الوطن أم الدستور؟ يسقط الدستور ويحيا الوطن

تُوضع الدساتير لحماية الأوطان وتنظيم حقوق الأفراد وواجباتهم. والدساتير إي كانت ليست غاية بحد ذاتها، وإنما هي وسيلة لتحقيق غايات، هي بالتأكيد فوق الدساتير والقوانين، تتسم بالثبات التأريخي كالأوطان والشعوب، في حين تكون الدساتير نسبية، متغيرة بإستمرار، تبعاً لتغير حاجات الأوطان والشعوب، بتغيير الأزمان والمعطيات.

عندما يجد المشرع أن بعض بنود الدستور، في ظروف مُحددة وملموسة، تتعارض مع مصالح الوطن، أو أنها تهدد وحدته وسلامة أراضيه، وتعرض مصالح الشعب العليا للخطر، لا يُصار إلى تغيير الأوطان وتبديل جغرافيتها لتفصّل على قامة الدستور، وإنما يُصار إلى تعديل الدستور وتغييره ليفصّل على قامة الوطن.

الوطن وحقوقه ووحدته، مثلما حقوق الشعب "ثابت"، والدستور "مُتغير"، ولا يمكن التلاعب بالثابت لصالح المُتغير، من حق الشعوب تغيير الدساتير، بالإضافة والحذف، حماية لمصالحها المُتجددة باستمرار، فالدساتير من صنعها ووضعها، ولكن ليس من حق جزء من الشعب تغيير الأوطان، لأن الأوطان ليست من صنع هذا الجزء، وهذا الجزء، والشعب كله لا بعضه، ليس سوى حلقة في سلسلة ممتدة من الماضي مروراً بالحاضر وصولاً الى المستقبل، فالوطن مثلما هو ملكه، هو ملك من سبقه، وملك الأجيال التي ستأتي بعده، وهو كشعب مُحدد وموصوف بالزمن الحالي مؤتمن على هذه الأمانة، وليس من حقه التفريط بها.

أضعف الدساتير مصداقية هي تلك التي تشرّع في ظروف الإحتلال، هي دساتير مجروحة ومطعون بها حتى لو صوتت عليها الأغلبية العظمى من الشعب، وغالباً يُصار إلى تعديل مثل هذه الدساتير بعد زوال الإحتلال ورحيله، وإذا ظلت مثل هذه الدساتير بعد رحيل الإحتلال فإن هذا يعني من جملة ما يعنيه أن الإحتلال لم يرحل، فكيف يكون الأمر بالنسبة لدستور مشروط بضروره تعديل بعض بنوده التي كانت مثار إختلاف أبناء الشعب بعد فترة محددة، وقد إنتهت هذه الفترة المحددة منذ سنوات، أي أن دستورنا الحالي لا يعمل في الوقت الضائع، وإنما في الوقت غير المُحتسب!

أكثر الأمور إثارة للسخرية ترديد البعض مفردة "الحق الدستوري"، متجاهلين الحقوق والواجبات الدستورية الأخرى، الأشد إلزاماً بحكم التراتبية، كوحدة الوطن والدفاع عنها، وكون الثروة الأساسية من نفط وغاز وما تحت الأرض ملك الشعب كله، وليست ملكاً للمحافظة أو المدينة أو العشيرة التي تتواجد فيها هذه الثروة، مع علمهم أن هذا النص، الذي وضع من أجل أن لا تقوم للبلد قائمة نص مُختلف عليه أصلاً، وينبغي تعديله، لأنه يتعارض مع وجود وطن حر ومستقر، وهو مع نصوص أخرى، مثل نص عدم إمكان تعديله (أي الدستور) إذا لم توافق أغلبية ثلاث محافظات متجاورة على التعديل، وتوصيف العراق بإنه عضو مؤسس للجامعه العربية، متجاهلين إنتماء هذا الوطن لمحيطه العربي، سالبين أكثر من ثمانين بالمائه من الشعب من صفتهم القومية الطبيعية، مع أنهم ذكروا كل الأقليات ونسبوهم إلى قومياتهم، ما عدا الأغلبية المطلقة وهم العرب الذين ظلوا بلا توصيف مثلما ظل وطنهم مثل "جزر القمر" مجرد منتم إلى جامعة الدول العربية!

لقد طفقنا نسمع مفردات من قبيل شعب البصرة، وشعب العمارة، وشعب الأنبار، أو الغربية، مُهتدين بإخوتهم الكرد الذين تسموا بشعب كردستان، مع تجاهل تام لشيء أسمه شعب العراق، الذي يبدو أنه لم تلده ولادة. لقد أضحى العراق عقيماً بين ولودات، متنمرات ومستأسدات.

اللعبة المضحكة أن من يحكمون المحافظات، هم نفس الكتل والأحزاب التي تحكم المركز، وأن نواب المحافظات، هم من نفس الكتل التي حكمت وتحكم البلد منذ ما سُمي بالتغيير وإلى اليوم، وبناء على هذا فإن أي تقصير وفساد وعدم جدارة، لا يقتصر على حكومة المركز، بل يشمل حكومات المحافظات التي عجزت عن تحقيق أي شيء لمحافظاتها، وكانت على مدى السنوات المنصرمة تعيد أغلبية ميزانيتها إلى المركز لعدم قدرتها على إستثمارها، وما تستثمره يشوبه فساد كبير أصبح مثار تندر المواطنين.

إن إدارة غير قارة على معالجة النفايات والأوساخ في مدينة، وغير قادرة على تعبيد شارع ورصف رصيف بمواصفات معقولة، لهي أعجز بكل المقاييس عن تقديم أي إنجاز على أي صعيد، فكيف إذا أضيف للجانب الخدمي الجانب السياسي، الذي يصل إلى مستوى عقد الإتفاقيات الاقتصادية الستراتيجية مع دول ومؤسسات عالمية أخطبوطية كلية القدرة.

لا يعني هذا أن المحافظات لا تتوفر على الكفاءات، فالمحافظات تزخر بالكفاءات، لأنها الوحدة الإساسية للوطن العراقي، إذ لا وجود لكفاءة عراقية إلا إذا كانت منتمية لمحافظة ما، ولكن الكفاءات الحقيقية في الوضع العراقي مُستبعدة بقصدية وإصرار، وإستبعادها القسري نتاج سياسة مدروسة، وضع المحتل، وبمساعدة بعض أبناء البلد خطوطها العريضة، وتفاصيلها الدقيقة، كي يصل بنا الحال إلى ما نحن عليه الآن، وواحدة من تجلياتها وضع الأشخاص غير المناسبين في الأماكن غير المناسبة، عبر جعل العراق كعكعة تتقاسمها قوى، أغلبها لم يكن لها حضور في البلد، ووضع مسوغ قانوني لإحتكار المفاصل الأساسية والثانوية في الدولة في يد من لا قدرة له على الإدارة، ويكفي للتدليل على هزال ما وصلنا إليه أن يقوم العديد ممن هم مسؤلين الآن بتزوير شهادة الإعدادية ليتسنى لهم الحصول على مركز عضو مجلس محافظة مثلاً، لقد كان هجوم التخلف هجوماً تترياً بأمتياز، فكيف لمحافظة أو بلد، ونحن نعيش أعلى مراحل التطور العلمي والتقاني والمعرفي، أن يبني ويتقدم، ويسير جنباً إلى جنب مع شعوب إعتمدت العلم والتخطيط والمعرفة، ونحن نعتمد على شيخ العشيرة والملة، والروزخون، ومن يزور الشهادة الإبتدائية!