الوقت المتبقي... وماذا بعد؟

الحراك السياسي المتسارع والمتشعب لأطراف حلبة "العملية السياسية" في العراق المحتل خلال الاسابيع الماضية، أخذ اشكالا تعكس بمضمونها الخوف والإرباك من المتغيرات القادمة، بعد ان دلت المؤشرات الأمنية والسياسية والاقتصادية على فشل متواصل لسياسة الاحتلال وحكومته في المنطقة الخضراء، وبعد أن حُشرت ادارة بوش داخليا من خلال صراعها مع الديمقراطيين داخل الكونغرس الاميركي، رغم محاولاتها بتحقيق اختراقات اقليمية تكتيكية في لبنان وفلسطين وسورية وايران، لتساعدها في مأزقها العراقي.
ان طبيعة هذا الحراك السياسي باستبدال المواقع والاتجاه، وبتفكيك بعض التحالفات وتشكيل اخرى جديدة وخروج البعض من المظلة الطائفية، وبروز عناصر وقوى كردية طامحة للعب دور في المنطقة الكردية، والتحشيد الخارجي الذي تعمل عليه قوى اخرى لفرض نفسها كمنقذ، وتقدم نفسها بلون جديد، وكذلك التهديدات التي لازالت تطلقها اطراف اخرى بالانسحاب من العملية السياسية، وتعليق البعض لعضويته في الحكومة والبرلمان، كلها لم تخرج عن دائرة "العملية السياسية" واطارها، ولا زال اغلب المشاركين فيها يتمتعون بدونية المكابرة المفضوحة في تعليلهم لما يجري.
لقد كان أياد علاوي اكثرهم شجاعة، بدعوته الى اعادة النظر بالعملية السياسية، وكان اكثرهم جرأة باعترافه بأن من يحمي الحكومة في المنطقة الخضراء هم الاميركان، وان بدونهم تسقط الحكومة، وان عليهم تنفيذ الشروط الاميركية لضمان استمرار الدعم الاميركي. وهو إذ يحاول إضفاء بريق جديد على توجهاته عبر هذه التصريحات وعبر محاولته تشكيل تكتل غير طائفي، فهو واقطاب حركته لا زالوا يغازلون حكومة الاحتلال ويبعثون برسائل سياسية تؤكد الازدواجية المكشوفة، في محاولة اللعب على الحبال العربية والاميركية والداخلية.
لقد نجح طالباني في خلخلة جبهة علاوي السياسية، باستخدام نفوذه على وزرائه بعصيان قراره بتعليق عضويتهم في الحكومة، والضغط على بعض عناصر جبهته بالانسحاب مثل مهدي الحافظ، ودعوة حميد مجيد وجماعته بالوقوف على مسافة منه، وخاصة عندما اعلن في القاهرة عن تشكيل تكتل سياسي جديد يضم قائمة علاوي والحزب الاسلامي والاتحاد الاسلامي الكردستاني وشخصيات كردية مستقلة مثل ارشد زيباري، والذي سرعان ما انفرط عقده، بفعل الضغوط الكبيرة التي مارستها السفارة الاميركية على بعض اطراف هذا التكتل للانسحاب وبطلب مباشر من مسعود بارزاني وجلال طالباني، واللذين اصدرا بيانا بعد اجتماعهما الطارئ، يعكس قلقهما الحقيقي من منافسة قوى كردية اخرى لسيادتهما وسلطتهما في كردستان وكذلك من خلخلة الوضع الحكومي في بغداد، والذي سيعقد ويعيق اتفاقاتهم مع المالكي بصدد كركوك والمحاصصة النفطية.
ورغم تصريحات طالباني المُضللة حول قرب الاتفاق مع المقاومة، وان اغلبية الشعب العراقي يريد بقاء القوات متعددة الجنسية، فانه لم يستطع اخفاء ارتباكه وخوفه من خلال هجومه على بعض القوى التي "تحاول الانقلاب " كما سماها وعلى بعض الدول العربية ومخابراتها التي تقف وراء من يعادون المسيرة الديمقراطية.
