الوضع في الأردن أشبه باليونان وإسبانيا منه بتونس ومصر

استخدام القوة محسوب بدقة

عمان ـ تؤكد المؤشرات أن الأوضاع في الأردن تسير إلى التهدئة، بعد احتجاجات وإضرابات شهدتها المملكة الأسبوع الماضي، وتخللتها بعض أعمال العنف المحصورة، ردّا على قرار الحكومة رفع الدعم عن المشتقات النفطية.

لكن ورغم عودة الهدوء الملحوظة فإن العديد من الظواهر التي تخللت الاحتجاجات، تتطلب التوقف عندها للوصول إلى فهم أعمق لما حدث وسيحدث في الأردن.

وبالرغم من مسارعة العديد من أصحاب الرأي إلى مقارنة ما يجري في المملكة الأردنية مع باقي دول الربيع العربي، التي خاضت ومازالت تعيش تجربة التحول والتغيير مثل المغرب وتونس ومصر، فإن هناك جملة من العناصر التي تفرض خصوصية للحالة الأردنية.

ولا يعني هذا أن ما يحدث في الأردن منعزل عما يجري في محيطه ومناخ الربيع العربي. ولكن، لنتذكر الأحداث التالية ونأخذها بعين الاعتبار لدى تحليل الحالة الأردنية:

فقد مرّ الأردن بمنعطفات اقتصادية سابقا، وفي كل مرة كان يرتكز عليها لتحقيق وثبة سياسية للأمام.

وابرز مثال على ذلك أحداث الخبز في التسعينات التي قادت إلى ارتفاع في مستوى الحريات والتعبير، وكذلك أحداث عام 1989 المعروفة بهبة نيسان/ابريل التي كانت بدورها مدخلا لعملية تحول ديمقراطي، وعودة الحياة البرلمانية، ووقف الأحكام العرفية.

ويقود هذان المثالان إلى توقّع أن يُحوِّل الأردن تحديه الاقتصادي الحالي، إلى دفعة إضافية نحو الإصلاح السياسي على قاعدة إقبال شعبي كاسح منتظر، على الانتخابات القادمة، للتعبير الجماعي عن موقف من الإجراءات الاقتصادية الأخيرة.

وبالرغم من أن مظاهر العنف والانفلات المحدودة، والتي صدمت الكثيرين لوجود انطباع راسخ بأن الشعب الأردني مدركا لدقة الظرف الإقليمي المحيط بهم، وقد تجرع مبكرا آلام تفكك الأنظمة وتآكل الدولة، نظرا لمجاورته لدول منكوبة، فإن الأردنيين وكما كان متوقعا، قد أكدوا أنهم لن يفرطوا بخاصية الأمن والاستقرار بغض النظر عن الألم المعيشي الذي تسببه الإجراءات التقشفية.

وعلى أية حال، فإن ماحصل يدفع إلى ملاحظة ما يلي: سرعة تراجع مظاهر الانفلات وانحسارها، ما يعني أن مخزون الحرص على الأمن والاستقرار لدى الأردنيين مايزال جيدا، يضاف إلى ذلك حرفية أجهزة الأمن في التعامل مع الاعتصامات والاحتجاجات.

فقد كان مستوى وشكل استخدام القوة في غاية الاحتراف ومحسوب بدقة، ويدل على ذلك عدد الضحايا المحدود، وقدرة الأمن على فض الاشتباكات دون استخدام الأسلحة.

وهذا يحسب للأردن لا عليها.

في هذا الإطار، ولدى مشاهدة العديد من المقتطفات التلفزيونية ومقاطع اليوتيوب، بدت المظاهر أقرب إلى ما جرى ويجري في دول أوروبية تمر بضائقة مالية واقتصادية مستعصية منها إلى أحداث دول الربيع العربي.

وبهذا المعنى فإن الوضع في الأردن أشبه باليونان وإسبانيا منه لتونس ومصر الثورة.

وعودة على شعار "إسقاط النظام" الذي رفع أثناء الاحتجاجات وكان من أكثر المظاهر التي تستوقف المرء للتفكير فيها.

