الوجه المخفي للمرأة التونسية تمييز واستغلال إلى حد الاسترقاق

تجاهل تام من الدولة

تستيقظ ليلى الهمامي يوميا على الساعة السادسة فجرا، تعد ما يكفي لسد رمق أبنائها الثلاثة وزوجها العاطل عن العمل. تتناول قليلا من زيت الزيتون وقطعة مما بقي من فتات رغيف عشاء الليلة الماضية. تنبه زوجها إلى ضرورة مرافقة الأبناء إلى المدرسة، ثم تنسل من بيتها المتكون من غرفتين مسرعة باتجاه مصنع المنسوجات والخياطة حيث تعمل عشر ساعات يوميا، ولا تعود إلى بيتها إلا في حدود الساعة السابعة مساء منهكة فتجد الأفواه الجائعة في انتظارها لإعداد العشاء، وقبل الساعة العاشرة تلقي بجسدها النحيل المنهار على الفراش لتستيقظ من الغد في نفس التوقيت.

تمثل ليلى (48 عاما) واحدة من بين 250 ألف امرأة وفتاة يشتغلن في مصانع الخياطة والمنسوجات المنتشرة في المناطق الصناعية وحول الأحياء الشعبية للمدن الكبرى، مثل تونس العاصمة والمنستير وصفاقس، في غياب أية ضمانات اجتماعية ومجردات من أبسط حقوقهن المهنية ليعكسن الوجه الخفي للمرأة التونسية وما تتعرض له من استغلال وتهميش في بلاد راهنت مند مطلع الستينات من القرن العشرين على حرية المرأة وحقها في المواطنة الكاملة.

ويعد قطاع الخياطة والمنسوجات "قطاعا نسويا بامتياز" حيث تمثل المرأة نسبة 87 بالمئة من مجموع العاملين، تنحدر 97 بالمئة منهن من فئات اجتماعية هشة ومعدومة، تصارع الفقر والخصاصة والبطالة في تونس التي ترتفع فيها نسبة الفقر في عدد من الأحياء الشعبية والجهات المحرومة إلى أكثر من 60 بالمئة، فيما تفتك البطالة بأكثر من مليون شاب وفتاة.

ويفضل أصحاب المصانع التي لا تتوفر فيها أبسط شروط المؤسسة الصناعية تشغيل الفتيات الفقيرات والأميات لأنهن مكرهات على الشغل طيلة عشر ساعات بأجر زهيد لا يتعدى في أحسن الحالات 400 دينار تونسي، أي حوالي 300 دولار دون أية منح إضافية أو امتيازات اجتماعية.

ويعتبر قطاع الخياطة والمنسوجات من أهم القطاعات الصناعية التحويلية في تونس حيث يعد أكثر من 2100 مصنع يشغل أكثر من 30 ألف شخص.

وتحتل تونس المرتبة الخامسة من بين البلدان المزودة للمنسوجات والملابس للاتحاد الأوروبي بنسبة 3.5 بالمئة، كما تحتل المرتبة الثانية على الصعيد العالمي كمصدر للنسيج والملابس ويستوعب الاتحاد الأوروبي 97 بالمئة من صادرات القطاع.

وتستهلك فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبلجيكا وهولندا واسبانيا وحدها 91 بالمئة من الصادرات، ويفوق المعدل السنوي لقيمة صادرات قطاع النسيج والملابس 5000 مليون دينار أي حوالي 4000 مليون دولار.

وعلى الرغم من أهميته الاقتصادية فإن قطاع الخياطة والمنسوجات يتصدر المراتب الأولى ضمن قائمة القطاعات غير المهيكلة وغير المنظمة ما جعله "القطاع الأشد استغلالا للمرأة والأكثر استباحة لحقوقها المهنية والأشد تهميشا اجتماعيا لها"، حيث تتحكم فيه علاقات مهنية في الدرك الأسفل من "الاسترقاق" و"التمييز" ترسخت نتيجة أطر قانونية مجحفة تخدم مصالح المستثمرين على حساب اليد العاملة في إطار خيارات تنموية غير عادلة،. فأرباب العمل يتعاملون مع النساء العاملات كبضاعة تخضع لآليات السوق دون احترام للحقوق الاقتصادية والاجتماعية التي ينص عليها الدستور وقانون الشغل والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

