الوجه الآخر لأزمة السفارات في مصر

الأزمة التي نشبت، بسبب غلق سفارة كل من بريطانيا وكندا في القاهرة، وتلويح أستراليا بخطوة مماثلة، في ظاهرها أمنية، حيث جرت المطالبة بمزيد من التعزيزات، أسوة بسفارات غربية وعربية، تحظى بحماية مشددة. كما أن الترويج على نطاق واسع لوجود تهديدات يمكن أن تطال العاملين فيها، بدا كأنه سبب منطقي أفضى إلى حل الإغلاق مؤقتا، ومنح الأزمة بعدا دراميا، لفت انتباه جهات كثيرة إليها.

لكن تطورات وتفاصيل الأزمة وطرق التعامل معها، كشف عن وجه سياسي خفي، قيل أن سفارة بريطانيا لجأت إليه في إدارتها. وظهرت معالمه في البيانات التي أصدرتها، وتعليقات وتصريحات بعض المسئولين على موقع السفارة الاليكتروني، بشكل مكن بعض الإعلاميين من اصطياد جملة من الأخطاء، واختزال الأزمة لوضعها في خانة المكايدة، ثم القفز عليها لتضخيمها وتحميلها معان كانت بعيدة عنها تماما، أملا في الإثارة، وجريا وراء اختلاق قضايا فرعية، قد تلهينا عن همومنا الداخلية المتراكمة.

الأمر الذي وجدت فيه دوائر أمنية رسمية فرصة لرمي الكرة بعيدا عنها، ووضعها في حجر السفارات الغاضبة. وسواء تم ذلك عن قصد أو بدونه، ففي الحالتين يبدو أن المزايدات السياسية، وجدت ارتياحا لدى أوساط عدة، لأنها نظرت إليها كمدخل يمكن أن يخفف وطأة الضغوط الواقعة عليها.

السفارة البريطانية، كغيرها من السفارات في جميع أنحاء العالم، من حقها أن تأخذ إجراءات احترازية، وهي عملية معتادة، حتى في أكثر الدول تطورا. ومن المستحيل أن تقدم على خطوة الإغلاق بدون التنسيق مع الجهات الأمنية ووزارة الخارجية، غير أن إمعان السفارة البريطانية في الحديث عن المخاطر التي تحيط بالعاملين فيها، أعطى انطباعات أنها تستثمر الموقف الأمني، وتحاول أن توظفه سياسيا، مع أن الفترة الماضية شهدت قدرا كبيرا من الهدوء والأمن والاستقرار، مقارنة بالسنوات العجاف التي تلت ثورة 25 يناير، ولم تتخذ هذه السفارة إجراء مماثلا.

لذلك فالمبالغة في العزف على وتر التهديدات، سمح بسهولة لأن تخرج القضية من سياقها المبدئي. وفي الوقت الذي تعمل فيه أي سفارة على توطيد العلاقات مع شعب الدولة المضيفة، عمدت سفارة بريطانيا إلى التعامل مع القضية بطريقة تنطوي على قدر من "الاستعلاء"، بذريعة أمنية، تمثل في عقاب المترددين عليها، وحرمانهم من الحصول على تأشيراتها من القاهرة.

الواقع أن الضغط، المعنوي والرمزي والسياسي، الذي مارسته السفارة البريطانية على الجهات الأمنية، قد يأتي بنتيجة إيجابية، فتتوافر لها حماية أشد صرامة، مما هو حاصل الآن، لكنه حتما سوف يخلف وراءه تداعيات، ربما تؤثر سلبا على علاقاتها بعموم المصريين، حيث بدت في نظر غالبيتهم، كأنها تمارس "ابتزازا" سياسيا، وتستغل الأجواء الأمنية الحرجة التي تمر بها البلاد، من أجل الوصول لمزايا نوعية في محيط السفارة، ويمكن أن تمتد إلى المنزل وتأمين الطريق الذي يمر فيه سعادة السفير.

