الهبة بين مشهدين

بدأ العام الجديد، بما انتهى إليه زميله المنصرم، من تراكم القضايا العالقة على أجندة العمل الوطني الفلسطيني، ولا تبدو إلى الآن أية مؤثرات تشجع على التفاؤل بايجاد حلول ناجزة للأزمات الفلسطينية المتراكمة.

في ظروف ومحطات سابقة ساهمت حركة الشارع الفلسطيني في دفع مكونات الحالة السياسية الفلسطينية باتجاه الاقتراب من القاسم المشترك الذي يجمع في ما بينها، حصل هذا في الانتفاضتين الأولى والثانية. وكان السبب الأساس في حصول ذلك هو الإجماع الوطني الشعبي والسياسي حول الانتفاضتين السابقتين.

ما سبق يدفع إلى التساؤل عن سبب عدم توافر الاجماع على الهبة الشبابية في الأراضي الفلسطينية المحتلة وضرورة تطويرها إلى انتفاضة شعبية ثالثة في الوقت الذي يستمر فيه سفك الدم الفلسطيني دون ردات فعل جدية على المستويات كافة.

من نافل القول إن دعم وإسناد الهبة الشبابية والالتفاف حولها، يوفر لها الحماية السياسية، وبالتالي البرنامجية مع تأمين قيادة موحدة لهذه الهبة توجه فعالياتها وتوجهها وفق برنامج واضح مستمد من عناوين البرنامج الوطني الفلسطيني التحرري.

من هذه الزاوية، ومع استمرار الوضع الحالي، ستجد الهبة نفسها أمام مفترق طرق في ظل الفراغ البرنامجي الذي يشكل مناخاً مشجعاً للكثير من النزعات والاتجاهات التي تقرأ الصراع وفق رؤى وإيدولوجيات تخرج الصراع عن حقيقته ما بين احتلال استيطاني وشعب يقع تحت الاحتلال ويسعى من خلال برنامجه الوطني التحرري إلى الانعتاق ونيل استقلاله وتجسيد حقوقه الوطنية.

ومع استمرار التردد تجاه الهبة، والنزيف المستمر للدم الفلسطيني على يد الاحتلال، ستتشجع تلك الاتجاهات في محاولة توجيه الاحتقان المتعاظم في الأراضي الفلسطينية المحتلة باتجاهات عدة لا تقتصر استهدافاتها على الاحتلال ومستوطنيه.

والغريب والمستنكر في الوقت نفسه أن جميع الوقائع والتطورات التي حصلت في العشرين عاما الأخيرة تؤكد أن السياسات الانتظارية والرهان على المفاوضات العقيمة كانت طريقا للتهلكة ليس إلا، ويؤكد صحة هذا الاستخلاص الواقع الذي وصله الاستيطان وحملات التهويد بما يقطع الطريق على قيام الدولة الفلسطينية المستقلة في حال استمر ولم تتم مواجهته وفقا لقرارات الإجماع الوطني وأبرزها قرارات المجلس المركزي في دورته الأخيرة.

جاءت الهبة لتعبر بوضوح عن رفض الخيار الذي يتمسك به المفاوض الفلسطيني، وشكلت اندفاعة الشباب نحو مقارعة الاحتلال العنوان الأبرز الذي ينبغي على الحالة الفلسطينية التقاطه كما حصل في الانتفاضتين الماضيتين. ولو اجتمعت هذه الحالة على القراءة الصحيحة لاندلاع الهبة لأدركت أنها فرصة ثمينة ليس فقط للخلاص من خيار المفاوضات وقيودها، بل وقبل كل شيء لاحداث انعطافة هامة في مجرى الصراع مع الاحتلال.ومع توافر هذا الحراك في الشارع الفلسطيني وآفاق تطوره، فإن العمل الوطني الفلسطيني برمته سيخرج من حالة الدوران حول الذات والتقوقع خلف الأزمات القائمة.

