتاج اعضاء الاوبك بين عامى 2005 و2007، وزيادة نفقات اكتشاف وتطوير الحقول بالاضافة الى ضعف الدولار.
ويعتقد المحللون ايضا ان المضاربة كانت خلف الصعود الاخير لاسعار النفط. وقال روبرت كاوفمان، الاقتصادى بجامعة بوستون، ان زيادة فى الطلب وانخفاضا فى الانتاج غيرا التوازن الضعيف فى سوق النفط ، الامر الذى اثار توقعات المضاربين بأن الاسعار سترتفع قريبا.
ودفعت هذه التوقعات المضاربين الى ضخ اموال فى سوق النفط من اجل كسب ارباح كبيرة، فيما عملت هذه الاموال الضخمة على رفع اسعار النفط الى مستويات قياسية.
بيد ان الاسعار انهارت مع ازدياد قيمة الدولار امام العملات الرئيسية وادت الازمة المالية العالمية الى تراجع الطلب على الطاقة. ودفع تشاؤم السوق بسبب ضعف الطلب الى سحب اموال المضاربة من سوق النفط. وسحب المستثمرون المؤسسيون مليارات الدولارات من سوق النفط مع انهيار الاسعار واحتمال عدم ارتفاعها مرة اخرى حتى يصل الركود الى ادناه -- وهو ما ربما يحدث فى السنة المقبلة.
وربما ساعد سحب الاموال فى دفع انهيار اسعار النفط، التى تراجعت بنحو الثلثين فى اكثر من 4 اشهر فقط.
واثار صعود اسعار النفط وهبوطها شعورا متنوعا لدى اطراف مختلفة، حيث شكل الارتفاع السريع فى الاسعار فى النصف الاول من عام 2008 الجارى ضغوطا كبيرة على الاقتصاد العالمى. وادت الاسعار العالية الى اضعاف قدرة الشراء لدى المستهلكين وزيادة التضخم، وتدهور العجز التجارى للدول المستوردة للنفط. ويعتقد بعض الخبراء ان ارتفاع الاسعار ساعد ايضا على تفاقم الازمة المالية الدولية فى النصف الثانى من هذا العام.
بالنسبة لمعظم الناس، قد يكون هبوط اسعار النفط هو البشرى الوحيدة لهم خلال الازمة المالية. كما ادى هبوط الاسعار الى تخفيف ضغوط الانفاق لدى الدول والشركات والمستهلكين واعطى البنوك المركزية مساحة اكبر لتخفيض معدل الفائدة من اجل تنشيط الاقتصاد دون القلق من حدوث تضخم.
وقال مايك ويتنير المدير العام لابحاث النفط فى بنك سوسييتيه جنرال الفرنسى "باختصار، لاننا فى ركود، يمكننا ان نستغل بصورة كاملة سعر نفط منخفضا"، مضيفا "انه مثل تخفيضات ضريبية، اعادة اموال فى الجيوب لوقت قصير".
وعلى الرغم من ذلك، تنظر الاوبك، اكبر كتلة لانتاج النفط فى العالم، الى صعود الاسعار وهبوطها بشعور مختلط.
يشار الى ان الحفاظ على سعر عالى نسبيا تقبله كل من الدول المنتجة والمستهلكة، يعتبر افضل لصالح اوبك، حيث يعمل النفط الغالى على اضعاف قدرة شراء المستهلكين وزيادة العجز التجارى للدول المستوردة للنفط، مما يقلل الاستهلاك. ويؤدى ذلك بدوره الى تدنى الطلب وهبوط الاسعار.
ويتركز اهتمام المراقبين على التطور المستقبلى فى أسعار النفط العالمية، لانها تؤثر بشكل مباشر على الحياة اليومية والثروات المالية للدول. ووسط الاثر العميق للازمة المالية الدولية، خفضت مختلف المؤسسات المالية توقعاتها السابقة لأسعار النفط للعام المقبل. فعلى سبيل المثال، خفضت ميريل لينش توقعاتها من 90 دولارا الى 50 دولارا للبرميل، دون استبعاد احتمال الوصل الى 25 دولارا للبرميل.
وترى الاوبك انه بالاضافة الى المعادلة التقليدية بين الطلب والانتاج، تساعد العديد من الأسباب الاخري على تحريك أسعار النفط، مما يجعلها متقلبة ولا يمكن التنبؤ بها. ويهدف اكبر منتج للنفط فى العالم الى التوصل الى سعر مستقر يتراوح بين 70 - 90 دولارا للبرميل، واصفا اياه بأنه "سعر عادل".
ويرى سيمون وارديل، مدير مجموعة اسواق الطاقة بشركة جلوبال انسايت المحدودة التى تتخذ من لندن مقرا لها، ان اتفاقا شاملا بين الاوبك والدول المستهلكة حول سعر 75 دولارا للبرميل، هو امر مناسب.
وقال ان "هذا السعر يجعلك تستثمر فى انتاج جديد، وهو عال بما يكفى للتشجيع على زيادة فعالية فى استخدام النفط، كما انه كاف للحفاظ على ميزانيات دول الشرق الاوسط".
ويحذر محللون من ان الاسعار المنخفضة للغاية الآن تشجع على الشراء وتقليل الانتاج، وهو ما قد يتسبب فى ارتفاع الاسعار فى المستقبل القريب.
وتوقع بنك باريس انه فى الارباع القليلة المقبلة، سيستمر ضعف الطلب وتراجع الاسعار فى السوق، لكن الزيادة المحدودة فى انتاج الدول غير الاعضاء فى الاوبك وخفض انتاج الاوبك سوف يدفعان الاسعار الى الارتفاع فى اواخر عام 2009.
ووفقا لتقرير الطاقة العالمى لعام 2008، فإن "عصر النفط الرخيص" الحالي يقترب من نهايته نظرا لان الطلب الطويل الامد على النفط لا يزال قويا. ويتوقع التقرير انه فى السنتين المقبلتين، سوف تظل اسعار النفط العالمية متقلبة، ولكنها ستتصاعد بشكل كبير احيانا خلال تلك الفترة، وخاصة بعد انتهاء الازمة المالية.
وتنبأ التقرير بأن اسعار النفط العالمية ستتجه صعودا وهبوطا الى نحو 70 دولارا للبرميل عام 2015، ثم ترتفع على نحو مطرد الى 113 دولارا للبرميل فى عام 2030، وهو ما يعادل 70 دولارا للبرميل حسب معدل التضخم فى عام 2006.
وبالنظر الى تجربة السنتين الماضيتين، فقد "نجحت" الدول النفطية في تبديد الفرص التي أتاحها ارتفاع الاسعار، وذلك بقيام الكثير منها باستثمار الأموال في شركات أسهم في البورصات الغربية وبناء "استثمارات" خارجية. وعندما انهارت الأسواق، ضاعت الأموال، او الكثير منها على الأقل، وتراجعت قيمة الاستثمارات الى حدود دنيا غير مسبوقة.
والأسئلة التي ستعود لتواجه هذه الدول، عندما تبدأ الأسعار بالارتفاع هو، هل ستعود لتكرر الفشل نفسه؟ هل تكون قد تعلمت الدرس؟ هل تتجه للاستثمار في بلدانها ولصالح شعوبها المحرومة نفسها؟