ولازالت جبهة التوافق بمكوناتها المعروفة لم تخرج عن اطار التوجهات التي يحاول الحزب الاسلامي وبدعم قوي من السفير الاميركي فرضها على الجبهة، رغم التهديدات التي يطلقها رئيس الجبهة عدنان الدليمي بين الحين والاخر بالانسحاب من العملية السياسية، وهي التهديدات التي تعود كذلك طارق الهاشمي على نشرها، كمناورة سياسية كما يعتقد، والذي لا يلبث ان يبتلعها فيما بعد، محاولا سحب اعضاء التوافق لمواقفه، حيث رفض تجميد عضويته كنائب للرئيس، ورفض كذلك الاستمرار بتعليق عمل الوزراء في حكومة المالكي، وهذا ما اثار جملة التناقضات التي أدت الى تصدع هذه الجبهة وبروز المواقف المتناقضة بين اقطابها الرئيسيين وخاصة خلف العليان والدليمي والهاشمي، رغم ان هذه التناقضات لازالت تدور في اطار العمل وتكتيكاته وصيغه ضمن عملية المحتل السياسية وشروطها الاساسية.
ان هذه الجبهة وبمكوناتها المختلفة، كانت تدعي ان "العملية السياسية" هي ساحة نضال سياسي لانهاء الاحتلال وتعديل دستوره، وخلق التوازن، واعتبرت نفسها ممثلا لطائفة بعينها ومدافعةَ عن حقوقها، إلا انها اصبحت تلعب وفق القواعد التي ارادها خليل زادة سابقا بتصديقها لمحاباة اميركا للسنة في العراق، واليوم ترقص على انغام المصالحة الوطنية والتعديل الشكلي للدستور وتخفيف قانون الاجتثاث لتصل فيما بعد الى المساهمة باقرار قانون سرقة النفط العراقي وحصص اقاليمه، مع صمتها المريب ازاء ما يتعرض له السنة العرب والعراقيون عموما من مجازر على ايدي قوات الاحتلال ومليشيات حكومته.
لذلك ليس بالغريب ان يعلن احد اعضائها الانسحاب من العملية السياسية ومن البرلمان ويقر بالمقاومة كسبيل رئيسي لطرد الاحتلال والغاء عمليته السياسية، وليس بالغريب ان ينحسر نفوذ اطرافها الشعبي، ويتحول مؤيدوها الى اطراف وهيئاتٍ وطنية اخرى مناهضة للاحتلال واجندته، وربما الايام القادمة ستشهد اشهار مواقف اخرى لبعض اطرافها تتجاوز التصريحات التي نسمعها.
وهو ما ينطبق على جبهة الحوار الوطني برئاسة صالح المطلك والتي لها احد عشر نائبا في برلمان المنطقة الخضراء، والتي اعلنت استعدادها وعملها على تشكيل تكتل وطني جديد يتجاوز الطائفية والمحاصصة ومع قوى من الائتلاف الشيعي اضافة الى جبهة اياد علاوي وشخصيات اخرى، وهددت على لسان السيد صالح المطلك ومن عمان في 3-6-2007 بتعليق مشاركة جبهته بالعملية السياسية او الانسحاب منها، اذا استمرت حكومة المالكي بتجاهلها للمتطلبات الوطنية في ادارة البلاد، وفي الحقيقة فان السيد المطلك يرفع شكواه ويريد ايصال تهديده الى ادارة الاحتلال وبيتها الابيض في واشنطن كما فعل ويفعل السيد طارق الهاشمي، مع ادراكهم انهم مكبلون بشروط عملية شرع لها المحتل وسن لها قوانينها التي تخدم توجهاته وخططه، وما دخولهم فيها ولازال إلا تعبيرا عن قصر نظر سياسي، عكستها تبريراتهم التي دحضتها يوميات الاحتلال على ارض العراق.
أما التيار الصدري وبتراث ابائه الروحيين، المعروفين بقيمهم الدينية الرفيعة وبوطنيتهم قبل مذهبهم وطائفتهم، كان قد رفض الاحتلال وقاومه، ونسج صلات واواصر واعدة مع الفصائل الوطنية الاخرى، والتي ما لبثت ان تصدعت، وُأخترق هذا التيار وجُندت بعض مجاميعه في اعمال القتل والتهجير الطائفي، وشكلت اخرى باسمه وباشراف وتمويل من الربيعي والجلبي وجلال الدين الصغير، لتقوم بكل ما يخدم اجندة المجلس الاعلى ودوائر الاحتلال ومخابراته، في ظل صمت غير مفهوم من قيادات هذا التيار، وفي ظل مساهمة سياسية مائعة تصب في تكريس القوانين والتشريعات الاحتلالية، حيث ساهمت كتلة التيار الصدري ووزرائه بشكل مباشر في تمرير قانون الفدرالية، واصبح بعض وزرائها العوبة بيد المالكي وتوجهاته المرتبطة بدفع اي ثمن مقابل بقائه واستمراره في السلطة، وما تصريحه في 7-6-2007 بان على التيار الصدري ان يتخذ مواقف وقرارت حاسمة بصدد مشاركته السياسية، وان هذا التيار يضم مجاميع صدامية وبعثية، إلا تعبيرا عن لحظة البدء في فك ارتباطه بهذا التيار الذي اوصله لموقع رئاسة الوزراء، وهو انذار واضح في ظل استحقاقات الوقت المتبقي لتقديم كشف الحساب من قبل حكومة المالكي لسيدها في البيت الابيض ومن بينها وعلى رأسها تمرير قانون النفط واقراره عبر برلمان الاحتلال في المنطقة الخضراء.
