الوطنية الرمادية

ما يزيد على المائة ألف ضحية من أرواح السوريين وأضعاف مضاعفة من الجرحى والمعاقين وملايين اللاجئين في دول الجوار في ظروف معيشية يرثى لها، ووطن ينهار لبنة تلو الأخرى بينما الأسد ما زال مصرّاً على صواب الحل الأمني الذي انتهجه نظامه منذ الأيام الأولى لثورة الشعب على حكمه.

الآن وفي هذه المرحلة الحرجة من حياة المواطنين يدعو الأسد الى المزيد من الاقتتال السوري السوري قائلاً في خطبته مؤخرا "لا وطنية رمادية فهي حاضنة للفوضى والإرهاب". أي بمعنى أن من لم يحزم أمره من السوريين حتى الآن فعليهم أن يفعلوا فإما أن يحملوا السلاح وينضموا الى شبيحته أو هم مع الطرف الآخر الارهابي ويجب ضربهم بيد من حديد.

الرجل يستطيع أن يقول ما يحلو له. فكل الظروف تخدم نظامه: فزّاعة القاعدة والمتطرفين والتي كانت رسالة النظام الموجهة الى الداخل السوري والى المجتمع الدولي أصبحت الآن حقيقة واقعة وقد نجح في صياغتها بدرجة امتياز.

المتطرفون أنفسهم الذين قدموا الى سوريا بحجة الدفاع عن الثورة السورية هم أول من خدموا نظامه وأثبتوا صدق ادعاءاته، كما أن قوى المعارضة وعلى رأسهم المجلس الوطني سابقاً، والائتلاف المعارض فيما بعد خدموا وما زالوا يقدمون الخدمة تلو الأخرى لنظام البعث من خلال سياسة تفتقر لبعد النظر خصيصاً فيما يتعلق بمسألة التطرف من جهة ومسألة حشد الأقليات من جهة أخرى، قيادات المعارضة وضعوا رؤوسهم في الرمال ولم تصدر عنهم أية مواقف واضحة يفصلون من خلالها ثورة شعب عن مغامرات جماعات دينية متطرفة تحمل أجندات لا تلتقي مع تطلعات السوريين البتة، بل على النقيض من ذلك بدت بعض أطراف المعارضة تهلل لهم كونهم يقاتلون قوات النظام.

من المفروض أن يشكل حقن دماء المدنيين السوريين أسمى الدوافع التي على ضوئها يرسم الائتلاف وقيادات الجيش السوري الحر خريطة طريقهم، الآن قبل الغد، تحديد الموقف من الجماعات المتطرفة الذين لم يكونوا سوى نذير شؤم على سورية والسوريين هو أول مطلب شعبي، وطني وسوف يغير المعطيات داخلياً ودولياً.

من يسعى الى دولة سورية مدنية تعددية ديمقراطية حرة هو من يخدم الثورة وليس من يقاتل جيش النظام فحسب.

السوريون بكافة أطيافهم والذين عانوا من جور وإذلال نظام البعث الأسدي لعقود طويلة لن يرضوا بعد اليوم العيش في وطنهم رهائن لتنظيمات ارهابية موالية للقاعدة أو غيرها ولن يقبلوا إلا بالحرية الكاملة بديلاً.

بالتأكيد هناك جهات عديدة يتحملون أسباب استمرار معاناة شعبنا السوري المسالم وآلامه، لكن يجب أن لا ننسى وهن وعدم استقلالية المعارضة السياسية المتمثلة بالائتلاف التي تمضي من خيبة الى أخرى فكل عمل لا يساهم على الحدّ من اراقة دماء السوريين أو على اتخاذ خطوة باتجاه ذلك لا يمكن تسميتها إلا بالخائبة، تزويد المعارضة بالسلاح فقط لا يضمن حسم المعركة بل استمراريتها، اقناع الخارج بعدالة مطالب السوريين، واقناع الداخل بمصداقيتهم كممثلين مرحليين لهم وطمأنة الداخل والخارج بماهية صيغة الدولة والكيان السياسي القادم والتي من المفروض أن تحلّ مكان النظام الحالي ليس فقط بالقول بل بالممارسة على الأرض، أي من خلال سلوكية ثورية لكتائب وفصائل الجيش الحر التي من المفروض أن تخضع لقيادتها السياسية.

حتى يومنا هذا وفي ظل كل ما حدث ويحدث فان معظم فصائل المعارضة المنضوية تحت راية الائتلاف عندما يتم التحدث عن سوريا التي يريدونها لا تختلف شعاراتهم عن وحدة حرية اشتراكية.

النظام نجح في ادخال الثورة السورية في نفق الصراع الطائفي المقيت ويوما بعد الآخر ينجح في إقناع المجتمع الدولي المتردد بأن سوريا حقا سوف تتحول الى مرتع مزمن للإرهابيين ان سقط النظام، فعلى الائتلاف النهوض من كبوته والالتزام بالمبادئ الأساسية التي من أجلها انطلقت الثورة السورية، قبل أن ينجح الأسد في تحويل السوريين جميعاً الى جيش تشبيحي ليفنى الشعب ويبقى النظام.