الورق بطلا في 'فرافيش' محمد الجمل

هل هو مجرد توفيق بين عنواني مسرحية يوسف إدريس الشهيرة الفرافير وملحمة الحرافيش لنجيب محفوظ؟


الفرافيش تحتوي في بعض أجزائها على خصائص مسرح العبث أو اللامعقول

لا نستطيع أن ننكر بأي حال من الأحوال أن فن كتابة المسرح بمعماره المعروف حاليا (الفصول والمشاهد .. الخ) فن وافد إلينا من الغرب، وعلى الرغم من الدعوة التي رفع لواءها عدد من كبار كتابنا المسرحيين لإنشاء شكل مسرحي عربي، فإن هذه الدعوة لم تلق استجابة كبيرة لدى معظم المسرحيين في عالمنا العربي رغم وجود بعض الأصوات التي تنادي بالعودة إلى أشكال الاحتفالية وخيال الظل وحلقات السامر ومسرح الطلبة، على اعتبار أنها أشكال نابعة من احتياجات وممارسات المواطن العربي في بعض مناطق العراق وسوريا ومصر والمغرب العربي، على أن تتطور هذه الأشكال بما يتناسب مع التقنيات الجديدة لمسرح اليوم.
ولا شك أن المسرح يُعتبر –كما يقول الفنان سعد أردش في كتاباته ولقاءاته– ظاهرة يشارك الجمهور في الحكم على أحداث المسرحية التي يراها تدور أمامه، لذا تكمن خطورة الظاهرة المسرحية في مجال الفكر والفن بصفة عامة، ومن هنا استحق أن يطلق على المسرح لقب "أبو الفنون".
ولقد مرت الكتابة إلى المسرح (أو الكتابة المسرحية) – منذ أن تعرَّف الشعب العربي على هذه الظاهرة إبان الحملة الفرنسية على الشرق – بعدة مراحل كان أولها بلا شك الترجمة والنقل عن الغرب، ثم جاءت مرحلة التقليد والاقتباس والتعريب والتمصير، غير أن مسيرة التأليف الحقيقية للمسرح (وخاصة الذهني) يمكن أن يؤرخ لها بمسرحية "أهل الكهف" لتوفيق الحكيم التي أثارت ضجة كبيرة عند صدورها أوائل الثلاثينيات، ثم تتابع بعد ذلك ظهور أجيال من المؤلفين المسرحيين، ربما كان جيل الستينيات أكثرهم إضافة، وأكثرهم فهما لعطاءات خشبة المسرح ومدى تأثيرها في الجمهور. وكان من أهم مؤلفي تلك الفترة نجيب سرور، نعمان عاشور، محمود دياب، ألفريد فرج، يوسف إدريس، علي سالم، سعدالدين وهبة وغيرهم. وصاحب تلك الفترة نقاد بدأوا يكتبون عن هذه الظاهرة المسرحية كان من أبرزهم: د. علي الراعي، د. رشاد رشدي، سعد أردش، جلال العشري وغيرهم.
ومع حلول السبعينيات خفَت صوت كل شيء جميل وقوي ومؤثر، وهاجرت الأقلام وكفّت العقول عن الإنتاج وصمتت –ظاهريا– بعض الأصوات، ما أدى إلى انتشار ما يسمى بالمسرح التجاري الذي تديره فرق القطاع الخاص، بعد أن كانت الدولة هي المهيمنة على النشاط المسرحي، مما أدى إلى ظهور ما يسمى بمسرح القطاع العام. ومع ظهور مسرح الفرق الخاصة سادت كثير من القيم الفنية غير المستحبة وغير الأخلاقية، كما ظهرت نوعيات جديدة من الجمهور الذي يرتاد مسارح هذه الفرق.
إلا  أننا لا نستطيع أن ننفي تماما وجود حركة مسرحية جادة كانت تحاول أن ترفع صوتها بين الحين والآخر. وكان المسرح الطليعي – وقتها – يحاول أن يقدم تجاربه الجديدة من خلال هذه المحاولات. وقد بزغ اسم السيد حافظ كواحد من الأسماء التي ظهرت في تلك الفترة، حيث قام بتقديم تجاربه في الإخراج وتجاربه في الكتابات المسرحية.
