الوضع في العراق.. بين الحل السياسي والحل العسكري

على الرغم من مرورعدة اسابيع على تطبيق خطة "فرض القانون" الا ان الاوضاع الامنية في العراق، وخاصة في العاصمة بغداد، ما زالت تشهد تدهورا مستمرا وتصاعدا في العمليات المسلحة بكل اشكالها، مما يؤكد فشل استخدام القوة المسلحة وعدم جدواها كوسيلة اساسية لحل المشاكل العالقة بين كافة الاطياف السياسية العراقية سواء اكانت داخل الحكومة او البرلمان او خارجهما. ومع استمرار هذا التدهور الامني تشهد فعاليات وانشطة المقاومة العراقية ضد قوات الاحتلال وعملائه تصعيدا متزايدا يعكس رفض الشعب العراقي للاحتلال ورغبته في انهاء وجود القوات المحتلة على اراضيه مهما غلت التضحيات لان العراقيين حالهم حال الشعوب الحرة يأبون الضيم ويرفضون سيطرة الاجنبي والمتواطئين معه على اراضيهم ويستخدمون كل الوسائل المشروعة والمتاحة لانهاء هذه السيطرة وتفويت الفرصة على كل المشاريع والخطط التي تستهدف النيل من وحدتهم وسيادتهم واستغلال ثرواتهم تحت مختلف الذرائع والحجج والمسميات المشبوهة.
اعود فأقول ان العراق شهد في ظل الاحتلال منذ العام 2003 تطبيق اكثر من خطة امنية لكنها فشلت جميعها في ايجاد الحل المنشود للوضع المأساوي الذي يعاني منه العراقيون والذين مازالوا يعيشون الكثير من الدمار والخراب والقتل والتهجير، الامر الذي يؤكد عدم وجود حل استراتيجي يعول عليه لحل المشكلات الكبرى التي تواجهها البلاد غير الحل السياسي الوطني البعيد عن الطائفية والاستغلال والذي يراعي مصالح الشعب العراقي وقواه السياسية الوطنية والاعتراف بتعددها وتنوع انتماءاتها والتوفيق بين توجهاتها السياسية على اسس مشتركة يجمعها مبدأ المواطنة الصادقة والوحدة الوطنية الحقيقية بعيدا عن أي تدخل اجنبي. وبرأينا فان المشروع السياسي الامثل لايجاد الحل لمأساة العراقيين يتمثل بالعناصر الاتية:
1. لما كان الاحتلال هو السبب في كل ما حصل ويحصل في العراق من ماسي وتدمير وابتداع عملية سياسية قائمة على خلط الاوراق ومبنية على اسس المحاصصة الطائفية واستبعاد القوى والشخصيات الوطنية فان المطلوب هو وضع جدول زمني لخروج القوات المحتلة من العراق والغاء قواعد هذه العملية السياسية واعادة تشكيلها وفق اسس العمل السياسي الصحيح الذي ينسجم وطبيعة الحالة العراقية بما يحقق التوازن والاعتدال بين كافة اطياف الشعب العراقي ويساوي بينها في الحقوق والواجبات.
2. ضرورة فتح صفحة جديدة في حياة البلد وفي العلاقات بين ابنائه على اختلاف انتماءاتهم وتجاوز صفحات الماضي على اساس من المصارحة وانصاف المظلومين وازالة كل اسباب الظلم الذي مازال يتناسل في المجتمع العراقي مع ضرورة عدم اخذ البريء بجريرة الظالم.
3. العمل على اطفاء اي بؤرة للفتنة وتأجيج المشاعر واشاعة روح الخصام والفرقة بين ابناء الوطن الواحد، وعلى قادة ومسؤولي الاحزاب والحركات والكتل السياسية والاجتماعية الفاعلة ان يأخذوا كل الاحتمالات المستقبلية بنظر الاعتبار عند عدم تحقيق هذا الهدف لان ما كان لك اليوم يمكن ان ينقلب ضدك غدا، وهذا ما لا نرجوه ولا نتمناه في بلد عاش ابناؤه من مختلف القوميات والمذاهب والاديان الاف السنين دون ان يحصل بينهم ما يحصل الان من تفرقة وتمييز بسبب مخططات المحتلين والمرتبطين بهم.
4. انهاء التدخلات الخارجية في شؤون العراق الداخلية ايا كان مصدرها او دوافعها او اجنداتها، وعلى كل الدول التي لها اصابع تحركها داخل العراق ضد امنه الوطني والاجتماعي ان تدرك جيدا ان السحر يمكن ان ينقلب على الساحر اذا ما استقرت الاوضاع في يوم ما داخل العراق لان العراقيين يدركون جيدا قواعد اللعبة السياسية ويستطيعون التمييز بين من يقف معهم ويسندهم وبين من يعمل على هدم بنيانهم والطرق على جدرانهم من اسفلها.
5. تفعيل الواقعية السياسية واعتماد الحكمة والتسامح والتخلي عن نزعات الثأر والانتقام والتمييز بين من اجرم عن وعي وقصد عن غيره ممن ينبغي اتاحة المجال له على قدم المساواة في الفرص المتكافئة لاعادة بناء البلد ونموه.
6. احترام القوانين والمؤسسات الدستورية والديمقراطية، وهذا ينطبق على الجميع بما فيهم اؤلئك الذين شرعوا هذه القوانين والانظمة الدستورية فهم مسؤولون قبل غيرهم عن تطبيق هذه المبادئ واحترامها، وان كان البعض من المحللين والمتابعين للشأن العراقي يرون ان هناك ضعفا ملحوظا في تطبيق هذه القوانين وان الديمقراطية في العراق لم تصل الى مرحلة النضج والفهم الصحيح ويعللون رأيهم هذا بالتعسف والاستغلال وعدم اشراك القوى والشخصيات الوطنية بكل مراحل العملية السياسية التي جرت في العراق.
