الولايات المتحدة أعطت نفسها صك غفران على استخدام السلاح النووي

بقلم سيرغي روغوف

تلحظ اليوم في السياسة الأميركية مناحٍ شتى. فمن جهة تحاول إدارة بوش المحافظة على التحالف الدولي الذي نشأ بعد الحادي عشر من أيلول/سبتمبر لأجل محاربة الإرهاب الدولي. ويتعزز من جهة أخرى الميل إلى الانفراد في التصرف.
فيفسَّر التحالف الدولي نفسه على أنه مساعدة للولايات المتحدة من جانب البلدان المستعدة للسير في ركاب السياسة الخارجية الأميركية فلا حديث هنا عن تشاور مع حلفاء، إذ إن أميركا تفهم الأمر على النحو التالي "تصرفوا كما اتصرف أنا" وهذا النهج انعكس أيضا في المبدأ النووي الأميركي الجديد، فالصيغة الموجزة غير السرية لهذا المبدأ المنشورة في الصحف وما تسرب عن جزئه السري في صحيفة "لوس أنجلس تايمز" يبينان إلى حد ما كنهه تفصيلا.
والسؤال هنا أية استنتاجات رئيسية يمكن للمرء أن يستنتجها يا ترى بعد اطلاعه على الأنباء المتوفرة عن المسألة؟
أولا: الولايات المتحدة لا تنوي إعادة النظر مبدئيا في سياستها النووية المصاغة خلال فترة المواجهة السوفياتية الأميركية إبان سنوات "الحرب الباردة". فالسلاح النووي لا يزال أساس تعاطيها مع القضايا الدولية على الرغم من نظرية "الثورة" الرائجة في الشأن العسكري والمعلِنة إمكان إحراز النصر في الحرب مع أي عدو بمجرد استخدام الأسلحة الاعتيادية من الجيل الجديد الدقيقة التصويب والبعيدة المدى.
ثانيا: ثمة بون شاسع بين الشعار الذي تعلنه إدارة بوش حول تخلي روسيا والولايات المتحدة عن الترهيب النووي المتبادل بما أن هاتين الدولتين لم تعودا عدوتين، وسياسة البيت الأبيض الفعلية فالاستراتيجية النووية الأميركية الجديدة مثلها مثل سابقتها تنظر إلى روسيا نظرتها إلى هدف رئيسي لضربة نووية في حال نشوء نزاع عسكري.
ويؤكد هذا الواقع أن إدارة بوش وإن وعدت بخفض كميات الأسلحة النووية تقترح تحديد سقفها بـ1700 إلى 220 رأس قتالية للشحنات القتالية النووية المنصوبة ميدانيا وهذه الوسائل كافية لتوجيه ضربة نووية قاصمة في خلال بضع دقائق أو بضع ساعات.
ولو لم تكن روسيا موجودة مثلا لكانت ترسانة الولايات المتحدة النووية أقل كثيرا. فـ200- 300 وحدة سلاح نووي كانت كافية تماما لردع دولة نووية مثل الصين، أما في ما يتعلق بصد الخطر الذي يمكن نظريا، حسب زعم الولايات المتحدة، أن يتأتى من "دول صعلوكة" ككوريا الشمالية والعراق وإيران، فالحاجة هنا لا يمكن أن تقاس بمئات الرؤوس القتالية، بل ببضع عشرات لا أكثر. ولذا لا تغير أميركا بانسحابها من معاهدة الدفاع المضاد للصواريخ، أي بالتخلي عن القيود المفروضة على المكون الدفاعي للميزان الاستراتيجي، شيئا في المكون الآخر لهذا الميزان ألا وهو الأسلحة الهجومية الاستراتيجية. صحيح أن كمية الرؤوس القتالية ستصبح أقل، ولكن ليست لهذا أية أهمية مبدأية.
ووالسبب أن عدد الأهداف في الأراضي الروسية قد تقلص هو أيضا. فالأسلحة النووية الروسية والقدرات العسكرية الروسية عموما تقلصت كثيرا وسوف تزداد تقلصا مستقبلا أيضا، زد على ذلك أن الولايات المتحدة تستبقي كل ما لديها من أسلحة نووية مختلفة تتيح لها توجيه ضربة نووية استباقية تصيب كل الأهداف العسكرية.
ثالثا: ثمة أمر جديد في السياسة النووية الأميركية ألا وهو التركيز على ضرورة تصميم رؤوس قتالية نووية تتيح ضرب أهداف محمية مثل المخابئ تحت الأرض. فهذه الأسلحة يمكن أن تستخدم ليس فقط لتدمير مستودعات الأسلحة الكيميائية والبيولوجية السرية، بل أيضا لضرب القيادة السياسية والعسكرية الروسية في حال نشوب حرب نووية.
رابعا: في العام 1994 ضمت إلى الصيغة السابقة للمبدأ النووي الذي أقرته إدارة كلينتون آنذاك بعد انقطاع طويل قائمة الأهداف المحتملة لضربة نووية في أراضي الصين (بعد القطيعة بين الصين والاتحاد السوفياتي وبدء المجابهة السوفياتية الصينية حذف الأميركيون الصين من قائمة الأعداء المحتملين) حينذاك ضمت إلى قائمة الأعداء المحتملين بلدان من العالم الثالث يمكنها ان تحوز سلاح إصابة بالجملة. فجاءت إدارة بوش لتصحح وتدقق هذه القائمة فضمت إليها عدا روسيا والصين "البلدان الصعاليك" الخمسة التي أعلن بوش ثلاثة منها هي العراق وإيران وكوريا الشمالية مثابة "محور الشر"، وزاد عليها ليبيا وسوريا وبطرح الرئيس بوش شعار مكافحة "محور الشر" أعلن حق الولايات المتحدة في توجيه ضربات وقائية إلى البلدان المضمومة إلى هذا المحور. ولا يستبعد المبدأ النووي الأميركي هنا إمكان أن تلجأ الولايات المتحدة قبل غيرها إلى استخدام السلاح النووي إذا ما نشأ خطر صنع سلاح إصابة جماعية من قبل خصومها، أي أن أميركا أعطت نفسها صك غفران على استخدام السلاح، بما فيه السلاح النووي، ضد "محور الشر". ويمكن عموما استنتاج أن المبدأ النووي الأميركي وإن تضمن قليلا من العناصر الجديدة يعقد الوضع الدولي تعقيدا شديدا بما أن اتخاذه أعقب إعلان الولايات المتحدة انسحابها من معاهدة الدفاع المضاد للصواريخ. وهذا الأمر نجم عنه خطر إضعاف، وربما ضرب كل نظام السيطرة على التسلح والأمن الدولي الذي تكون في سني "الحرب الباردة" دون أن يُنشأ نظام جديد يأخذ في الحسبان واقع العلاقات الدولية الحالية حيث لم يعد هناك لاعبان اثنان فقط، بل بات اللاعبون كثراً. ومن شأن المبدأ الجديد، لا سيما إذا لم يوافق الأميركيون على توقيع اتفاقية ملزمة قانونيا مع روسيا (في شكل معاهدة أو ما يسمى اتفاقية تنفيذية، على شاكلة اتفاقية "ستارت- 1" المعقودة عام 1972) أن يبلبل الوضع الدولي هو الآخر بتعقيد العلاقات الأميركية مع روسيا والصين وبعض بلدان العالم الثالث.

الكاتب هو مدير معهد الولايات المتحدة وكندا التابع لأكاديمية العلوم الروسية