ومع ظهور الأصوات الجديدة في ميدان التجريب في الكتابة المسرحية بزغت أسماء أخرى جديدة، كان من بينها اسم الأديب محمد الجمل الذي قدم لنا مسرحيته المطبوعة "الإنسان الكلوروفيلي" 1982، ومسرحياته القصيرة "الملهى والعشاق" 1983، ثم مسرحيته "الفرافيش" 1984 والتي تضم بين دفتيها مسرحيتي "الفرافيش" و"الثلاجة"، وكانت له مسرحية بعنوان "الشيخ والمريدة".
ونحن لن نتوقع وجود شكل الكتابة المسرحية عند محمد الجمل كما هو متعارف عليه في البناء التقليدي، أي الدراما الناشئة عن الصراع في الأحداث أو المواقف أو الحوار أو تركيب الشخصيات، ولكننا سنجد في مسرحية "الفرافيش" مجموعة من الصحفيين الذي يعملون داخل صالة تحرير صحيفة ما، وبحكم العمل الصحفي، منهم محرر باب الأدب، محرر باب السينما، محرر باب التلفزيون، محرر باب الرياضة، محرر باب الحوادث، محرر باب الفكر، محررة باب المجتمع، ومحررون لأبواب مختلفة بالصحيفة، ويعمل معهم في نفس صالة التحرير الأستاذ كافور السعدي كبير المحررين الذي نجده يطالب محرري باب الأدب وباب الفكر –على وجه الخصوص– بالاختصار دائما في موضوعاتهم لأن مثل هذين البابين لا يجذبان أنظار القراء، وهو في الوقت نفسه الذي يطلب فيه من محرري أبواب الرياضة والحوادث والسينما والتلفزيون والفن بمزيد من الموضوعات التي تشد الناس وتدهشهم ولا تجعلهم يفكرون، لأن الناس أو القراء –على حد تعبيره– مشغولون بهموم حياتهم اليومية، وليس لديهم وقت للتفكير في أشياء أخرى تجلب لهم مزيدا من التعاسة. إنه ينبغي على الصحيفة أن تقوم بالتسلية والترفيه على سبيل العزاء والمواساة.
كما أننا سنلاحظ على الحوار، إما أنه مبتور بين الصحفيين، وإما أن كل واحد منهم يتحدث عن أشياء أخرى ليست هي التي يتحدث عنها الطرف الآخر، وإما يكون الحوار بين مثل هذه الشخصيات غير منطقي في تسلسله، أو يدور حول أشياء تافهة وشخصية جدا مثل الحذاء غير اللامع أو نوعية العطر الذي يستخدمه فلان، والتي لا تهم القارئ أو المتفرج في شيء.
ومن هنا نستطيع أن نقول إن مسرحية "الفرافيش" لمحمد الجمل تحتوي في بعض أجزائها على خصائص مسرح العبث أو اللامعقول، كما شاهدناه عند صمويل بيكيت، ويوجين يونسكوـ وهارولد بنترـ وجان جينيه، وغيرهم. وهذه الخاصية ليست جديدة على مسرحنا بل إنها تعبر بالفعل عن واقع حياتي يومي تعيشه قطاعات كبيرة في مجتمعنا وقد نجح الكاتب في أن ينقل هذه الخصائص التي وجدت في مسرحه عن الواقع المعيش فعلا. وربما يكون الجو الذي تدور فيه المسرحية – وهو جو العمل الصحفي – له مغزى أكبر وأعمق مما لو دارت أحداث المسرحية في جو آخر، لأن العمل الصحفي من المفروض أن يكون به قدر أكبر من التنظيم، وقدر أكبر من الحديث عن الفكر والأدب والفن والحياة والسياسة، بعيدا عن هذا العبث أو اللامعقول في التصرفات والأحداث والحوار.

