الوضع الامني في العراق: التحسن الامني اشاعة رخيصة وباهتة!

بقلم: جمال محمد تقي

حتى يتحقق القارئ العزيز من الامر، اي ان يصل وبشكل موضوعي الى استنتاج مؤكد، ويجيب على مثل هذا التساؤل المطروح بنفسه : هل هناك حقيقة تحسن امني في العراق ام ان الامر كله لايعدو عن كونه اشاعة مغالطة ومغرضة لذر الرماد في العيون عن رؤية الخراب اليومي والشامل، ورؤية حقيقة ان مسببي الجرائم الجنائية الاجرامية المنظمة، والقتل المجاني والمستهتر للمدنيين العزل، وسياسة الترويع بالتفجير والتفخيخ، هم انفسهم المحتلون وفرقهم الخاصة ومرتزقتها من عراقيين واجانب، انهم انفسهم ازلام عصابات وميليشيات الاحزاب الطائفية والعرقية، وهم انفسهم من يتحكم بمصباتها وحجم مصائبها، وعندما يخففون من وطأتها فانما يفعلون ذلك لغرض معاكس يريدوه، وكانهم يريدون الترويج لاشاعة خسيسة تقول: ان من يعاديهم ويقاومهم هو المسؤول عن الافعال المشينة تلك، والتي ارتكبوها هم وما يزالون!
هذه الاشاعة القذرة لا تختلف في جوهرها عن اخواتها السابقات من الاشاعات المغرضة والتي ثبت فعليا كذبها ـ كاشاعة اسلحة الدمار الشامل في العراق، واشاعة تحرير العراق، واشاعة زرع الديمقراطية فيه، واشاعة لا مصلحة نفطية او اسرائيلية في الحرب عليه واحتلاله، واشاعة لا وجود لمقاومة عراقية تتصدى للمحتلين؟
في البدء اسقط الاميركان كل جرائمهم على اكتاف الزرقاوي، وبعد ان تخلصوا منه كما اعلنوا هم انفسهم، راحوا يعلنون ان القاعدة تتكاثر وهي المسؤولة عن الفوضى الامنية! ومعروف انهم في حروب مخابراتهم التي خاضوها في بلدان اميركا اللاتينية الثائرة كانوا قد استخدموا ذات الاسلوب اي ترويع المدنيين الابرياء ثم الصاق التهم بالثوار، لغرضين اساسيين اولهما لاجبار المدنيين على اللجوء التلقائي لطلب الحماية، حتى لو كانت من المحتلين انفسهم او شرطتهم، وثانيهما لابعاد المدنيين عن الانخراط بصفوف المقاومين والثوار، اي تسويد صورة المقاومين امام المدنيين ومن ثم جر المدنيين للتعاون مع المحتلين واعوانهم، ومعروف ايضا ان نغروبونتي هو واحد من اشهر خبرائهم المتمرسين في هذا المجال، وفعلا جرى استخدامه في العراق لهذا الغرض الخبيث!
لقد اعترف العديد من رموز ما يسمى برجال الصحوة انفسهم انه ليس للقاعدة في مناطقهم تنظيمات بالقوة والتضخيم الذي يرد على لسان الاميركان، انهم جماعات مقاتلة صغيرة يمكن لاي قوة منظمة ومدربة ان تحاصرهم وتنهيهم، فالعراق ليس افغانستان، لكن كانت هناك مصلحة اميركية في تركهم، واعترف بعضهم وعلنا ايضا ان هناك مقاومة عراقية اصيلة وقوية، وهم يسمونها بالمقاومة الشريفة وهي من اذاق الاميركان الامرين وما تزال، ولا هم لها غير مقاتلة الاميركان وخلاص البلاد، ومن الامثلة الموثقة في هذا الاطار : حديث مفصل لعلي حاتم احد رجال الصحوة في الرمادي حول هذا الموضوع، اذيع من قناة الفرات العراقية!
هل يعقل ان تتزايد اعداد الاصابات بين الاميركان حتى تصل الى حدود 17 الف اصابة، فقط خلال هذا العام من اصل 55 الف اصابة بين قتيل وجريح ومعوق ومجنون ـ منذ 9 نيسان 2003 وحتى الان حسب مصادر الحزب الديمقراطي صاحب الاغلبية في الكونغرس الاميركي ـ ثم يأتي من يقول ان قلة اعمال التفخيخ والتفجير بين المدنيين، هي دليل على انحسار المقاومة؟ فما علاقة هذه بتلك؟
ان محاولة التغطية على الفشل في انهاء مقاومة شعبنا الباسلة باتهامها زورا وبهتانا بالجرائم ذاتها التي يرتكبها المحتل ذاته واعوانه، والتي يعمد حاليا لتخفيفها تكتيكيا، هي دليل اخر على عقم سياسته وعمق مأزقه، وعلى قرب نهايته!