وتبدو ليلى الهمامي واحدة من بضع عشرات من النساء العاملات "المحظوظات" اللاتي تسلحن بالصبر على الاستغلال والحيف والقهر ونجحن في "انتزاع" ما يعرف في تونس بـ"الترسيم" أي الانتداب، أما الآلاف الباقية فهن عرضة للطرد في أي لحظة لأبسط الأسباب بما فيها مزاج صاحب المصنع الذي لا يخلو من شتى أشكال الضغوطات من أجل طرد العاملات قبل استيفائهن المدة التي ينص عليها القانون كحد أقصى للانتداب النهائي. ويلتجئ أرباب العمل إلى هذا الابتزاز للتهرب من انتداب العاملات وأيضا للتهرب من الضرائب والأداءات الاجتماعية.

بدأت ليلى عملها بمصنع منسوجات وملابس مصدر كليا يقع في حي الانطلاقة الشعبي شمال غرب تونس العاصمة مند العام 1984 كـ"متمرنة" في سن لم تتجاوز 15 سنة بعد أن انقطعت عن الدراسة لتساعد أباها الهادي الهمامي على إعالة عائلة تتكون من عشرة أفراد بأجر شهري قيمته 25 دينارا، أي حوالي 20 دولارا، وتحملت الكثير من الأذى طيلة 30 سنة وهي اليوم تتقاضى أجرا شهريا قيمته 400 دينار، أي حوالي 300 دولار.

وعلى الرغم من أن هذا الأجر الذي يعكس حالة الاستغلال بل الاسترقاق التي تتعرض له نساء تونس الفقيرات لا يكاد يوفر ما هو ضروري لسد الرمق فإن ليلى تعتبر نفسها "محظوظة" بالمقارنة مع مئات الفتيات اللاتي لم يصبر صاحب المصنع على تشغيلهن سوى 5 أشهر وألقى بهن في الشارع، مستغلا غياب أية رقابة إدارية أو قانونية في دولة تفضل الانتصار لصاحب رأس المال على العمال تحت يافطة "تشجيع المستثمرين" و"المرونة في عقود الشغل" التي لا تعني سوى التحرر من أي شكل من أشكال الالتزام بالقوانين التي تنظم سوق الشغل وتحمي العاملات.

تقول ليلى "خلال ثلاثين عاما فكرت عديد المرات في مغادرة المصنع، نحن هنا نتعرض لمعاملة قاسية، حالنا حال العبيد، نشتغل عشر ساعات يوميا، وفي آخر الشهر نحصل على أجر لا يكفي قوت يومنا، لكنني لم أجد مهنة أخرى، يتحدثون عن حقوق المرأة العاملة، نحن هنا في المصنع لا حقوق لنا يستغلنا صاحب المصنع لتكديس الثروات على حساب عرقنا ومستغلا فقرنا وظروفنا، في هذه البلاد الفقراء يزدادون فقرا والأغنياء يزدادون غناء".

دور حيوي في تنمية الاقتصاد

وتسهم عاملات مصانع الخياطة والمنسوجات في تأمين لقمة عيش أسرهن بنسبة 80 بالمئة على الأقل من أجورهن.

وتضطلع العملات في هذا القطاع بدور حيوي في النمو الاقتصادي للبلاد حيث يسهمن بمجهودهن في تأمين 25 بالمئة من مجموع قيمة الصادرات التونسية بالرغم من أنهن يعشن تحت مستوى خط الفقر.

وتجد عملية استغلال النساء العاملات في مصانع الخياطة والمنسوجات في السياسة الشغلية التي انتهجتها تونس مند أواخر السبعينات ما يحمي أرباب العمل ويوفر لهم الغطاء القانوني للإفلات من العقاب، حيث أقرت البلاد آنذاك قانون يعرف بـ"قانون 1972" وهو يتعلق بـ"تشجيع المستثمرين وخاصة الأجانب منهم" على حساب حقوق العاملين والعاملات. حيث يسمح القانون الذي يصفه الخبراء بـ"قانون الاسترقاق" لأرباب العمل بإبرام "عقود محدودة في الزمن" و"عقود المناولة" التي تعتبر أفظع أشكال الاستغلال خاصة وأن أكثر من 75 بالمئة من اليد العاملة في هذا القطاع تخضع لهذا النوع من العقود.

