الهوية المتعددة المضطربة.. التطرف إنموذجا

التفسيرات المغلوطة للنصوص الدينية

نتكلم كثيرا عن التطرف الناشئ من المجتمعات الإسلامية وسببه الدين كما يقول البعض والسبب الآخر هو التفسيرات المغلوطة للنصوص الدينية وبغض النظر عن ان تكون الأسباب متعلقة بالدين نفسه او بالتطبيق المغلوط للنصوص والفهم الخاطئ لها فالتطرف موجود في كل فكر وفي كل دين وفي كل مجتمع ... وما دفعني للكتابة هنا ما أقدم عليه شاب في عمر الزهور بالدخول على مدرسة بالسويد وكانت ضحيته الأساس هذه المرة شاب عربي عراقي والمجرم كان اوربيا مسيحيا وبيده سيف ينوي قتل التلاميذ به ، ولكن الذي منع من ذلك تضحية الشاب العراقي البطل الذي قاوم المجرم السويدي مما أدى الى ان يفقد حياته وبالتالي شاغله حتى وصول الشرطة السويدية والتي قتلت السويدي المتطرف القاتل وهو شاب جميل هيئته لا تعطي انطباعا عن إنه مجرم وسفاح. والملاحظ لهذه الحادثة يجد ان المتطرف السويدي قد عكس آلية التطرف التي اعتدنا عليها على مشاهدتها فعادة ما يكون المتطرف مسلما او عربيا ويكون الضحية مسيحيا أو يهوديا او علمانيا إلا في هذه الحادثة فقد كان المتطرف مسيحيا والضحية رجلا عربيا مما يدلل على إن التطرف ليس له دين او هوية.

ما يهمني من هذه المقدمة إن التطرف ليس له دين محدد فمن غير الممكن أن نلصق التطرف فقط في الإسلام ، الإسلام المتطرف معروف فيه منذ نشوئه بسبب كما أسلفنا أحاديث او تصرفات قام بها السلف أدت الى فهم لدى الخلف وتطبيق في بعض الأحيان يكون متميز في التطرف والقتل وإلغاء الآخر خصوصا ما يتعلق بالآخر نفسه المختلف عن المسلم ولكن أن نرى متطرفا في السويد دولة العدالة هذا مما يحدونا الى أن نتعرف عن أسباب تطرفه وكيف قام بهذه العملية الاجرامية وماهي الدوافع لها ، هذا من باب ومن باب آخر نرى تطرفا مبنيا على أساس أيديولوجي حزبي او حركي كالتطرف النازي الذي قام بمحرقة الهولوكوست والتي راح ضحيتها ملايين من اليهود العزل والمسالمين بسبب أفعال هتلر الاجرامية في الحرب العالمية الثانية ، وهنالك تطرف حزبي عندما يلغي حزب أحزاب أخرى مشاركة له في الحكم وتؤدي الى منازعات وفي بعض الأحيان حروب. وهنالك تطرف شوفيني قومي كما فعل صدام مثلا بالكرد والتركمان وبقية المكونات القومية للشعب العراقي او كما فعل الاتراك بالارمن في مذابح يخشع لها التأريخ ،ومن هذا الباب نجد ،إن التطرف الديني أيضا أخذ مداه في الحروب بين البروتستانت والكاثوليك والمنتمين لنفس الديانة المسيحية وهذه أدت الى مذابح كبرى اطفئت بسببها مدن ، والتطرف الذي نشهده اليوم في المنطقة العربية اصبح قبليا حتى ومثال حرب القبائل في اليمن مثلا والقائمة على أساس عشائري ومذهبي في آن واحد فعشائر سنية تقاتل عشائر زيدية والقتال في سوريا أيضا سببه تطرف طائفي حيث الإتهام لعائلة الأسد بكونهم علويين على الرغم من علمانية النظام وعدم اعترافه بهذه المسميات ... كذلك نجد التطرف البوذي ضد طائفة الروهنكا المسلمين في ماينمار وما فعله البوذيون هناك من جرائم بحق المسلمين ، والامثلة أحبتي القراء أكثر من ان نحصرها في هذه المقالة ، ولكن ما اريد ان أخلص اليه ،إن التطرف لا يحده شيء بتاتا ولا ينتمي لأرض معينة دون ارض ولا ينتمي لشعب دون آخر او لمذهب دون اخر ، فلذلك نجد العنف المتبادل بين اليهود والفلسطينيين وخصوصا هذه الأيام في الأقصى فما معنى ان يقوم شاب فلسطيني بطعن امراة ومعها طفلها مثلا فقط لكونهم يهود ، هذه قمة الوحشية وما معنى أن يقوم يهودي مستوطن بقتل فلسطيني او بحرق بيته وموت أطفاله داخل البيت فهذه قمة التطرف لانه قتلهم بداع انهم فلسطينيون ليس إلا ، وأنا اكتب في هذه السطور تتمثل امامي داعش بكيانها العجيب الذي سجل أعلى نسب للتطرف والغلو في إقصاء الآخر وبالتالي التطرف هو كيان صعب ان يتعايش في ظله أبناء المجتمع الواحد .

