النُّصيريَّة... إِشكالية التَّسمية بالعَلويَّة!

بقلم: رشيد الخيّون

عطفاً على مقالينا السابقين "النُّصيرية طائفة والبعث سلطة"، و"النصيرية... لحظة الافتراق عن الإمامية"، وقد حاولنا فيهما التنبيه إلى خطورة عدم التمييز بين الحاكم وديانته أو طائفته أو قوميته. فالحق يقول: "وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى" (الأنعام: 164)، وأتينا على أسباب الافتراق السياسي عن الشيعة الإمامية، ونأتي في هذا المقال الأخير، في هذا الشَّأن، إلى إشكالية التسمية بالعلوية، التي اشتهرت بها الطائفة النصيرية منذ 1920 عندما قامت دولة عرفت بدولة العلويين تحت الانتداب الفرنسي، وانتهت بعد 16 عاماً بجهود شخصيات من الطائفة نفسها، فقد قرروا الانضمام إلى بقية الأراضي السورية.

أقول: من له نسيان الشاعر والوزير بدوي الجبل (ت 1981)، محمد سليمان الأحمد نجل شيخ الطائفة، وحماسته من أجل سوريا. نُذكّر بالدور الوطني لهذا الشاعر، مثلما ذَكَّرنا بسوء نصيحة سُديف بن ميمون (قُتل 149 هـ) للعباسيين بمحو الأمويين: "لا ترى فوق ظهرها أمويا"، في الأيام الأُولى بعد اجتياح الأميركيين لبغداد (9 أبريل 2003)، حاثين فيه على عدم الانجرار وراء شعور الانتقام مِن حزب "البعث"، وأخذ طائفة كاملة كانت مبتلية، مثلما ابتلى الآخرون، بفعل الحاكمين.

عودة إلى العنوان: من ناحية الاسم يُصَرُّ على أنها الطَّائفة العلوية، مع أن العلوية أو العلويين اسم عام تدخل تحت خيمته عدة طوائف، كان مصطلحاً يجمع محبي وأنصار علي بن أبي طالب (اغتيل 40 هـ)، لهذا يمكن إطلاقه على أهل العراق كافة آنذاك، شيعتهم وسُنتهم حالياً، لأنهم كانوا مع علي وخلافته بالكوفة ضد معاوية بن أبي سفيان (ت 60 هـ) وإمارته بدمشق. كيف وإمام المذهب الشافعي (ت 204 هـ) نفسه كان علوي العاطفة، وما زال الشافعيون، من أهل التصوف وغيرهم، هكذا.

فكيف تستأثر به جماعة واحدة، بينما تأسست دول شيعية عديدة، والعلوي صار نسبة لثائرين وسلاطين بالمغرب، الذين تحولوا إلى المذهب المالكي وظلوا ينتسبون إلى العلوية، ومصر الفاطمية، وأسماء وجماعات لا تُعد ولا تحصى! وإذا تتبعنا حوادث التاريخ نجد أن اسم العلويين يتكرر كإشارة لأحفاد أبي الحسن، والتي هي أصغر دائرة من الهاشميين، ففي الاسم الأخير يشاركهم العباسيون نسبة إلى العباس بن عبد المطلب بن هاشم (ت 32 هـ).

يغلب على الظَّن أن اتخاذ اسم العلوية أو العلويين بدلاً من النصيرية أو النصيريين جاء بغاية التخلص من الاسم الذي قدمته كتب الملل والنحل مشوهاً، وارتبط بالغلو والمروق عن الدين، مع عدم تصديق ذلك. لكننا ملنا إلى فكرة أنهم بإزالة اسم النصيرية عنهم يفسح المجال لإعلان ارتباطهم بالإثني عشرية، لأن ابن نُصير، المتصل الاسم به، هو الخارج عن الإمامية، نريد أو لا نريد أنه صار تاريخاً، ومن الصَّعب تعديل الخطأ الشائع بصحيح ضائع، لكنها الحقيقة، ولا نرى خطأً في الإشارة إليهم بالنصريين. على أن التسمية العلوية فيها إشكال حصر العلوية فيهم.