ان الموقف المائع والرخو الذي اعلنه ممثل الكتلة الصدرية في البرلمان نصار الربيعي بصدد قانون سرقة النفط العراق، يعكس التسوية المقبلة التي يمكن ان تعقد بين الكتلة الصدرية وحكومة المالكي والتي ستكون ضربة شديدة لمصداقية السيد مقتدى الصدر وتعويم مأسوف عليه، لتيار وطني شعبي، كان من الممكن ان يلعب الدور الاساسي الى جانب القوى المقاومة والمناهضة للاحتلال في اختصار ماسي والام الشعب العراقي لو استطاعت قياداته، وخاصة المدركة منها لطبيعة الصراع الجاري في العراق، حسم الخيار الوطني كنهج وممارسة بعيدا عن المواقف النصفية والمتأثرة بالروابط مع بعض المرجعيات الصامتة، والصمود وتجاوز الضغوط التي مورست وتمارس لترويض وتطبيع هذا التيار ودمجه في عملية المحتل السياسية.
من الاهمية بمكان لمستقبل هذا التيار ومصداقية قياداته وخاصة السيد مقتدى الصدر، ان لا يجري الفصل بين موضوعة الاحتلال وعدم شرعيته ونتائجه وواقع الأزمة الطاحنة التي يعيشها العراق، وان يتطهر هذا التيار وقياداته المخلصة والنزيهة من تأثيرات وامتدادات الطائفيين والفدراليين والمندسين من مخابرات ومن "برلمانيين" استحلوا بانتهازية انانية مقرفة مواقعهم ليسوقوا لمواقف (نصف وطنية) تخدم استمرار بقائهم.
المطلوب اليوم تدجين هذا التيار او تصفيته، لذلك يجب ان لا ينسى قادة هذا التيار من المخلصين، بأن رامسفيلد قد قالها قبل اشهر "بأن الحكومة العراقية ستتولى امر مقتدى الصدر" وهاهو المالكي يطالب الصدر "بقرار حاسم" حول ما اسماه مشاركته بالعملية السياسية، والذي يعني التسليم والمساهمة بدفع فاتورة البقاء للمالكي، وعدم قيام بعض المجاميع الوطنية من هذا التيار بمهاجمة قوات الاحتلال والاندماج الكامل بالمخطط الاحتلالي.
فهل يُحسن القادة الوطنيون في التيار الصدري قراءة اللوحة السياسية واستحقاقات محطاتها، وقدرات وامكانيات شعبنا في افشال مخططات ادارة البيت الابيض وحكومتهم في المنطقة الخضراء، اذا ما اتحدت قوى الشعب الوطنية ضد الاحتلال وازلامه؟ وهل تُحسن القوى الاخرى ذات النفس الوطني والتي ارتضت لنفسها المشاركة بعملية المحتل السياسية بمختلف مراحلها وشهدت التلاعب والتزوير والترشيد الاميركي للنتائج، والتي ساهمت اصطفافاتها السياسية في اضعاف الجهد الوطني العام المناهض للاحتلال وسمحت للمحتل بهامش اوسع للمناورة، فهل تُحسن اعادة النظر والتقييم وبشكل جذري لتكتيكاتها السياسية الفاشلة؟
ان رئيس حكومة الاحتلال في المنطقة الخضراء في عجلة من امره وفي سباق مع الزمن للوفاء بثمن بقائه في السلطة، لانه يعلم ان ادارة بوش مستعدة للقفز فوق عمليتها السياسية ونتائجها وازاحته، او ضمن اطار المؤسسة التي انتجتها "البرلمان" بتشكيل تكتل واسع يسقط حكومته، وكان لقاء بوش مع الحكيم وطارق الهاشمي بعد قمة عمان رسالة انذار واضحة، خاصة بعد استلام المالكي لشروط بوش في عمان.