في يوم من الأيام شاهدت فلما يحكي قصة مقتل الفيلسوفة وعالمة الرياضيات المصرية هيباتيا في الإسكندرية ثم رجمها بالحجارة ثم قتلها بشناعة وسلخ جلدها وتمزيقها إربا ثم حرق اشلائها من قبل المتعصبين للديانة المسيحية وذنب العالمة الوحيد إنها كانت تحمل أفكارا نسميها الان بالمعارضة لتعصب الأديان ... فالنموذج هذا هو تصوير واقعي لما نعانيه من تعصب أعمى ومرير .

وللعمل على القضاء على التطرف في المجتمعات ينبغي ان تكون لنا رؤى في هذا المجال ومنها:

1- أن يكون لرجال الدين او السياسة المؤثرين دور في إشاعة قيم قبول الآخر ، لان اغلب التطرف ينشأ من رجل دين متزمت لدينه او رجل سياسة ناقم على شعبه او مجموعة منه وبالتالي فان الإصلاح يجب ان يكون من هذين الرجلين كي تنعم الشعوب بالرحمة الناشئة من التسامح.

2-ان يكون للاعلام الدور الحقيقي في إشاعة قيم قبول الآخر والتسامح ونشر مبادئ لا عنفية من خلال ندوات وبرامج تحض على التسامح وتبين الآخر من هو ، للأسف الشديد كم لدينا من القنوات اليوم في العراق على سبيل المثال ، ولكن عندما حصلت أزمة الايزيديين وكيف قتلتهم وهجرتهم وسبتهم داعش كثير من العراقيين لا يعرفون شيئا عن هذا الدين وهنا دور الاعلام ان يسلط الضوء على كل المتعايشين معا في الوطن الواحد وان يُعرف بهم وبديانتهم كي يكون للجميع الدور الاسمى في قبول الآخر .

3-التركيز على الدور الإيجابي للتاريخ ، وأقصد بالدور الإيجابي اعادة الروايات والنصوص التي تحض على التسامح في اية أيديولوجية كانت وتجميد النصوص الحاثة على العنف وان كانت مقدسة وإبعاد الجيل المتعلم عنها .

4-التركيز على الكلمات التالية ووضع تعاريف محددة لها وتعريف المجتمعات بها ومن هذه الكلمات : التعدد الحضاري ، التعدد المجتمعي، حوار الحضارات قبول الآخر ، التلاقح الحضاري، التمازج المجتمعي ، وبالتالي ستكون هذه الكلمات ذات مردودات إيجابية على بناء دولة وأمة.

5-استلهام النصوص العالمية التي تحث على التسامح ووضع برنامج لإدخالها كنصوص قانونية للدول التي تعاني من العنف والغرض من هذه القضية ان يكون للنصوص المعتدلة والإنسانية الرائعة كالإعلان العالمي لحقوق الانسان واتفاقية سيداو في حقوق المرأة واتفاقية حقوق الطفل دور في الدستور كي نضمن من خلالها تأسيس صحيح للدولة .

6- التركيز على التربية ومفاهيمها ووضع برامج تربوية هادفة لتنشئة الجيل وحثه على قبول الآخر بعيدا عن الأساليب العنفية في مجالات التربية التي تمنع النشء من أن يكون متسامحا.