ويقول المرصد التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية "إن التساهل وغض النظر الذي تمارسه الدولة في هذا القطاع كانت له انعكاسات سلبية على انتهاك حقوق الآلاف من العاملات خاصة عند غلق المصنع أو إعادة توطينه خارج البلاد دون وجود إمكانية للمتابعة القضائية أو استرجاع الأموال المنهوبة من قبل المستثمرين والتي تشمل في الغالب أجور العاملات.

وفي كثير من الأحيان تتغلب القرارات السياسية على تطبيق القانون إذ يتم غض النظر على حقوق العاملات بتعلة المحافظة على الاستثمار الأمر الذي يؤكد ضعف الدولة أمام أصحاب رؤوس الأموال وخاصة الأجانب منهم.

وخلال الأسبوع الماضي شهدت المنطقة الصناعية بحي قصر السعيد شمال العاصمة تونس حالة من الاحتقان والفوضى في صفوف المئات من العاملات، بعد أن أغلق أحد المستثمرين الأجانب مصنعا للخياطة والمنسوجات وغادر البلاد قبل أن يمكنهن من أجورهن.

تشغيل على خلاف الصيغ القانونية

وأظهرت دراسة ميدانية حديثة أعدها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية حول انتهاكات الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمرأة العاملة في قطاع النسيج أن 68 بالمئة من المصانع تتبع نظام عمل مدته عشر ساعات يوميا تتخللها استراحة للغداء بنصف ساعة وهو ما ينعكس على الحالة الصحية للعاملات من خلال تعرضهن للإرهاق.

ويتعمد 17 بالمئة من المصانع إلى تشغيل العاملات على خلاف الصيغ القانونية بهدف الإفلات من "إثبات العلاقة الشغلية" كما يعمد عدد من أصحاب المصانع إلى "عدم التنصيص على تاريخ انتهاء العقد" واغلب عقود الشغل مكتوبة باللغة الفرنسية في الوقت الذي لا تستطيع فيه 90 بالمئة من العاملات فهم محتوى العقد نظرا لضعف مستواهن التعليمي.

ومن المفارقات أن العقود تشرع عمليا استغلال العاملات حيث تتضمن في الغالب خمسة فصول تحدد فقط واجبات العاملة "دون أية إشارة لحقوقها التي ينص عليها قانون الشغل"، بحسب ما جاء في الدراسة التي أعدها منتدى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

أما على مستوى خلاص الأجر "تغيب بطاقة الخلاص ويتم تسديد الأجر في ظروف مغلقة ودون إمضاء على أية وثائق، وفي حال وجِدت هذه البطاقة يغيب عنها الشكل القانوني وفي حال توفر هذا الجانب القانوني فإنها تكون في الغالب مغمسة في كمٍ من الانتهاكات نذكر منها عدم تطابق الاختصاص مع المهام التي تقوم بها العاملة وعدم تطور الصنف والدرجة رغم الأقدمية وعدم التسجيل في الضمان الاجتماعي وتخفيض في الحجم الجملي لساعات العمل وعدم تطابق الأجر الصافي مع ما تحدده القوانين".

وأكدت الدراسة أن 90 بالمئة من العاملات يجهلن محتوى بطاقات الخلاص ولا يعلمن كيف تحدد أجورهن فيما تعتبر 90 بالمئة ان أجورهن لا تكفي لتسديد المتطلبات الأساسية لعيشهن، وتعاني 25 من العاملات من عدم تمتعهن بالتغطية الاجتماعية.

ويرجع عبد الرحمان الهذيلي رئيس المرصد التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية ما تتعرض له المرأة العاملة في قطاع الخياطة والمنسوجات من استغلال إلى "هشاشة الوضعية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للعاملات والتي تجعلهن في موقع استغلال من قبل أصحاب المصانع"، وهو ما يعني عمليا أن تونس تعيش ظاهرة تأنيث الاستغلال إلى حد الاسترقاق.

