الوظائف والحرف الجنائزية في مصر

الباحثة فاتن علي حسن عبدالمطلب تؤكد أن المصريين كانوا يؤمنون بالبعث بعد الموت وبالخلود بعد البعث.


قدماء المصريين قاموا بتجهيزها بكل ما يحتاجه المتوفى في الحياة الأخروية الأبدية


الأمر تطلب وجود مجموعة من الموظفين للقيام بالطقوس الجنائزية المختلفة

أكدت الباحثة فاتن علي حسن عبدالمطلب أن المصريين كانوا يؤمنون بالبعث بعد الموت وبالخلود بعد البعث، ومن ثم عكف المصريون على الاهتمام بحفظ أجساد موتاهم بالتحنيط، وأنفقوا على مقابرهم أضعاف ما أنفقوا على منازلهم في الحياة الدنيا، وقاموا بتجهيزها بكل ما يحتاجه المتوفى في الحياة الأخروية الأبدية. وقد تطلب هذا الأمر وجود مجموعة من الموظفين للقيام بالطقوس الجنائزية المختلفة من تحنيط، ودفن، وتجهيز القبور وتقديم القرابين ونذر الشراب وتلاوة الأدعية والصلوات. 
لقد شمل المجتمع المصري القديم بداية من العصر الفرعوني فئة كاملة من الموظفين الجنائزيين للقيام بالطقوس الجنائزية المختلفة، فقام كهنة التحنيط المعروفون بالختمو نتر وجد في الديموطيقية، والتاريخيوتاي في اليونانية، تحت إشراف كهنة القراءات والستوليستاي؛ بمعالجة الجثامين باستخدام المواد المختلفة لتحويلها إلى مومياوات تتعرف عليها البا (الروح) لينعم المتوفى بحياة ثانية أبدية. بينما قام بنقل المومياوات ودفنها مجموعة من دافني الموتي الذين يعرفون في اليونانية بالأنتافياستاي والنيكروتافوي. 
ولضمان بقاء المتوفى في الحياة الآخرة كان لا بد من تزويده بالقرابين ونذر الشراب وتنفيذ العبادة الجنائزية، وكان كهنة "الكا" مسئولين عن العبادة الجنائزية، ويوحي لقبهم بأنهم كانوا مسئولين عن تقديم القرابين إلى كا المتوفى، وفي العصر البطلمي كانوا يسمون بـ: "الخوأخيتاي" في اليونانية، و"الوحمو" في الديموطيقية، وكانت وظائفهم تتمثل في صب المياه أو نذر الشراب للموتى الذين تحت رعايتهم. 
لقد تميز العمل في الصناعة الجنائزية بالتخصص، فتخصصت كل مجموعة في عمل معين. وأصبح هذا التميز غير واضح في العصر الروماني الذي صاحبه تغييرات كثيرة في الوظائف الجنائزية. وبنهاية القرن الثالث الميلادي اختفت الفروق بين التخصصات وأصبح كل شخص ينتمي لمجتمع المقبرة ويعمل في الأنشطة الجنائزية يطلق عليه أكسوبيليتيس، وكان لكل منهم منطقة عمل خاصة به؛ حيث قسموا المناطق فيما بينهم طبقًا لقواعد محددة. 
كان الموظفون القائمون بالطقوس الجنائزية يستمدون دخلهم بشكل رئيسي من الأجور العينية والنقدية، بالإضافة إلى الأوقاف التي خصصها أهل المتوفي أو المتوفي نفسه قبل وفاته لصالح الموظفين الجنائزيين المسئولين عن القبر والقائمين على الخدمة الجنائزية له ولكافة أفراد أسرته؛ للإنفاق على العبادة الجنائزية. كما يتم منح الموظفين بعض المواد الغذائية التي تقدم في شكل قرابين للمتوفى. وقد حققت تلك العائدات استقرارًا اقتصاديًا للموظفين الجنائزيين؛ ويتضح ذلك من خلال حجم الممتلكات والأموال التي قاموا باستثمارها في أنشطة تجارية أخرى". 

Research
الباحثة فاتن عبدالمطلب

ومن أجل تنظيم العمل فيما بين الموظفين الجنائزيين وتحديد علاقة بعضهم بالبعض كان لا بد من وجود جمعية تدافع عن حقوقهم وتكون همزة الوصل بينهم وبين الدولة فيما يخص الأمور الضرائبية، والمشاكل التي قد تنشأ بينهم وبين المسئولين أو بينهم وبين باقي أفراد المجتمع؛ لذلك كان لكل مجموعة من الموظفين الجنائزيين جمعية خاصة بهم، حيث وضعت كل مجموعة منهم عددًا من اللوائح التي يلتزم بها أعضاؤها ويقسمون اليمين على احترامها وعدم مخالفتها أو الخروج عليها، وقد تمثلت تلك اللوائح في تحديد واجبات وحقوق الأعضاء، ومساهمات الأعضاء والغرامات المفروضة في حالة مخالفة تلك اللوائح، وقد طبقت تلك اللوائح على جميع الأعضاء وعلى رأسهم رئيس الجمعية.  
كذلك تم تحديد أيام الإجازات وأيام اجتماع الأعضاء مع بعضهم البعض لتناول الطعام والشراب، وقد فرضت الغرامات على الذين يتغيبون عن حضور تلك الاجتماعات.
شكل الموظفون الجنائزيون مجتمعًا متماسكًا، عاشوا معًا، وكانوا يسكنون بالقرب من أماكن عملهم التي وقعت خارج أسوار المدينة بالقرب من المقابر، وقد عرفوا بتمسكهم بالعادات والتقاليد. واحتلت السيدات مكانة طيبة في مجتمع موظفي المقبرة، فكانت على قدم المساواة مع الرجال، وكانت لها شخصيتها المستقلة في استغلال أموالها، كما امتلكت الأملاك وعقدت العقود وأجرت الأراضى، وقد تولت بعض السيدات وظائف جنائزية؛ إذ عملت في مجال التحنيط، والدفن، والعبادة الجنائزية. 
لقد نظر أفراد المجتمع لأنشطة الموظفين الجنائزيين على أنها بغيضة واعتبروا القائمين بها موضع اشمئزاز مع معرفتهم بمدى أهمية وظائفهم في الحفاظ على جثامين موتاهم ووصول الموتى للحياة الآخرة الأبدية. وقد تمتع بعضهم بإمتيازات الكهنة وتم إعفاؤهم من ضريبة السخرة.
وقد ناقشت كلية الآداب بجامعة الفيوم الرسالة التي جاءت بعنوان "الوظائف والحرف الجنائزية في مصر إبان العصرين البطلمي والروماني" وأجيزت بمرتبة الشرف الأولى تحت إشراف دكتور السيد رشدي محمد يسن ودكتور عبداللطيف فايز علي.