والأهم من كل هذا، أن حدثا بارزا كالهبة التي اندلعت يشكل مدخلا لحل الكثير من هذه الأزمات، وأبرزها الانقسام، في حال توافر الإجماع السياسي والميداني على دعم الهبة وإسنادها وحمايتها بعيدا عن التصريحات الإعلامية من هنا.. وهناك.

الأسوأ، في حال بقيت الهبة يتيمة، يتجلى ليس فقط في وضعها أمام مخاطر الاحتواء والالتفاف عليها تمهيدا لإخمادها، بل أن الأمور لن تعود ببساطة إلى ما كانت عليه قبل اندلاعها. لأن الاحتقان الذي انفجر في وجه الاحتلال، ربما يتحول إلى يأس في حال تم إجهاض الهبة، ولا أحد يستطيع أن يتوقع بالضبط ما الذي سيؤدي إليه هذا اليأس في حال استبد بالشباب الفلسطيني.

على العكس من الحالة الفلسطينية، نجد حكومة الاحتلال قد جندت كل ما تستطيع أمنيا وسياسيا وإعلاميا لتظهير الهبة كحدث إرهابي، وتقاطعت في هذه الرؤية مع الإدارة الأميركية وغيرها. ومن يقرأ التحليلات السياسية الواردة في الإعلام العبري يلاحظ هذه الجبهة الواسعة من العداء للفلسطينيين وحقوقهم.

يواجه عدونا الهبة وشبانها وفق قراءة موضوعية أدركت خطر هذه الهبة منذ البداية. ومن هذه الزاوية أطلق يد المؤسسة الأمنية في ارتكاب عمليات الإعدام على «الشبهة»؛ وفي الوقت نفسه ضغط ولا يزال بالتعاون مع واشنطن على السلطة الفلسطينية كي تلعب دورا في كبح الهبة تمهيدا لإجهاضها. وهو لا يزال يراهن على استمرار التردد الفلسطيني حول الوصول إلى إجماع بدعم الهبة، ويسعى بكل جهده لاستغلال الوقت كي ينجح في إخمادها.

ومع اتساع المواجهة التي وصلت منذ البداية إلى أراضي الـ48، وصلت مظاهر العنصرية ضد الفلسطينيين منسوبا قياسيا، وبدأت التحليلات التي صدرت بعد عملية الطعن في تل أبيب تذهب باتجاه يضع الحالة الفلسطينية العامة في خانة «الإرهاب العالمي» الذي ينظَّر المحللون الإسرائيليون على أنه وجد امتداداته عند الفلسطينيين.

وفي هذا الوقت، يقوم نتنياهو بمناورة يحاول من خلالها إيهام المجتمع الدولي بأن حكومته لا تنظر بعنصرية إلى فلسطينيي الــ48 وظهر هذا بوضوح مع تمرير الأنباء عن خطة تطوير موضوعة بشأن المناطق التي تضم التجمعات العربية في أراضي الـ48.

هكذا تقف الهبة بين مشهدين، مشهد إسرائيلي تستنفر فيه الحكومة الإسرائيلية كل أدوات القتل والتشويه السياسي في وجه الهبة، ومشهد فلسطيني متردد لا يزال البعض فيه يراهن على الدور الأميركي وعلى ما يمكن أن تأتي به المفاوضات سيئة الصيت والنتائج.

المفارقة أن لدى الفلسطينيين حزمة من الأسلحة السياسية والبرنامجية لم يمتلكوها منذ عشرين عاما. قرارات أممية لصالح فلسطين وترقية وضعها في الأمم المتحدة، وعضوية في مؤسساتها ذات الصلة بمقارعة الاحتلال؛ قرارات متقدمة للمجلس المركزي تصوب المسار السياسي الفلسطيني الرسمي. هبة شبابية عارمة تجاوزت حتى الآن الرهان على إجهاضها.

لقد بدأ الفلسطينيون طريقهم باتجاه استعادة حقوقهم قبل عدة عقود ولم يملكوا في حينها سوى أحلامهم وعزيمتهم. واليوم وكل هذه الأسلحة باليد ولا يتم استخدامها.. أمر يدفع لأكثر من التساؤل.. ماذا بعد؟