لقد ظهرت قاعدة جديدة في قائمة الاتهام الاميركي غير الزرقاوي والقاعدة والجماعات المتمردة، انها لائحة الارهاب الايراني، فقد اتهم الاميركان ايران بتفجير سوق الهرج الاخير، ونحن هنا لا ننفي ولا نؤيد ذلك فكل الاحتمالات قائمة، والذي يجري بالبصرة وغيرها ليس بحاجة لدليل، ولكن لماذا لا يكون الامر مدبر اميركيا لاتهام ايران فالوضع يسمح للطرفين بارتكاب جرائم وتنسيبها للاخر في عراقنا المستباح؟
تفجيري سامراء مثلا، مازالا عليهما الفي علامة استفهام، والجهتين المستفيدتين من تداعياتهما هما اميركا وايران!
فالجرائم المصنعة اميركيا متوفرة وحسب الطلب، وكذلك التهم جاهزة وحسب الطلب ايضا، واشاعة اللغط ايضا مهارة يجيدها رجال السي اي اية في العراق وغيره! مفهوم الامن في نظر المحتلين واعوانهم الامن مفهوم استراتيجي ويعني الحصانة الواقية من الاضرار بمختلف اشكالها، فعندما تؤمن على حياتك هناك شروط يجب ان تتوفر، وعند توفرها ستكون مشمولا بالرعاية التأمينية، والامن متعدد الاوجه ومنه الامن الشخصي والامن الاجتماعي والامن الغذائي والامن الصحي والامن التعليمي والامن الخدمي والامن الصناعي والامن البيئي والامن السياسي والاقتصادي وهكذا، فالامن اذن هو مستوى من الضمان الكلي والجزئي وبمعدلات تكفل الحد الوسطي لاستقرار وتنمية المجتمع، من خلال شكل عقده مع دولته، ومن خلال قوة مؤسساته واستقلاليتها، كدولة وكمجتمع مدني ـ الاحزاب والنقابات والاتحادات، والصحف والاعلام والجمعيات الخيرية ـ فاين الامن في العراق من هذا كله؟
هل الدولة في العراق حرة ام محتلة؟ هل مؤسسات الدولة فيه حرة ومستقلة؟ هل هناك فعلا مؤسسات للمجتمع المدني حرة ومستقلة؟ اترك الاجابة للقارئ نفسه.
كيف نقول ان بلادا يتحسن الامن بها ومازل الفرار منها بتزايد جنوني، ومازالت البطالة الفعلية فيها تصل الى نسبة 80 %، والفساد فيها شامل ويزداد شمولا، بلاد لا يعمل فيها اي من مبادئ الادارة الضامنة، ولا شيء يذكر من مبادئ تكافؤ الفرص، بلاد السجون فيها مليئة بالمناضلين المقاومين اما المجرمين وشذاذ الافاق ومزوري الشهادات فهم حكام وقضاة، واي قضاة؟ لقد عينوا خصيصا ليعيثوا بارض العراق فسادا!
عن اي أمن يتحدث اصحاب "خطة فرض القانون " في بلاد اساس مشكلتها انه ليس فيها قانون؟ فللمحتل قانونه ولحكومة الدمى قانونها وللميليشيات قوانينها، واللانفصاليين في الشمال قوانينهم، ولكل مقاول من مقاولي العملية السياسية قانونه!
اي أمن واي ضمان عندما لا يملك المجتمع والدولة اي حق في محاكمة من يرتكب جريمة قتل جماعية بحق المدنيين؟ حيث هناك قانون اميركي يمنع اي جهة عراقية من محاسبة اومحاكمة مرتكبي جرائم الحرب في العراق وهذا القرار يشمل شركات الحماية الخاصة ايضا!
تحسن امني ويوميا يقتل الاميركان من الابرياء في بغداد وغيرها من مناطق العراق ما لا نعرفه من الاعداد ثم تظهر الجثث بعد حين تطوف على مياه دجلة!؟
ساحة النسور تشهد، ومجزرة المحمودية تشهد، ومذبحة حديثة تشهد، والفلوجة تشهد، وتفجير جسر الصرافية يشهد، وما خفي كان اعظم واشد!
لا أمن حقيقي وشامل الا بزوال الاحتلال وعمليته السياسية وانبثاق عراق حر مستقل قوي بدولته ومؤسساتها الفاعلة، عراق لا وصاية لاحد عليه ولا قواعد عسكرية اجنبية فيه، عراق لا مكان فيه لدويلات الطوائف والاعراق، عراق سيد وحيد على ثرواته وعلى مستقبله، ولن يكون غير شعبه الاصيل المرابط بمقاومته الباسلة المتوهجة نورا لشعبها ونارا على محتليه، وكيل وكفيل في تحقيق هذه الاهداف الوطنية. جمال محمد تقي