الوطن في الفكر الديني السياسي.. لا وجود له

الإسلام السياسي لم يناضل يوماً باسم الوطن كل تضحياته وخططه من أجل اعلاء شأن الطائفة كي تتسيّد وتصبح هي الوطن الأقدس وعلى الآخرين من الطوائف الأخرى والأديان أن يسجدوا لها ويسبّحوا بحمدها ليل نهار لم يقتصر نضالهم على إمحاء وطن بل عمدوا الى تغيير أسماء المدن بأسماء طائفية حتى لو كان عمر هذه المدن واسماؤها الآلاف من السنين لأن الأسماء بنظرهم باطلة والتاريخ كله هرطقات ولن تستعيد هذه المدن هيبتها إلا إذا ارتبطت بأسماء مقدسة.

 بقلم: سلام حربة

الوطن هو المكان الذي يرتبط به الشعب ارتباطاً تاريخياً لقرون من السنين وهو مفهوم حديث ولم يكن الوطن معروفاً بصيغته الحالية لا في الجاهلية ولا في زمن الإسلام والذي تداولوا فيه مفردة المواطِن وهي أماكن القتال والمنازلة، الوطن كمفهوم جديد ظهر في العصر العباسي وقد ابتكره الشعراء وأولهم ابن الرومي الذي اقترن الوطن لديه بالصبا والشبيبة (وطن صحبت به الشبيبة والصبا ولبست ثوب العمر وهو جديد)، ثم تطور هذا المفهوم بتطور المجتمعات واصبح يعني المكان وموطن الروح وأصل الهوية واصبحت الوطنية عنواناً لانتماء الإنسان للأرض التي يعيش عليها يصون ترابها ويدفع الأعداء والشرور عنها وإن تطلب الأمر أن يفديها بروحه وجسده. وتاريخ المجتمعات سجل حافل بالبطولات بالدفاع عن الأوطان والموت دونها وصون هوائها وكرامتها من اطماع الفاسدين ومؤامرات بلدان الجوار وفداء النفس مقابل ذرة واحدة من تراب الوطن..

الأديان السماوية لم تتطرق الى الأوطان لأنها لم تكن موجودة في تلك الأزمان فكانت الأرض مشاعة لا حدود لها والمجتمعات شعوباً وقبائلَ تعتمد في عيشها على الرعي فكانت تنتقل من مكان الى آخر من دون أن يكون لها رادع يمنعها من الاجتياز أو الحصول على الاذن المسبق، فكل الأرض هي أرض الله الواسعة ولم يستوطن الإنسان الأرض ويستقر فيها إلا متأخراً لأن المنطقة العربية لم تكن فيها تجمعات زراعية تعتمد في عيشها على ما تدره الأرض من محاصيل وغلّة وحتى المناطق كانت تسمّى بحسب ما تشتهر به الأقوام التي تسكنها من خصائص وما يميّز طبيعتها من علامات وتضاريس، وعليه فمفهوم الأوطان ظهر مع استقرار الإنسان في مكانه والبحث عن رزقه في الأرض المحيطة به، وهذا حصل في العصر العباسي فنشأت الملكيات الخاصة هذه لك وهذه لي وتلك لفلان، وابتدأت الحدود تظهر بين الأفراد والعشائر والقبائل فتخطت الأوطان وترسخت حدودها ورسمت، فأصبح مرور الغريب من خارج الحدود، بدون اذن، عدواناً وإعلاناً للحرب.

الفكر الديني المتمثل بالدين السياسي تعامل مع النص الإلهي المقدس، إسلاماً كان أم يهودياً أم مسيحياً، بطريقة عصابية منغلقة والوطن اختزل لديهم بالقوم الذين جمعتهم الرؤية والعقيدة الدينية وممارسة الطقوس والشعائر ذاتها، فالمسلمون حين يكونون الأكثرية في مكان ما يعتبر هذا المكان وطناً لهم، أما الأقوام الأخرى يهودية أم مسيحية أم ديانات أخرى، فإنها أقوام طارئة على هذه الأرض وإن كان عمرها اكبر من الإسلام بكثير والعكس صحيح حين تكون اليهودية أو المسيحية هما الأغلبية، فيصبح المكان موطناً لهما، أما الآخرون هامشيون إن اختلفوا معهما فسيرمون خارج الحدود.

