الوهم والمخاتلة في 'اعترافات ذاكرة البيدق'

عمَّان ـ من المعروف أن الرواية وكل رواية تلجأ إلى أدواتها الخاصة فيما تعبر عن الواقع، وأدوات الرواية تتسم بقدر كبير من فلسفة الاختزال والانتخاب والاختيار، مع قدر موازٍ من استدعاء المعرفي والجمالي لتوظيفه في النص الروائي، وهكذا يفعل السارد عندما يكتب نصاً، وعباس خلف علي في روايته "من اعترافات ذاكرة البيدق" الصادرة عن دار فضاءات للنشر والتوزيع، لا يسلم قيد الإبداع للمعلومة التاريخية المؤكدة، بل يخضع تلك المعلومة لضرورات فن الكتابة، وبهذا يصل بحلمه إلى نقطة الإبداع المتكامل دون أن يكون مفارقاً للحقيقة الواقعية الصارخة.

وعباس يُكاشف اللحظة التاريخية مُكاشفة جارحة كما فعل "هنري ميللر" صاحب رواية "مدار الجدي" التي كشفت عورة الرأسمالية المتوحشة من خلال مجتمع نيويورك في ستينيات القرن المنصرم.

هذا الكشف الذي يمارسه عباس في روايته، من بدايات النص إذ يقول: (الحيرة تشكل ركناً أساسياً لمخاوفنا، نحن لا نخفي ما سيحدث، تحركنا الغوامض المجهولة ليس إلى هالة الانتصار حسب، وإنما تدفعنا إلى حالة الإرباك ..).

لكن هذا التنوع في الرؤى للسارد ترهن لحظة الخوف لمقتضيات فن الكتابة، وهو فيما يفصل ذلك يلتزم مسارات الفن، استناداً إلى ما يمكن أسميه بالمخاتلة الإبداعية أو الإبهام الفني، بوصفه ركناً ركيناً في صناعة الرواية، وهذا النوع من المخاتلة الإبداعية تستلزم قدراً كبيراً من فتح المسافات بين الحقيقة والخيال، ذلك الذي يضرب جذره في عمق التاريخ السردي للآداب الإنسانية، منذ (إلياذة هوميروس) وحتى آخر الكتابات السردية التاريخية المعاصرة، والروائي عباس إذ يؤرخ؛ فهو يؤرخ روائياً لتاريخ القمع، فيرى أن للقمع تاريخه أيضاً، ونقرأ ذلك: (مهما كانت حروب الصليبين خامرة في أذهان الرواة يصيّرها على هواها ومثلما تريد، ولكن بالتأكيد تختلف عن رواتها الحقيقين الذين ساقتهم الأقدار إليها؛ مؤرخو المدنية).

الرواية تباعدت عن الكتابات المسطورة توثيقاً وتاريخاً للقمع، كما عمل مؤلفها على مناجزة ما عُرف من ثقافة القمع على وجه التحديد، وقدم عنها معلومات افتراضية قد تشير جدلاً واسعاً وتباينات في الرؤى.

في هذه الرواية استقراء لتاريخ القمع، من خلال سيرة ذاتية لشخوصه الروائية تعبر عن الواقع، وبلغة أدبية رفيعة تمسك بأهداب الضرورات الفنية، وتضع القارئ أمام "كومترتراجيا" الحياة، وبتعرية كاسحة لأموال عالمنا العربي.

مقطع القول إن إشكالية العلاقة بين السارد والتاريخ لا تقف عند تخوم السرد ومقتضياته، بل هي إشكالية تطال الخطاب الأدبي الفني بأنواعه المختلفة مما تتسع له المرئيات والاجتهادات.

هناك من يُفلح وينجح في الممازجة الإبداعية بين المستويين، وهذا ما فعله عباس خلف علي، في روايته "من اعترافات ذاكرة البيدق" وهناك من يخفق؛ فيستبدل الضرورة الفنية بالمعلومة والبرهان. وهنا تنتفي صفة الفن والأدب عن العمل الروائي.

ويذكر أن لعباس خلف علي العديد من الروايات، نذكر منها "كور بابل"، وقد نشرت فصول منها في بعض المجلات العراقية والعربية.