7- وضع دراسات ستراتيجية هادفة تشتغل على الأجيال لسنوات قادمة هدفها الإصلاح المجتمعي ومراعاة وقبول الآخر والتركيز على هذه الدراسات عبر الاعلام وعبر منظمات المجتمع المدني وعبر المؤسسات المجتمعية الأخرى، ويكون هدف الإصلاح الأسمى هو الحوار مع الآخر واحترامه.

8- مقاومة النظام الابوي والنزعة الاستبدادية حيث نتج عن ترسيخ البنية الفكرية الماضوية للعقل العربي تواطؤ غير معلن بين السلطة والنظام الابوي ، لان كليهما ذو نزعة استبدادية قمعية وقفت حجر عثرة في مسار الإصلاح والتحديث والتقدم الاجتماعي ، وولدت عجزا عن توليد تيارات اجتماعية وثقافية نقدية فاعلة لها القدرة على تغيير العلاقات الاجتماعية والسياسية التقليدية وتجاوزها الى صياغة مشروع نهضة تحديثية يمتلك مقومات البقاء والتطور والاستمرارية .

9- ويشير الدكتور إبراهيم الحيدري الى ان النظام الابوي البطرياركي هو بنية اجتماعية متميزة ناتجة عن شروط وظروف تاريخية واجتماعية وثقافية وتتكون من سلسلة من المراحل التأريخية والتشكيلات الاجتماعية المترابطة في ما بينها حيث ترتبط كل مرحلة منها بمرحلة انتقالية تسبقها حتى تصل الى مرحلة النظام الابوي الحديث ، وعلى الصعيد الاجتماعي يهيمن النظام الابوي على العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تغلب عليها الانتماءات القبلية والطائفية والمحلية ، لان المجتمع الأبوي هو نوع من المجتمعات التقليدية التي تسودها أنماط من القيم والسلوك وأشكال متميزة من التنظيم ، وهو يشكل لذلك بنية نوعية متميزة تتخذ أشكالا مختلفة من بينها بنية المجتمع الابوي العربي، الذي هو أكثر أبوية وأشد تقليدية وأكثر محاصرة لشخصية الفرد وثقافته وترسيخا لقيمه وأعرافه الاجتماعية التقليدية وتهميشا للمرأة واستلابا لشخصيتها ، لانه ذو طابع نوعي وخصوصية وامتداد تأريخي يرتبط بالبيئة الصحراوية والقيم والعصبيات القبلية التغالبية ، فالعالم العربي هو أعظم موطن للبداوة.

10- يمتد النظام الابوي الى تشكيلات السلطة التي ما زالت تعتمد على النفوذ العائلي ، وما زالت التكتلات العائلية والعشائرية والطائفية تؤدي دورا هاما وبارزا في المدن والقرى والارياف وليس من النادر أن نجد افراد قبيلة واحدة او طائفة واحدة او مدينة واحدة او منطقة واحدة يسيطرون على السلطة والدولة والمجتمع ويتحكمون في رقاب الناس، وهذا دليل على إن السلطة الابوية ترتكز على العائلة الممتدة، التي هي النمط القرابي السائد الذي يمتد الى النظام السياسي الحديث ويستمد شرعيته من كونه نظاما قرابيا أبويا يطرح الحاكم نفسه في انه " الاب القائد" ، " مختار العصر" ، "القائد الضرورة" وان جميع افراد الشعب هم أبناؤه وعليهم جميعا الطاعة والولاء .

11-ان هذه العلاقة التي تتحكم بالرئيس والمرؤوس، في العائلة والقبيلة والطائفة والدولة هي شكل من السيطرة الابوية الهرمية التي تقوم بين الحاكم والمحكوم

ان التطرف الذي تعاني منه جميع المجتمعات والأديان بلا استثناء والأحزاب بلا استثناء إنما منشؤه الحالة العمياء التي تكون بعيدة كل البعد عن حالة الصفاء الفكري الإنساني واننا ملزمون كلنا كأنسانيين أن نبرهن على انسانيتنا عبر قبولنا وحبنا للآخر المختلف عنا وبذلك نبرهن على انسانيتنا التي سلخت في الكثير من احوالها .

ياسر قاسم جاسم

كاتب عراقي