الوطن في الفكر الديني لا وجود له ولا حدود وقد تمت الاستعاضة عنه بمكان الطائفة أو المذهب وهذا ما لمسته الأقوام في الحركات الإسلامية سنية كانت أم شيعية، فداعش وقبله القاعدة، اختصر الأوطان لديه بالطائفة، وكل من يختلف عقائدياً مع هذه الطائفة فمصيره القتل والتهجير أو الانتماء القسري لفكر داعش الطائفي، وهذا ما لمسناه في احتلال داعش للمدن العراقية وحتى في زمن القاعدة، فقد اعتمدت التطهير المذهبي والديني، إذ حرمت على الأديان والطوائف الأخرى العيش معهم في مدينة واحدة، فتم تهجير وقتل المسيحيين وتهديم معابدهم وكذلك بالنسبة للطوائف والأديان الأخرى.

 إذ لا مكان بينهم لا للشيعة ولا للشبك ولا الايزيدية ولا الصابئة، فكل هؤلاء كفرة عليهم مغادرة المدن والهرب بجلودهم وإلا ما ينتظرهم أبشع أساليب الموت والقهر، وقد سُجلت خلال أربع سنوات من احتلال داعش للمدن العراقية إبادة جماعية لكل المختلف مذهبياً ودينياً مع داعش، وما يزال ملايين النازحين يعيشون في الخيام بعد أن هُدّمت منازلهم والآلاف من النساء السبايا إيزيديات ومسيحيات وأديان أخرى، لا يعرف مصيرهن أحد، وتم بيع آلاف منهن في أسواق الرق والنخاسة، هذا الأمر لم يقتصر في جانب داعش والقاعدة فقط، فهناك حركات شيعية متطرفة أيضاً قامت بتهجير الطوائف الأخرى واعتبرت مناطقها / أوطانها والتي يجب أن لا تدنّس بالآخرين المختلفين معها مذهبياً ودينياً.. الوطن في فكر الإسلام السياسي لا وجود له ويعتبر الحدود الموجودة بين الشعوب والقبائل من صنع الاستعمار وغالباً ما ينظرون الى العالم الإسلامي على أنه يجب أن يكون شعباً واحداً، والمقصود بهذا الشعب هو العقيدة المذهبية الواحدة، فالإسلام السياسي السنّي، يحاول أن يشيع عقيدته في كل العالم الإسلامي سواء بالترهيب أو الترغيب ومن لم يلتزم بهذه العقيدة،كائناً من يكون، مصيره أسود وليله طويل وكذلك الإسلام السياسي الشيعي، فيعتقد أن فكرته شمولية وإنقاذية ويجب أن تدين بها المجتمعات الإسلامية كافة، ومن لم يلتزم بها فهو خارج عن الدين الإسلامي وزنديق تحق عليه التصفية الجسدية وتحل اللعنة الأبدية في الدنيا والآخرة..

مصيبة الفكر الديني / السياسي، أنه فكر منغلق لا يتعامل مع روح العصر ويعتبر تأويلاته للنص الديني المقدّس مسلّمات وثوابت يقينية لا يأتيها الباطل لا من قريب ولا من بعيد ويحاول أن يقفل النص المقدّس أصولياً وفقهياً، بحيث يمنع كل التأويلات الحديثة والتي تحمل بين طياتها روح التجديد والتغيير وتجعل من الدين منسجماً مع حركة المجتمعات ومتطابقاً مع الواقع الدائم التحول.\ الإسلام السياسي السنّي والشيعي يحاول أن يسجن الإسلام في سجن تأويلاته، ولذلك نجد أن ما قاله المؤولون الأوائل مقدساً أيضاً، ولا يقل قيمة لديهم عن النص الربّاني، هذه التأويلات / المذاهب الاسلامية وما جاءت بها، أصبحت في مواقع كثيرة بديلاً عن النص القرآني وحتى أئمة التأويل، فما جاءوا به وما يقولوه لا يقل شأناً عما جاء به الرسول الكريم وما قاله.

