الوكلاء الجدد... والقيم المغدورة!

الحق في الاختلاف، حق مقدّس، تكلفه الدساتير، ولا يقبل المساومة أو المصادرة، ولكن لهذا الاختلاف شروط وضوابط وقيم وقوانين ومواثيق تحكمه وإلا تحوّل الاختلاف المشروع والمحمود إلى فوضى ومدخلا لانهيار المجتمعات والدول. فأكثر الديمقراطيات رسوخا وعراقة في العالم تحكمها مثل هذه الضوابط ويظلّ الاستقرار والنظام واحترام الشرعية والامتثال للتشريعات القائمة فوق كل اعتبار وعنوان دولة القانون والمؤسسات فيها.
وعبر التاريخ الإنساني لم تكن الفوضى في يوم ما خلاّقة أو بنّاءة، وإنما عنوان الخراب والدمار والسقوط، ووحده الحوار والوفاق والعقد الاجتماعي والوطن إلى جانب رسوخ الانتماء والولاء للأوطان المسلك الأقوم للارتقاء بتجاوب الأمم والشعوب وجعل التعدّد فيها مصدر إثراء وتطوير لمسيرتها وتحقيق إنسانيتها.
ومن هذا المنطلق لا يمكن استثناء البلاد العربية عن هذا المسار الطبيعي والتاريخي للارتقاء بتجربتها في الإصلاح والتطوير إلى مراتب أكثر تقدّما، ولكن ما يثير الاستغراب والاشمئزاز معا هو هذا الضجيج المفتعل في بعض ساحاتنا، ضجيج يتخذ من الإصلاح والتحديث والديمقراطية يافطة كبيرة له، ولكنه في الواقع يحيد بهذا الهدف النبيل عن سكته ويعرّضه للانتكاس وإلى مخاطر جمّة.
نعلم جميعا أن من يقف أمام مصدر هذا الضجيج هم نفر تبنّوا مقولات "الفوضى الخلاقة والبنّاءة" وصاروا وكلاءهما حصريا في المنطقة مما أدى إلى خلط عجيب والتباس كبير في القيم والمفاهيم والممارسات مما بات يشكل خطرا حقيقيا على مسيرة التطوير والتحديث المنشودة والتي تستمد من التربة الوطنية أصالة مضامينها وآلياتها. ويخال كل من يستمع إلى تنظيراتهم ومواقفهم وهم "يتطاوسون" أنهم يملكون مفاتيح العالم وصناعة القرار فيه، بل كثيرا ما يبدون في مواقفهم أشد ملكية من الملك، وأكثر غطرسة من رعاتهم وحماتهم وملقنيهم وأولياء نعمتهم، في حين تكشف الوقائع المرّة التي يعشها الواقع العربي أنهم مجرّد كومبارس في السوق السوداء الدولية، وأنهم لا يستحقون حتى صفة الطابور الخامس لأنهم ببساطة عجلة عاشرة في آخر عربة من قطار الهيمنة الزاحف على أقطارنا، لا وزن لهم، يدعون أدوارا لا يملكون حتى حق التصرف في استبدال ولو مفردة واحدة من نصوصها المعدة لهم سلفا، ولا في الحركة المطالبون بأدائها.
إنهم أعوان صغار يخضعون لأوامر مكاتب ودوائر باتت اليوم معلومة، واكتشفت شعوبنا والعالم من حولنا دورها الفجّ في زعزعة استقرار الدول وزرع بذور الفتنة الفئوية والطائفية والأهلية بين الشعوب، وإشعال حروب لا يجني من عوائدها وفوائدها إلا الدول الآمرة الكبرى.
وليس خافيا اليوم، أن الكذب والافتراء واختلاق الذرائع وتزييف الوقائع هو السلاح الذي يعتمده هذا الرهط المنتشر من مشرق العروبة إلى مغربها بعدما استبدلوا جلودهم بأخرى مستوردة، وخلعوا عنها كل القيم التي يفترض، بل يجب أن يستند إليها كل فعل سياسي غايته حقا تحقيق التغيير الأصيل المنشود على الأرض العربية، وتحقيق سعادة الإنسان العربي في مختلف أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية إلى جانب تحصين سيادة الشعوب وتأمين مستلزمات استقرارها ونموها ورفاهها والاستجابة لآمالها وتطلعاتها.