بطل يحمل كل سذاجات المحررين وعذاباتهم وأحلامهم في سبيل أن تصل كلمتهم إلى القراء

وإذا كان ثمة بطل في مسرحية "الفرافيش" فأعتقد أن أطنان الورق المكدسة والمكومة فوق مكتب كافور – كبير المحررين – هي التي ستكون البطل، وليس الورق بطلا بالمفهوم المسرحي المتعارف عليه سواء كان بطلا تراجيديا أو بطلا قوميا أو بطلا يصنع مصيره بنفسه، وإنما سيكون الورق بطلا من نوع آخر، فهو البطل الذي يحمل كل سذاجات وتفاهات المحررين، وأيضا كل عذاباتهم وكل مسوداتهم وكل آمالهم وأحلامهم في سبيل أن تصل كلمتهم المكتوبة – مهما كانت نوعية الكتابة – إلى القراء. وأيضا عن طريق هذا البطل (الورق) سيعرف القراء أخبار الرياضة، وأخبار الفن، وأخبار المجتمع، وأخبار الحوادث، وأخبار الأخبار. إن الورق هو البطل الصامت/ المتكلم، في الوقت نفسه في هذه المسرحية.
ومما يؤكد من عنصر التجريب في مسرحية "الفرافيش" – البسيطة ظاهريا – أن المؤلف اعتبرها فصلا واحدا دون وجود أية مشاهد منفصلة عن بعضها البعض، وإذا كانت هناك ثمة نقلات في الحوار، فإنه استطاع أن يفعل ذلك عن طريق القطع والمونتاج والتداخل الزمني أثناء سير الأحداث. وهنا نطلق كلمة "الأحداث" تجاوزا، لأن المسرحية ليس بها حدث مهم تدور حوله، ولكن كل ما في الأمر هو عرض عن طريق النقل شبه الفوتوغرافي أحيانا والكاريكاتوري أحيانا أخرى مع بعض المسخ الفكري لشريحة معينة من شرائح المجتمع، هي شريحة الصحفيين، بالإضافة إلى نقل واقعي أحيانا، ورمزي في كثير من الأحيان لبعض اللوحات (أو التيمات) الشعبية التي يجري عرضها في الشارع المصري على وجه التحديد، مثل الرجل (الحاوي) الذي يلعب بحلقة النار، الأولاد الذين يلعبون (البلي) الفتاة الصغيرة التي تلعب لعبة (الحجلة) معركة (الفتونة) التي تدور بين رجلين يتحمس لأحدهما بعض الصحفيين ويتحمس للآخر البعض الآخر، مثلما يحدث في تشجيع قطبي الكرة المصرية (الزمالك والأهلي)، الرجل (الأراجوز) ومعه صندوقه المركب على حامل ذي ثلاث أرجل، مجموعة الأطفال التي تلعب لعبة (الثعلب فات وفي ديله سبع لفات)، الرجل الذي يحمل صندوق الموسيقى القديم الذي يدار بالمانيفلا وتنبعث منه ألحان كلاسيكية، كما أن هناك لوحة تعبيرية يتكرر ظهورها أكثر من مرة، وهي لوحة المحررين الثلاثة الذين يؤدون رقصة غسل الأيدي ويقذفون رذاذ الماء العالق في أصابعهم في وجوه المحررين الآخرين أثناء الرقصة.
وإذا كانت بداية مسرحية "الفرافيش" (التي وقعت في 83 صفحة) هادئة بعض الشيء، فإن هذه البداية الهادئة لا تستمر طويلا، حيث يتحول الإيقاع قرب النهاية إلى إيقاع متوتر نتيجة السخونة في الحوار الفكري الذي يتم بين كافور ونبيل المحرر الأدبي الجاد الذي طلب منه كافور أن يقوم بتلخيص موضوعاته أكثر من مرة، ومع ارتفاع حدة إيقاع المسرحية، تتوالى أكوام الورق وأكوام المطبوعات المطلوب مراجعتها لدرجة أن كافور يقول: "خنقتموني بأوراقكم ودوسيهاتكم وأبوابكم، اللعنة للأوراق والدوسيهات والأبواب". 
وهكذا ينتصر البطل – الورق – على كبير محرري الصحيفة، ومما يشي بهذا الانتصار المعلن قول نبيل عن لحظة إسدال الستار: هل فيكم من يستطيع أن يوقف التغيير.