 لذلك أصبح كل شيء في المجتمعات الاسلامية غائماً وضبابياً من مفهوم الوطن الى الدين الى الموضوع والذات والهوية، الطقوس والعبادات والالتباس يلف كل مفاصل الحياة، ما إن تخرج من أزمة حتى تصادفك أزمة اكبر واعقد.. الوطن الذي هو الهوية الأصلية تحول بقدرة الاسلام السياسي الى هويات فرعية، فهذا البلد سنّي وذاك شيعي وهذه محافظات سنيّة وتلك شيعية والأخريات كردية، هذه الهويات المتصارعة إن تحقق فوز إحداها فسيكون اسم الوطن/ العراق أحد اسماء الطائفة.. الصراع في العراق ليس على أساس ترسيخ نظام سياسي عادل يحفظ حقوق المواطنين لكنه صراع بين السنة والشيعة والكرد للاستحواذ على هذا البلد، فهذا يقول (ما ننطيها) وذاك يقول ستعود لنا لأننا حكمنا البلد قروناً من السنين، والآخر يحاول استقطاع أشلاء اضافية منه، وكذا الحال في سوريا واليمن وكل البلدان الإسلامية المتنوعة طائفياً وعرقياً. .بعد خمسة عشر عاماً من سقوط النظام الدكتاتوري الذي تحقق، أن ملامح هذا الوطن أصبحت باهتة وهي مهيأة للإمحاء في أي وقت والكل يعرف أن عراق ما بعد 2003 هو ليس عراق ما قبل 2003، العراق الواحد اصبح عراق مكونات، والوطن الذي كان يحضن الجميع كأمّ رؤوم ورحم حنون، أصبح اليوم كانتونات طائفية وعرقية حدودها واضحة ومرسومة تحتاج الى زمن معين كي تعلن عن نفسها دولاً هزيلة ممسوخة ولقمة سائغة ستبتلعها بلدان الجوار والأفواه الدموية المتربصة سراً وعلانية بهذا البلد.

الإسلام السياسي لم يناضل يوماً باسم الوطن، كل تضحياته وخططه من اجل اعلاء شأن الطائفة كي تتسيّد وتصبح هي الوطن الأقدس وعلى الآخرين من الطوائف الأخرى والأديان أن يسجدوا لها ويسبّحوا بحمدها ليل نهار، لم يقتصر نضالهم على إمحاء وطن بل عمدوا الى تغيير أسماء المدن بأسماء طائفية حتى لو كان عمر هذه المدن واسماؤها آلافاً من السنين، لأن الأسماء، بنظرهم، باطلة والتاريخ كله هرطقات ولن تستعيد هذه المدن هيبتها إلا إذا ارتبطت بأسماء مقدسة عندهم تحفظها من عيون الأشرار والشياطين، إن تستعيد الأوطان هيبتها عليها التخلص من الفكر الديني / السياسي لأنه لا يفقه معنى الوطن ويعمد الى إلغائه والبديل جاهز وهي الطائفة وتاريخها ولم تمر المجتمعات بفترة مظلمة كالحة كما في تسلط الإسلام السياسي عليها منذ عقدين أو ثلاثة من الزمان، لأن وجودها يصبح محاصراً قابلاً للإلغاء والاستبدال .. الفكر الديني /السياسي سبب دمار وخراب الأوطان.