الوضع العام في العراق في ضوء التقارير الأميركية الجديدة

بقلم: أحمد الناصري

المناسبة هي الذكرى الحزينة والمأساوية للاحتلال العسكري الأميركي لبلادنا، وما نتج عنها من كوارث عميقة وكبيرة، لا يمكن حصرها وأحصاءها ومعالجتها بسهولة. لكننا بهذه المناسبة الكئيبة، نحاول قراءة الوضع العام في بلادنا هذه المرة، في ضوء التقارير والدراسات المتعددة، التي تتدفق على الكونغرس الأميركي والادارة الأميركية، من خلال تقارير القائد العسكري الأميركي في العراق بترايوس، والسفير الأميركي في بغداد، وكذلك التقرير السري الأخير للمخابرات المركزية الأميركية، وتقرير لجنة الوضع في العراق، وأخيراً خطاب بوش، الذي أعد لتكريس خطوة بيرايوس بشكل مباشر وتتابعي، كما هو واضح. والتقارير تلخص بطريقة بالغة وواضحة، لا تقبل اللبس أو الشك، لحظة التفكير الأميركي حول مصير بلادنا، والخطط المطروحة للسيطرة عليها، بالطرق العسكرية الاستعمارية التقليدية.
بتراويس وكروكر، موظفان تقليديان في الادارة الأميركية الحالية، وهما مكلفان باكمال وعكس وتنفيذ سياسة الادارة، وليس التعارض والاختلاف معها، في ضوء ما يجري على الارض، من واقع خطير بالنسبة للعراقيين وللجيش الأميركي أيضاً، لذلك فأن كلامهما ونشاطهما، يتساوق مع خطط بوش وتصريحاته، حول البقاء في العراق، والحاجة الى وقت وأمكانيات جديدة، حتى تنفيذ المهمة. والمقصود بها فرض السيطرة على بلادنا، كذلك فهو جزء من الحملة الانتخابية المتصاعدة، وعرض الآراء، باعتبار الوضع في العراق لايزال أساسي بالنسبة لعموم السياسة الأميركية.
لذلك لم يكن هناك تغير وفرق في كلامهما في الكونغرس، بين اجتماع أيلول 2007 وبين هذا الاجتماع الجديد، في نيسان 2008، ومحاولة دفع الأمور نحو مسار معين، واستطالة ومط الوقت حتى أيلول القادم، والتخلي عن قرار تخفيض القوات في تموز القادم، وهو تلاعب وتحايل واضح على الوقت، ولم يصل الى درجة جدولة الإنسحاب. وبذلك تكون ولاية بوش قد انتهت، أو وصلت الى النهاية تماماً، وهو لم يعد لديه وقت لعمل شيء هام لا في العراق، ولا في فلسطين كما أدعى ويدعي، وهو في الوقت الضائع، وفي اللحظات الأخيرة من نهاية ولايته الى غير رجعة، الا عبر جون ماكين، كخليفة جمهوري لبوش.
ففي جلسة الاستماع في الكونغرس الأميركي دعا بترايوس الى إيقاف سحب القوات الأميركية من بلادنا، للمحافظة على المكاسب الأمنية المتحققة (كذا)، رغم إن الوضع العام لا يزال هشاً في جميع المجالات.
وصرح بيترايوس في جلسة استماع امام مجلس الشيوخ "اوصي بان نواصل عملية خفض عديد القوات الاضافية التي تم ارسالها الى العراق، وعند الانتهاء من سحب اخر لواء قتالي من تلك القوات، ناخذ فترة 45 يوما للمراجعة والتقييم".
وقال بترايوس للكونغرس الثلاثاء ان المكاسب الامنية التي تحققت في العراق "هشة ويمكن أن تعود الامور لما كانت عليه" وذلك في تقرير طال انتظاره بشأن نتائج زيادة القوات الاميركية في العراق.
وعلى الرغم من تحسن الجانب الامني في أجزاء من العراق قال الجنرال ديفيد بترايوس للجنة القوات المسلحة التابعة للكونغرس "الوضع في بعض المناطق ما زال غير مرض وما زالت هناك تحديات لا حصر لها. )"
من جانبه، قال ريان كروكر، السفير الأميركي في العراق، تعليقا على الوضع في العراق: "إن ما أُنجز كبير وجوهري، لكن الوضع قابل للعودة إلى الوراء."
وقال كروكر "إن التحديات تبقى ضخمة وإن التقدم متقطع وبطيء أحيانا إلى درجة تسبب الإحباط، لكن هنالك تقدما."
ووضح تقرير لجنة وضع العراق، بأن الحالة خطيرة وسيئة ولا يوجد شيء جيد.