وفي رأي مؤلف المسرحية – كما جاء بآخر الكتاب – فإن مسرحيته تعتبر مسرحية واقعية ترصد شريحة من شرائح الحياة المعاصرة، ولكن تبقى قضية الاختلاف أو الاتفاق حول الشكل الفني وطبيعة الأداء المسرحي. 
إن السؤال الذي يلقي بظلاله علينا في نهاية حديثنا عن هذه المسرحية (وهي مكتوبة باللغة العربية المبسطة) يدور حول عنوان هذه المسرحية "الفرافيش" هل هو مجرد توفيق بين عنواني مسرحية يوسف إدريس الشهيرة "الفرافير" وملحمة "الحرافيش" لنجيب محفوظ؟ أم أن للعنوان مغزى آخر؟
أنا أعتقد أن عملية التوفيق أو المزج التركيبي بين كلمتي "الفرافير" و"الحرافيش" هي التي كانت أقرب إلى ذهن المؤلف عند اختياره لعنوان هذه المسرحية.
وإذا كان محمد الجمل أطلق على كتابه السادس اسم "الفرافيش ومسرحيات أُخر" فإنه بذلك سمح لنفسه أن يخدعنا قليلا لأنه ليس هناك وجود لمسرحيات أُخر سوى مسرحية واحدة قصيرة جدا كتبت باللهجة العامية المصرية، وهي مسرحية "الثلاجة" التي وقعت في تسع وعشرين صفحة، والتي دارت حول فكرة قول مأثور مؤداه أن العربة إذا وضعت أمام الحصان فلنقل على الدنيا السلام، وهو إذا كان قد لجأ إلى استخدام اللهجة العامية المصرية في هذه المسرحية القصيرة، فأعتقد أن الفكرة التي ألحت على الكاتب عند الكتابة هي التي جعلته يتخذ من العامية أسلوبًا لكتابتها، خاصة وأن أحداث هذه المسرحية تدور في إحدى الحارات الشعبية الفقيرة جدا، ولو حدث أن كتبت بالعربية الفصحى لأحسسنا أن هناك شيئا ما ينقصها خاصة وأن الأمثلة الشعبية بالإضافة إلى وجود تلك العلاقات الإنسانية الحميمة في بيئة الحارة المصرية هي التي كانت مسيطرة على جو المسرحية، خاصىة أيضا وأننا لم نجد سوى شخص واحد متعلم هو الابن جاد، وإذا كان الورق هو بطل مسرحية "الفرافيش" فإننا نستطيع أن نقول إن "الثلاجة" هي البطل "المنتطر" في المسرحية التي هي بالاسم نفسه، ومن هنا كان للاسم صلة وثيقة بموضوع هذه المسرحية القصيرة جدا.
إن الأشياء هي الأبطال في مسرح محمد الجمل، وخاصة في هاتين المسرحيتين الجديدتين: الفرافيش والثلاجة. وكما نعرف دائما فإن المسرحية المكتوبة تظل ناقصة في كثير من جوانبها ما لم تُعد وتظهر على خشبة المسرح، ولا تكتمل الظاهرة المسرحية في أي بلد من البلدان بدون حضور الجمهور، لذا فإن الحكم النهائي على هاتين المسرحيتين – وكل المسرحيات المكتوبة أو المطبوعة – لن نستطيع قوله إلا بعد مشاهدتهما على خشبة المسرح، حيث تضاف عناصر أخرى – غير موجودة حاليا في النص المسرحي المكتوب – مثل الإضاءة والديكور والملابس والإكسسوارات وبقية عناصر السينوغرافيا. ومهما أوتي المؤلف من مقدرة على تخيل الشكل الإخراجي لمسرحياته ووضع هذا التخيل مكتوبا إلى جانب النص المكتوب، فإن العمل يظل ناقصا ما لم نشهده بأعيننا – مع الجمهور – ومن خلال مواقعنا – كمتفرجين – في صالة العرض المسرحي، ووقتها نستطيع أن نحكم على الظاهرة المسرحية الحكم الصحيح.