طريقة الهجوم الإعلامي الذي تعامل به البعض مع غلق السفارتين، البريطانية والكندية، عزز البعد السياسي عند الطرف المقابل، حيث جرى تعمد صب الغضب على كليهما. وقام عدد من جحافل الإعلاميين بإخراج بعض الملفات القديمة والمستهلكة من الأدراج، لتزداد المسألة اشتعالا، حتى نسي المشاهدون أصل المشكلة، وتذكروا أن الأخ المذيع أو الست المذيعة، يريدانها حربا إعلامية على بريطانيا وكندا، وبالمرة أميركا، ولم يناقشا الأسباب الأمنية بموضوعية. وبسهولة كان من الممكن دحض أي افتراءات بشأن عدم توافر السبل اللازمة لأمن السفارات. لكن تحولت المشكلة إلى سباق في السباب والتراشقات، بصورة كادت أن تؤدي إلى أزمة دبلوماسية، بعد أن تأكد خروجها من السياق الأمني بامتياز، وأصبحت وسيلة لتحقيق أغراض سياسية.

إذا كان الغموض الذي أحاط بالقرار المفاجئ لإغلاق السفارة البريطانية، ثم الكندية، وفر قاعدة سياسية له، فإن المبالغة في تسليط الأضواء، والدخول في منحنيات مختلفة، ساعد على ارتفاع معدل التسييس.

فقد جرنا البعض إلى أن بريطانيا "متآمرة" وتقف على الدوام مع المتطرفين، وتهدف من إغلاق سفارتها، ممارسة قدر وافر وممتد من الضغوط على الحكومة المصرية، للإفراج عن قيادات الإخوان الذين حكم عليهم في قضايا جنائية. فأي عاقل يقبل تقديرا أو تحليلا من هذا النوع؟ وإذا كان رئيس الجمهورية أكد على احترام أحكام القضاء مرارا وتكرارا، فهل يمكن أن نقبل "فيتو" من بريطانيا أو غيرها؟

الواضح أن هناك من يتطوع إلى تقديم خدمات لأولي الأمر، في غير موضعها. لكن المشكلة الأكبر، أن هذه النصائح تجد أحيانا هوى في نفوس بعض المسئولين، حيث تقدم لهم مبررات جاهزة لعدم التجاوب مع الطلبات الأمنية لأي سفارة أجنبية. فإذا كانت العملية عبارة عن مؤامرة أو مناورة، لها أهداف خفية، فمن الطبيعي أن يتم إهمال أي تحذيرات، حتى لو كانت حقيقية. والخطورة التي لم يلتفت لها هؤلاء في خضم وصلة الحماس الوطني الزائف، أن هناك تهديدات فعلية على مستوى العالم، تلقاها عدد كبير من سفارات دول مختلفة. وفي ظل الأذرع المعقدة للإرهابيين، لا أحد يستطيع استبعاد أن تكون مصر الدولة التي سوف تأتي إليها الضربة القادمة.

الحكمة تقتضي، العودة للتعامل مع أزمة السفارات في حدودها الأمنية، والتخلي عن محاولات البعض لجرها إلى الخندق السياسي، ولو بدت عليها ملامح لذلك. وقد تكون هناك تحفظات لدى مصريين على التعامل غير اللائق من قبل بعض السفارات الغربية معهم، أو تريد لندن توصيل رسائل معينة في هذا التوقيت، غير أن دوافع الإغلاق يجب التعامل معها بجدية. فقد تستغل بعض الجماعات المتشددة هذه "الزوبعة"، وتقدم على تدبير عملية إرهابية، حتى لو كانت بقنبلة بدائية، فهي في النهاية سوف تؤدي إلى انعكاسات سياسية واقتصادية خطيرة، ربما نكون نحن في مصر أول من يدفع ثمنا باهظا لها.