ليسوا هم أول مَن يُنسبوا إلى اسم شخص، صحيح أن اسم مؤسسهم محمد بن نُصير النَّميري (ت 270 هـ)، لكن معلوماً أن مَن سماهم هم الخصوم، فتعدوا الاسم الأول إلى الثاني، كي لا يُسمون بالمحمديين، وهذا ما حصل مع الوهابية، فتعدى الخصوم اسم محمد بن عبدالوهاب (ت 1792) إلى اسم والده كي لا يعرفوا بالمحمدية، ولعل ذلك ورد ليس من كراهة بل لأن أكثر الأسماء جاءت على اسم النبي، ولا تتميز إلا بالاسم الثاني.

ما يدل على أن الاسم (العلويين) جديد بالنسبة لهذه الطائفة، وكان قديماً مثلما تقدم بمعناه العام وشموليته، قال أول علوي كتب عن طائفته محمد أمين الطويل (ت 1932) شاكراً الله تعالى: «نشكر مولانا ونثني على لطفه وخيره ونحمده لعطاياه. بعد انتهاء الحرب العمومية رجع إلى هذه الطائفة اسمها القديم، وسميت العلوية، ويا نِعم النسبة، ويا عظمة الفائدة، وهذا ما كانت محرومة منه» (تاريخ العلويين).

أجد في هذه التسمية ورطة جديدة، وهي أن غيرهم من مناصري ومحبي علي بن أبي طالب ليسوا علويين، لذا لو حصل أن عادت الطائفة إلى اسمها الأول «الإثني عشرية» مثلاً قبل ظهور فكرة محمد بن نصير النميري، والتحاق جماعة به من الإثني عشرية أو الإمامية، وخالف ما عليه الشيعة الآن بالعراق، أي قبل الانشقاق بسامراء، وإلا فتسمية العلويين لا أجد فيها حقاً.

لم يحصل أن عبّر عنهم مؤرخ أو رحالة باسم العلويين، إنما ذُكروا بالنُّصيرية، وصاحبهم كان منبوذاً مِن خصومه في قضية الخلاف على ملء فراغ الإمامة الشيعية بوفاة الإمام الحادي عشر الحسن العسكري (ت 260 هـ)، وغياب ولده في السنة نفسها، حسب الاعتقاد الإمامي. فالرجل واعني ابن نُصير كان صاحب فكرة سياسية أكثر منها عقائدية عند انشقاقه عن الإمامية. أما الغلو فقد وُصم به الكثيرون، مِن المختلقين مثل عبدالله بن سبأ (لا عام وفاة لعدم وجوده).

لكن لو تركنا رواية ابن بطوطة بوجود النصيرية، بهذا الاسم، بدائر ساحل اللاذقية، منذ ذلك الحين، وهو العام 726 هـ (الرحلة)، عند وصوله الشام، أي قبل العثمانيين واضطهادهم لهذه الطائفة بزمن طويل، فماذا نقول لرواية ياقوت الحموي (ت 626 هـ)، الذي سمع بهم أو شاهدهم بحِمص، وذكرهم باسم النُّصيرية (معجم البلدان)؟! وزمنه سابق على ابن بطوطة بنحو مئتي عام. نقول لا بأس من تسميتهم بالنُّصيرية، فهي حقيقة قائمة. إن محاولة شطبها يعني لغاية، لا أظنها ستستقيم مِن دون كشف الحقائق. مثلما أشار محمد حسين فضل الله (ت 2010) في تقديمه لكتاب الشيخ علي الإبراهيم، عندما نصح بعدم حجب الحقائق (العلويون والتَّشيع)، وهذه واحدة مهمة إذا لم تكن في مقدمتها.

مِن جانب آخر أرى في اعتبار اسمهم نسبة إلى الجبل "النُّصيرة" الذي حصرهم العثمانيون في وديانه وسفوحه، مثلما عبر عن ذلك الطويل في "تاريخ العلويين"، والإبراهيم في "العلويون والتَّشيع" ماهو إلا تبرير لا يصمد أمام حقيقة تاريخية هي وجود المؤسس محمد بن نُصير باعتراف الجميع، والطَّعن به كان أمراً سياسياً لا دينياً، ومِن العادة أن يحصل الطعن والتشويه بمقالة "الفرقة الناجية".

رشيد الخيّون

r_alkhayoun@hotmail.com