بينما حجبت المخابرات المركزية الأميركية تقريرها عن الوضع الحالي في بلادنان مما يحمل دلالات سلبية بالغة بالنسبة لهم، والا ما هو سبب حجب التقرير الآن، بينما كشفت تقارير خطيرة أخرى سابقاً.
لم أر أي شيء جديد في حزمة التقارير الصادرة هذه الأيام من الادارة الأميركية، من النواحي الإستراتيجية والعملية، ولا توجد أية أفكار جديدة وهامة تصدر عن الجانب الأميركي، بما يلامس الوضع في بلادنا، أو بما يناسب التدهور الخطير على أرض الواقع، وتدهوره المستمر والسريع والشامل. والحديث عن تحسن ما، هو كلام بائس وغير صحيح، ولا يصمد أمام الواقع، وهو تكرار مقصود.
من الأفكار التي جرى طرحها في المناقشات، هي ايقاف المساعدات المالية للعراق، والاعتماد على موارده النفطية لتمويل ما يسمى باعادة الاعمار وتمويل الحرب، يعني اطعامه "من لحم ثوره". وهذا مؤشر من بين مؤشرات عديدة، على عمق الأزمة الاقتصادية الأميركية، وارتفاع تكاليف الحرب الباهضة، وهو عنصر أساسي من عناصر مصير ومستقبل الصراع، في المديين المباشر والمتوسط.
إن التكرار المقصود هو سيد الموقف، منذ زمن سابق، وهو الموقف المطلوب الذي يجري الأصرار عليه وتسويقه، في هذه اللحظة الأميركية النادرة. لكنه يعبر عن فشل أكيد، لو لم يكن الفشل الواضح والأكيد، لقيل كلام استعراضي ودعائي أخر حتماً.
الالتباس الأميركي شديد وكبير، بين الدعاية والمنافسة الانتخابية الداخلية، واتساع وتعمق الأزمة والفشل والتورط في بلادنا، وأرتفاع تكاليف الحرب الباهضة، وتصاعد الخسائر، والرفض الشعبي الداخلي، وتلاشي الامكانيات الأميركية لفرض حلول حاسمة، وبروز مصاعب ومظاهر كثيرة مضادة، وعجز وتحطم قدرات الادارة المحلية على تحقيق أي شيء، مهما كان بسيط او جانبي.
ربما نحن أزاء بوادر تحول نوعي في الوضع العام في بلادنا، تتجمع فيه كل عناصر التغيير، يصل الى حافة الاعتراف بالأزمة والفشل، ومن ثم الهزيمة. مما يتطلب تحشيد الطاقات الوطنية، لنقل الصراع الى درجة جديدة من المواجهة، والتحضير لتحقيق النصر النهائي.
على الحركة الوطنية أن تستمر في تصعيد نضالها، ومتابعة الوضع في لحظته الحالية الحرجة والمتحولة، وفي الرد على الطروحات الأميركية، وكشف أزمتها وتخبطها وفشلها.
هوامش:
• لقد مرت المناسبة الخامسة، وبداية السنة السادسة للاحتلال بصورة حزينة وكئيبة، في بغداد وكل المدن الأخرى، تكشف عن حجم الجريمة ونتائجها الرهيبة. ولم يحتفل بها غير نفر بائس، في مواقع وفضائيات فاشلة، أو فضائيات تشبه الراديو.
• تتعرض مدينة الثورة الى هجمة عسكرية أميركية شرسة، ربما تتكرر فيها مذبحة مدينة الفلوجة الرهيبة، وانا هنا أشير الى مصير المدنيين الأبرياء، والقصف اليومي بالطائرات والمدفعية.
• بسبب فشل جولة ( ....) على مدينة البصرة، فان كل شيء يشير الى جولات عسكرية جديدة ومذابح شاملة، ستقع في مدن البصرة والناصرية والثورة والكوت والديوانية والسماوة وووو. لفرض خطط سياسية للاحتلال ولقوى طائفية معروفة. وتمرير حزمة من القوانين والخطوات الخطيرة، بما فيها الاتفاقية الأميركية المفروضة على بلادنا. ماذا يقول المالكي ورهطه على فشل البصرة؟؟ وماذا سيفعل لمعالجة الفضيحة؟؟
• تقول "لجنة النزاهة" أن الفساد هدر وسرق وبدد 250 مليار دولار فقط منذ بداية الاحتلال.
• صفقة الاحتلال – الادارة المحلية، ابشع صفقة تحصل في تاريخ بلادنا. لكنها صفقة مأزومة، تحمل أسباب فشلها وسقوطها بين ثناياها وطياتها وفي دهاليزها المعتمة، بسبب رفض الناس لها.

أحمد الناصري Alnassery3@hotmail.com