7. الاعتراف بالمقاومة العراقية كطرف مهم وفاعل في الحياة السياسية العراقية وهي تتمتع بكل الحق في المشاركة بالانشطة والفعاليات التي تجري داخل البلاد كونها تمثل شرائح مهمة من الشعب العراقي وتعبر عن طموحاتهم ومصالحهم وتطلعاتهم نحو تحرير بلدهم من المحتل والمحافظة على سيادته واستقلاله ووحدته.
8. على كل القوى والفعاليات السياسية والاجتماعية العراقية ان تعي جيدا حقيقة عدم امكانية تحقيق أي تنمية جادة وحقيقية في البلاد واعادة ما دمره الاحتلال والتخريب وتأسيس تقاليد ومؤسسات ديمقراطية سليمة من دون توفير الامن والاستقرار واعادة الوئام الى ربوع البلد الواحد.
9.ان عدم الاستقرار في البلاد وغياب الامن وانتشار الفوضى فيها ما زال يشكل حافزا اساسيا لانتشار الفساد السياسي والمالي والاداري وهذا يتطلب من الحكومة اتخاذ اجراءات فاعلة وجادة لتجفيف منابعه ومكوناته وحوافزه لانقاذ البلاد من شروره، وقد جاء في اخر دراسة دولية بهذا الخصوص ان العراق يحتل مرتبة متقدمة في الفساد الاداري والمالي بين دول العالم وحملت هذه الدراسة الحكومات المتعاقبة في العراق مسؤولية ذلك لعدم اتخاذها تدابير جادة وعملية لمعالجة الحالة، وتذهب الدراسة ابعد من ذلك عندما ذكرت ان هناك وزراء ومدراء عامين ومسؤولين متهمون بهذا الفساد، وجدير بالذكر ان المفوضية العليا للنزاهة في العراق كانت هي الاخرى قد نشرت تقارير مشابهة تضمنت معلومات واحصائيات عن استشراء الفساد في العراق دون معالجات حكومية جدية تذكر.
10. تفعيل مبادرة الحوار والمصالحة الوطنية انطلاقا من عدم كونها قرارا فوقيا او امر اداريا بل اعتبارها منهجا واسلوب عمل وتفكير واجراءات متكاملة مترابطة في ميادين الحياة السياسية والاجتماعية المتنوعة ولهذا فهي تتطلب جهدا متواصلا وحسن نية من كافة اطياف الشعب العراقي دون استثناء والانفتاح والتحلي بروح الحوار والبحث المسؤول عن ايجاد قواسم مشتركة تضمن توافق المصالح وتستبعد كل ما يثير التوتر والخصام على مستوى الخطاب السياسي وعلى مستوى التعامل اليومي المسلح الذي تشهده البلاد حاليا بعيدا عن التخندق والمحاصصات ذلك لان المصالحة تمثل نمطا جديدا من التفكير السياسي الناضج والمستوعب لدروس التاريخ وخبرته والتفاعل مع حقائق الواقع وعليه لابد بد من توسيع دائرة المتحاورين والسعي لضم اكبر ما يمكن من القوى ذات التوجه الوطني الحقيقي وفي مقدمتها المقاومة العراقية لاعادة بناء العراق على اسس حديثة عادلة وديمقراطية سليمة.
11. اعادة النظر في قانون اجتثاث البعث والاحتكام الى القضاء في البت بقضاياه ومعالجة التجاوزات الناجمة عن التطبيق المتشدد اللاقانوني لاحكامه.
12. اعادة منتسبي الجيش العراقي وقوى الامن الوطني التي تم حلها بقرار الحاكم المدني السابق للعراق بول بريمر، وبمباركة وتشجيع قوى سياسية نافذة، الى الخدمة كي يمارسوا دورهم الوطني ويساهموا في بناء بلدهم خاصة وان فيهم الكثيرين من ذوي الاختصاصات العلمية والخبرة الفنية والمهنية،عدا الذين يثبت قانونيا ارتكابهم جرائم بحق الشعب وهذا ينطبق على كل من ارتكب جرما بحق الشعب من عسكريين ومدنيين ومن كافة الاحزاب والقوى السياسية في السابق والحاضر.
13. تطهير القوات المسلحة وقوى الامن الداخلي الموجودة في الخدمة حاليا من العناصر المدسوسة والفاسدة والمشبوهة واعادة بنائها على اسس المواطنة والمهنية بعيدا عن المحاصصات الطائفية والولاءات الحزبية الضيقة.
14. حل الميلشيات المسلحة بأسرع وقت والتحقيق في الجرائم التي ارتكبتها بحق المواطنين الابرياء.
15. البحث عن حلول جدية لعمليات التهجير القسري والحيلولة دون استمرارها او تكرارها في المستقبل.
16. تعديل الدستور كما تم الاتفاق عليه بين القوى والحركات السياسية وفي حالة عدم تحقق ذلك فان الازمة السياسية ستتفاقم لتزيد الوضع الامني تدهورا وسوءا وهذا ما لا نرجوه ولا نتمناه لان العراقيين عانوا كثيرا من سياسة الاستغلال والمحاصصة والتهميش.
17. تفكيك الائتلافات والتحالفات السياسية التي اقيمت على اسس طائفية عرقية واجراء انتخابات برلمانية تكميلية او تعديلية كل سنتين واعطاء دور للقوى المعارضة في مؤسسات الدولة. عبدالوهاب محمد الجبوري
باحث عراقي