فقد كان تركيز إعلامي، وفي حالة بعض الوسائل، احتفال بظهور هذا الشعار إلى الفضاء العام، إلى درجة تدفع للتفكير في أن التغطية الإعلامية لهذا الشعار كانت أكبر من التداول الفعلي له.

ويحضر هنا أن ملك الأردن نفسه قد توقف عند هذا الشعار وناقشه مطولا في خطاب حديث له بتاريخ 23 أكتوبر/تشرين الأول 2012.

ويعني هذا الأمر أن الشعار لم يكن من التابوهات كما تصوره وسائل الإعلام الخارجية، وهو بالتالي ليس مؤشرا حاسما على صعوبات جمة يعانيها النظام.

وتوجد مؤشرات ملموسة وعديدة في الأردن، تؤكد استمرار الإجماع على شرعية النظام، أهمها أداء التعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي، والمشاركات المحلية في البرامج التفاعلية للإعلام الأجنبي، والتي تأتي في غاية التوازن والعقلانية والتمسك بالنظام.

وتدفع التطورات في الأردن أيضا إلى التساؤل عن موقف دول الخليج.

فهناك تحالف عضوي بين المنظومة الخليجية وباقي الملكيات العربية وفي مقدمتها الأردن بحكم الجوار الجغرافي والتشابك الديموغرافي.

وبأبسط التحليلات فإن تكلفة دعم الأردن السياسية والمالية والأمنية أقل على دول الخليج من التعامل مع تبعات انتكاسته لا قدّر الله.

والجدير بالملاحظة، صعود الكثير من الأصوات الخليجية المستقلة المطالبة بتسريع مساعدة الأردن، سواء في الصحافة والإعلام أو المؤسسات التمثيلية الشعبية.

ويعكس هذا مدى التنبه والوعي لأهمية الأردن الذي هو الخاصرة الأمنية للخليج العربي على المستوى الشعبي وليس القيادي فقط.

وبعد كل ما تقدم، فإن السؤال الذي يطرح نفسه الآن فيما يخص الأردن هو: كيف ستتطور الأمور بعد التوترات الأخيرة؟

هل سينجح الأردن في جهوده للتصحيح الاقتصادي، ويتقدم للأمام اقتصاديا وبالتالي سياسيا، فيوفر نموذجا إصلاحيا مختلفا لدول المنطقة، خاصة الدول الملكية، لتتحول إلى دول تقوم على مقدار أكبر من الاعتماد على الذات، وتنجح في تغيير منظومة الريع الاقتصادي، والمضي نحو منظومة التمثيل السياسي الحقيقي وربط الحقوق بالواجبات؟

وعودة للسؤال الرئيسي وهو كيف ستتطور الأحداث بعد التوترات الأخيرة؟

من الوارد أن يترسخ الهدوء والابتعاد عن أية أعمال عنف، مع استمرار حركات الاحتجاج والتظاهر السلمي وأن تأخذ شكلا من أشكال التحرك الانتخابي مع الاقتراب من موعد الانتخابات النيابية في يناير/كانون الثاني القادم.

وبهذا يكون الأردن يقترب أكثر وأكثر من النموذج الأوروبي في الاحتجاج، كما هو الحال في إسبانيا واليونان حيث تقترن الاحتجاجات والاعتصامات بموقف انتخابي.

ومن الوارد أيضا، أن تستمر الحركات السياسية وفي مقدمتها حركة الإخوان المسلمين، باستثمار الوضع الاقتصادي الصعب لتحقيق مكاسب سياسية.

واللافت هنا أن السياسات الاقتصادية التي تمضي بها الحكومات الأردنية، وتعترض عليها حركة الإخوان المسلمين موظفة هذا الاعتراض سياسيا، هي ذات السياسات التي تطبقها الحكومات الإخوانية في المغرب وتونس ومصر، والتي تتعامل بانفتاح مع منظمات مالية دولية مثل صندوق النقد الدولي، الذي تعيبه حركة الإخوان المسلمين على الحكومة الأردنية في تناقض صارخ.

ويعني هذاالأمرأن اعتراض إخوان الأردن بات وسيلة للتنافس على السلطة، ولا يعكس في حقيقته برنامجا أو سياسات اقتصادية اجتماعية مختلفة.