إن الخداع هو سلاح التدمير الشامل الذي زوّد به هؤلاء للفتك بمجتمعاتهم خدمة لاستراتيجيات استعمارية وهيمنة مقنعة أصبحت أوضاع الشعوب التي اكتوت بنيرانها أكثر من معلومة، بل إن تلك الأوضاع المأساوية قد ساهمت في كشف زيف إدعاءات "العجلة العاشرة" في البلاد العربية وهو طابور يتشكل أساسا من أيتام المعسكر الماركسي السابق ومشتقاته في تحالف يعارض منطق التاريخ والعقل من زمر ظلامية وقد استعارا معا، وفجأة، مصابيح الأنوار والليبرالية، واستظلا بمظلّة لا عيب لديهم إن كانت أمريكية أو أوروبية في محاولة بائسة ويائسة للإفلات من حالة اليتم والإفلاس التي هم عليها، وللهروب من عزلة جعلت منهم رقما هزيلا ومجموعات نكرة في المعادلة الوطنية والقومية التي يدعون الانتساب إليها، ولم يجدوا من الأسلحة للفكاك منها إلا الاستقواء بالأجنبي واعتبار "العمالة واجبا وطنيا" و"الخيانة عملا شريفا" على حد تعبير أحد الكتاب العرب. بل فيهم من وصلت به الوقاحة إلى التباهي والتعبير عن عدم حرجه من أن يكون في خدمة الأولويات الاستراتيجية لهذه الدولة الكبرى أو تلك، محاولا إيهام الرأي العام بأنه "يستخدم" تلك الدولة الكبرى لبلوغ أهدافه في حين أن القاصي والداني يدرك أن صاحب هذا الرأي ليس أكثر من أداة يلقي به في سلّة مهملات التاريخ ساعة تحقيق القوى الخارجية لأهدافها، فضلا عن أن الرأي العام الذي يسعى هذا الرهط من محترفي المقاولات السياسية أن يسخروا من قدرته على التمييز، يدرك بفطرته ووعيه أن العملاء لا يصنعون أوطانا وإنما يتكفلون ببيعها في هذا المزاد الدولي المفتوح، وأن هذا الرأي العام يدرك أيضا أن هذا "التغريد" الذي يحاولون إغواءه به ليس في النهاية إلا نعيق غربان وصوتا نشازا لا يستقيم وإيقاعات الملاحم الوطنية الأصيلة.
إن مغالاة هؤلاء في التنافس على خدمة الاستعمار الجديد من خلال بيع الأوطان أو إيجارها، وصلت حد تبرير أكثر الممارسات عدوانية ووحشية ولا إنسانية في ساحات عديدة من الوطن العربي، واعتبار أن رسالة المارينز هي رسالة تحديث ودمقرطة وهم بذلك يؤكدون أنهم أحفاد خونة القرون الماضية من الذين اعتبروا الاستعمار ورسالة الرجل الأبيض رسالة حضارية وتمدينية.
هكذا يضحّي مكتشفو فضائل "اللّبرلة" بالمصالح الوطنية أو القومية في سبيل تبرير بدلتهم الجديدة رغم أنهم لم يتخلوا للحظة عن ديماغوجيتهم السابقة ونظرتهم الإقصائية وإدعاء امتلاك الحقيقة تماما مثلما كانوا يلتحفون العباءة التروتسكية أو الماوية او اللينينية بما يتناقض وحلّتهم الليبيرالية المستعارة وما تتطلبه من احترام الإقليمية لرأي الأغلبية.
لقد كرّرنا مرارا أن الإصلاح المنشود لا يمكن أن يفرض من الخارج، ولا يمكن أن تستورد مضامينه وآلياته من وراء البحار وفي غياب مواصفاته الوطنية، والغريب أن هؤلاء الوكلاء يمعنون في التعامي عن هذه الحقيقة بل يعملون من أجل الحيلولة دون أن تستعيد أقطار الأمة ثقتها بذاتها، ويستخدمون شتى المؤامرات من أجل استعداء الأجنبي على الأوطان تحت زعم العجز عن التغيير والإصلاح الذاتي وكأن شعوب هذه الأمة ونخبها الوطنية الصادقة قاصرة وفي حاجة إلى كفيل.
إن تجارب عربية عديدة تملك من مواصفات النجاح والتوفق ما يدحض مثل هذه الإدعاءات، فضلا عن أن الشعوب العربية وهي تشاهد يوميا الحصاد المر لأنصار التدخل الخارجي والخراب الذي هو العنوان الأوحد لـ"منجزهم" أدركت فساد هذه البضاعة ولم تلفح آلة الدعاية والإعلام الموضوعة في خدمة "السماسرة الجدد" أن تخترق وعيها أو تقنعها بأن تعتبر أن الوصاية دمقرطة وتحديث، وأن الاحتلال تحرير وحرية.
لقد طلّق "الوكلاء الجديد" كل القيم التي تحكم العمل السياسي، وداسوا على كل ثوابت الانتماء للأوطان وأثبتوا قدرة فائقة في استبدال المواقع والمواقف كما يستبدلوا ثيابهم الداخلية المشتراة بأموال أجنبية ويسعون إلى تعريب المهزلة أو المأساة العراقية.
فلا شيء يبرّر في اعتقادنا للقبول بالتعاون مع قوى الضغط الدولي، أن اختلاق الذرائع للتدخل الأجنبي في هذه الدولة العربية أو تلك لما تنطوي عليه مثل هذه الرؤى والمقاربات الهجينة من خطورة على سيادة الأوطان ووجودها.
والمطلوب أن يتصدى شرفاء العرب السطو على السيادات الوطنية، رصيدهم الأساسي في هذه المعركة هو أن شعوبنا العربية لم تفقد ذاكرتها... ولم تصب بعد بعمى الألوان كما يراد لها، أو بأنفلونزا "الوكلاء الجديد" الذين قطعوا حبل الوصل بجوهر المبادئ والقيم السياسية والثوابت الوطنية ويريدون اختزال الأقطار العربية في "منطقة خضراء" تدار من خلف ستارة... ويتولى عرض بضاعتها المسمومة حفنة من العملاء. عبد المجيد الجمني
رئيس تحرير مجلة الوفاق العربي