لذلك كانت ولازالت مهمة المالكي هي اعادة انتاج للمعالجات الاميركية القديمة الجديدة ولكن بأيدي عراقية، لتسهيل انجاز المهمة الاميركية وتمهيد الطريق لمطامح القوى الطائفية والانفصالية، وخاصة الحزبين الكرديين وحزب الحكيم، ويتطلب هذا فك روابط المالكي بالتيار الصدري ونزع اسلحة جيش المهدي وجعلهم بالترغيب والترهيب يعتدلون بمواقفهم من المحتل وان يندمجوا بالكامل في العملية السياسية، ومع ارضاء جبهة التوافق بتعديل بسيط للدستور وقانون الاجتثاث وبالترافق مع عملية "فرض القانون" التي يقوم بها جيش الاحتلال في بغداد والمدن الاخرى والمكرسة اساسا لضرب المقاومة واعتقال المناهضين والرافضين للاحتلال وحكومته، وبموازاة ذلك ولتدارك الحراك السياسي لبعض كتل واطراف العملية السياسي ونتائجه التي ربما ستعيق وتعرقل متطلبات بوش من حكومة المالكي وبرلمانها، وستؤثر بشكل مباشر على خطط وطموحات حزب الحكيم وحزبي جلال ومسعود في فدرلة الاقاليم وقضية كركوك وحصتهم من نفط العراق وصلاحياتهم في عقد الاتفاقات النفطية المنفردة، فقد سعت هذه الاحزاب لتشكيل "حلف الانقاذ" الجديد والذي يضم تحت خيمته اضافة لأحزاب جلال ومسعود والحكيم، حزب المالكي وحزب الهاشمي الذي لا يزال يتمنع ظاهريا بانتظار حسم التناقضات داخل التوافق وقياداتها.
ان "حلف الانقاذ" الجديد الذي سيقوم على تصدع وتفكك بعض التحالفات الطائفية، والذي سيكرسها جغرافيا وسياسيا فيما بعد هو سلاح ذو حدين، في دعم المالكي بفك ارتباطه بالصدريين وتنفيذ الشروط الاميركية وعدم اعاقة حسم موضوع كركوك والبدء بتطبيق فدرالية الاقاليم، والاهم تمرير قانون النفط، وبنفس الوقت سحب البساط من تحت قدميه واستبداله في حالة فشله في تنفيذ الاجندة المطلوبة، خاصة وان المجلس الاعلى برئاسة الحكيم والاحزاب الكردية تفضل (الليبرالي ألإسلامي) عادل عبد المهدي الذي حظا سابقا بموافقة الحزب الاسلامي.
ان اعادة خلط الاوراق وترتيب الاصطفافات واقامة التكتلات وتصدع بعضها وتعليق عمل وزراء ونواب، والسباق المتسارع لاستبدال الموقع والاتجاه يعكس ادراك هذه الاطراف بان الوقت المتبقي امامها ليس بالكثير في ظل حكومة عرجاء، بتعليق عضوية اكثر من ثلث اعضائها واستقالة بعضهم، اضافة الى "برلمانٍ" مهزلة في قانونيته وحضور اعضائه ومغادرة اكثر من نصفهم خارج العراق، وفي ظل فشل ومأزق امني وعسكري واقتصادي لسياسات المحتل ومشاريعه، حيث سيقدم كشف حسابه وما انجزه وانجزته خطته الامنية في ايلول القادم، والذي بالضرورة سيرفقها بالبدائل والخيارات الجديدة والتي يجب ان لا يتوهم البعض، بأنها ستكون تراجعية، بل هي مسلسل جديد من التكتيكات السياسية والعسكرية ذات القواعد المختلفة والتي ستصب في عملية البدء بالتقسيم الفعلي كمخرجٍ لمأزقه وخدمةً لأهداف مشروعه، الذي تستطيع القوى والتيارات والهيئات والعشائر والمراجع الوطنية وجميع التنظيمات الشعبية وفصائل المقاومة الوطنية المسلحة الباسلة، إفشاله وتوفير عناصر هزيمته السياسية والعسكرية والوطنية، إذا ما توحدت. كاظم محمد