ويحمل الهذيلي الدولة مسؤولية ما تتعرض له المرأة العاملة في قطاع الخياطة والمنسوجات من استغلال فاحش وهضم لحقوقها وتمييز بينها بين الرجل من حيث الأجر مشددا على أن الدولة "هيأت من خلال القوانين والتشريعات الإطار الملائم لاستغلال اليد العاملة في قطاع النسيج من ذلك تقنين أشكال العمل الهش تحت مُسَمى مرونة التشغيل (عقود محددة المدة وعدم ترسيم العاملات والمناولة وغيرها).

ويؤكد منتدى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية أن "الدولة لم تحترم الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية التي صادقت عليها كما لا يتم تتبع المستثمر الأجنبي في حال انتهاك حقوق العاملات عند الغلق الفجئي للمؤسسة".

ويتهم الهذيلي المجتمع المدني بالتورط بشكل غير مباشر في انتهاك حقوق العاملات من خلال الدور الضعيف والمحدود للعمل الجمعياتي والنقابي في التصدي لهذه الانتهاكات ويتسم انخراط العاملات في النقابات بالضعف إذ لا يتجاوز 10 بالمئة ويعود هذا الضعف إلى "محدودية وعيهن بجدوى العمل النقابي وخوفهن من الطرد".

ومما يعمق حالة "الاسترقاق" التي تعيشها النساء العاملات في مصانع الخياطة والمنسوجات قسوة ظروف العمل وعدم توفر الشروط والمواصفات الضرورية لممارسة مهنتهن.

فقد أثبتت دراسة المرصد التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية أن 60 بالمئة من فضاءات العمل لا تتوفر فيها مواصفات وشروط ممارسة العمل الصناعي وهي فضاءات تتواجد داخل المناطق السكنية ويتم استغلالها على وجه الكراء، وهي عبارة عن مستودعات صغيرة ومتوسطة الحجم مساحتها تتراوح بين 500 وألف متر مربع.

وتفتقر هذه الفضاءات للشروط الدنيا التي تنص عليها تشريعات الشغل من إضاءة وتهوئة وفضاءات صحية وأماكن مخصصة للخزن وأخرى مخصصة للأكل ومنافذ للخروج عند المخاطر وفقا لشروط الصحة والسلامة المهنية إذ تشتكي 95 بالمئة من العاملات من غياب الفضاء الصحي داخل المصانع، ومن نقص كبير من حيث الصحة والنظافة في تلك الفضاءات.

وتفتقر 45 بالمئة من المصانع إلى فضاء مخصص للأكل الأمر الذي يجبر العاملات على تناول غدائهن أمام المصنع أي على الرصيف.

وقالت 31 بالمئة من العاملات أنهن يعانين من آلام على مستوى الظهر والأيادي والقدمين بسبب استعمال كراس غير مريحة. وتؤكد 28 بالمئة أنهن يعملن في ظل غياب قواعد السلامة المهنية خاصة وان حوادث الشغل تحول بعضهن إلى معوقات على مستوى اليد. كما تنعدم وسائل الوقاية أثناء العمل خاصة في وحدات الصباغة والغسيل، إذ تغيب القفازات التي تحمي أيادي العاملات ويغيب واقي الأنوف مما يجعلهن معرضات لاستنشاق المواد الكيمياوية السامة المتسببة في الربو والحساسية وأحيانا الأمراض السرطانية.

ويستنتج عبد الرحمان الهذيلي رئيس المرصد التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية أن "المرأة العاملة في قطاع الخياطة والمنسوجات تمثل قاع هرم الاستغلال في سوق الشغل التونسي إذ تعاني من مظاهر التمييز على مستوى الأجر والحقوق مقارنة بالرجل وتعاني من عدم تسوية وضعيتها القانونية في فهي أكثر استهدافا بالطرد إذا ما اعترضت على ظروف عملها القاسية لذلك فهي ترضى بتلك الظروف مقابل الإبقاء على أجر أدنى ومكانة دونية".

وتقول ليلى الهمامي "حين اسمع أن هناك من يتقاضى راتبا شهريا قدره 1500 دينار أو 2000 دينار شهريا أجهش بالبكاء وتتملكني حالة من الحزن والشعور بالقهر واشعر أنني لست مواطنة في بلد يتشدق حكامه بحقوق المرأة، بعد 30 عاما من الشغل يجود علي صاحب المصنع بأجر قدره 400 دينار لا يكفي حتى وإن اقتصرنا على أكل البصل".